Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

بعد الإيمان بالله تعالى ربًا لا شريك له سبحانه كان الهم الذي يشغل بال الكثير من المسلمين هو: أي الإسلام خير؟!

وكأنهم بهذا السؤال يريدون أن يحققوا ضمان الجودة في إسلامهم، فهم هنا لا يسألون عن مطلق إسلام، فكلنا مسلمون بهذا المعنى، بل هم يسألون عن أعلى مراتب الإسلام ليؤكدوا من خلال ذلك صدق دعواهم بأنهم مسلمون.

والسؤال: هل هناك ميزان نستطيع من خلاله وعن طريقه أن نزن به درجة إسلامنا؟

الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) لم يتركنا نتخبط بحثًا عن البرهان والدليل على ما ندعيه، بل هو صلوات ربي وسلامه عليه بيَّن لنا، ودلنا على الميزان القسط الذي يشفي صدورنا، ويريح قلوبنا، فقال صلى الله عليه وسلم): «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..». متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(10)، ومسلم برقم(40).

إذًا، فلا يكمل إسلامك ولا يستوي على سوقه ما لم تحول المثل والقيم والأخلاق التي جاء بها الإسلام، وحض عليها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى واقع عملي ممارس يعرف الناس منه صحة إسلامك، وسلامة يقينك.

كلنا يزعم أنه مسلم كامل الإسلام، أو على أقل تقدير قريب من درجة الكمال، ولكن هل هناك دليل على صحة هذه الدعوى؟ الرسول (صلى الله عليه وسلم) يسر لنا السبيل إلى معرفة ذلك بهذا الحديث الذي هو بمثابة الميزان الذي لا يضل ولا يشقى صاحبه.

من أجل هذا كان المسلمون بعد أن تحققت لهم الدرجة الأولى والمهمة بإسلامهم، وتوحيدهم كانوا يسألون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أعلى مراتب الإسلام، والسبيل إلى بلوغها، فروى عبدالله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أن رجلاً سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أي الإسلام خير؟! قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(12)، ومسلم برقم(39).

الرسول (صلى الله عليه وسلم) اختار من الصفات الدالة على أي الإسلام خير صفتين هما: إطعام الطعام، وإقراء السلام، وهما صفتان جليلتان لهما من الأثر الطيب في المجتمع الإسلامي ما يعزز مكانتهما، وحين نبحث عن مكانة إطعام الطعام لمن هم في حاجة ماسة إليه نقرأ قوله تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا(8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا(9) إنَّا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرا(10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقَّاهم نضرة وسرورا(11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا(12)» الإنسان.

هذا هو مقام إطعام الطعام عند الله تعالى، فهو السبيل إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت لأهل التقوى والمرحمة، بل في إطعام الطعام نجاة من أهوال يوم القيامة، ولقد حذّر الحق سبحانه وتعالى من مجرد الامتناع عن حض القادرين على الإطعام، ويكفي المسلم الذي لا يقدر على الإطعام، ولا يملك أسبابه أن يحض غيره من القادرين على الإطعام إلى ذلك، قال سبحانه وتعالى: «أرأيت الذي يكذب بالدين(1) فذلك الذي يدع اليتيم(2) ولا يحض على طعام المسكين(3) فويل للمصلين(4) الذين هم عن صلاتهم ساهون(5) الذين هم يراءون(6) ويمنعون الماعون(7)» الماعون.

هذه هي أول صفة للإسلام الخيِّر، أما الصفة الثانية، والتي تقوى بها الروابط الاجتماعية، فهي إلقاء تحية الإسلام على من نعرف ومن لا نعرف، وتحية الإسلام، السلام، لأن إفشاء السلام حق مشروع لكل إنسان، وليس هناك شريعة احتفت بحقوق الإنسان كما فعلت الشريعة الإسلامية التي عاش في ظلها أصحاب الملل والنحل في أمن وأمان، وسلم وسلام، لا نقول هذا تفاخرًا بل إقرارًا بحقوق أوجبها الإسلام علينا، وسوف يسائلنا عنها يوم القيامة، وهذه الصفة، نعني بها إقراء السلام على من عرفنا ومن لا نعرف تحمل في طياتها الاعتراف بالآخر، وتوفير كل الضمانات له ليعيش على أرض الإسلام مواطنًا له نفس الحقوق التي للمسلمين، ومن أراد الدليل على ذلك، فعليه أن يرجع إلى صحيفة المدينة التي كتبها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأقرَّ فيها بحقوق المواطنة قبل أن يكون لهذه الكلمة وجود قبل الإسلام، فقد عاش على أرض دولة الإسلام المسلمون واليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الذين أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن نستن فيهم سنة أهل الكتاب، ولقد فعل خلفاء الإسلام الراشدون ذلك، وألزموا أنفسهم ومن جاء بعدهم من الحكام المسلمين مع بعض الاستثناءات.

إذًا، فهذا جانب من جوانب الخيرية في الإسلام على المسلمين الالتزام به، وتحقيقه واقعًا حيًا في حياتهم اليومية.

Advertisements

لماذا.. حكمة بالغة.. وليست حكمة بليغة؟! السؤال له وجاهته، وله مشروعيته لمن أراد أن يعلم، ويستقصي ما يعلم.

حكمة بليغة.. أي في ذاتها، ولكن حين نقول: حكمة بالغة.. أي بالغة الكمال أو قريبة من الكمال لذلك سميت حكمة، وهو ما اتفق عليه الناس بأنها القول الفصل في قضية من القضايا، أو مسألة من المسائل، يقول تعالى: «حكمة بالغة فما تغني النذر» القمر/5.

إذن، فالحكمة البالغة هي الحجة البالغة التي لا يستطيع الإنسان ردها مهما كان بليغًا في قوله أو حجته، قد يكون الإنسان ذَا حكمة بليغة، ولكنه لن يكون ذَا حكمة بالغة مهما أوتي من علم أو دربة على الكلام أو مخاطبة الناس في المحافل والمنتديات.

من هنا ندرك أن مسؤولية الداعية تتضاعف كلما كانت القضية التي يتصدى لها عظيمة القدر، بالغة الكمال، عندها يجب عليه أن يعد لها ما يستطيع من قوة في البيان والإقناع، وعليه ألا يكتفي بأن يقول للناس كلامًا بليغًا، بل عليه أن يحاول أن يقول لهم كلامًا بالغ الكمال أو قريبًا من الكمال، لأن الكمال لله تعالى وحده دون سواه.

وعلى الداعية وهو يخوض حربًا ضروسًا ضد أعداء الإسلام الذين يسعون جاهدين إلى تشويه صورة الإسلام، والتشكيك في حقائقه التي أقرها وصدَّق عليها المنصفون من علماء الغرب وفلاسفته ومفكريه من أمثال الفيلسوف الإنجليزي جورج برنارد شو، والباحثة والعالمة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» والعالم الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب» وغيرهم من الصفوة المنصفة من العلماء والمفكرين، عليه أن يستعين بأقوال هؤلاء للرد على الطاعنين في الإسلام، المشككين في حقائقه، وقيمه السامية.

إن العلم يدعو إلى الإيمان، كذلك قال العالم الأمريكي موريس كريسون في كتابه «العلم يدعو إلى الإيمان»، والله تعالى يظهر ويتجلى في عصر العلم، كذلك قال صفوة من العلماء حين وضعوا مؤلفهم «الله يتجلى في عصر العلم».

إذن، فالداعية الذي فتح نوافذ عقله على كل الثقافات يستطيع أن يقدم كلامًا بالغ الحجة والبرهان ولا يكتفي بتقديم الحجة البليغة، فهو حين يضيف إلى كلامه النابع من حقائق الإسلام كلامًا أو شهادات لعلماء الغرب ومفكريه، فإنه بذلك يقترب من مجال الحكمة البالغة، ويكون لكلامه أثر محمود، وتأثير طيب، وليكن شعاره قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا (71)» الأحزاب.

نلاحظ في الآية الجليلة أنك لن تستطيع أن تقول قولاً سديدًا ما لم تتق الله تعالى، وهو أن تأتي ما طلبه وأوجبه عليك، وأن تنتهي عما نهاك عنه، فإذا تحققت فيك التقوى بهذا المعنى، وجعلت بينك وبين عذاب الله تعالى وقاية من عمل صالح متقبل، فإن الله تعالى سوف يسدد قولك، ويصلح عملك. والتقوى بهذا المعنى الجامع المانع تكون قد ذهبت بالخير كله من قول سديد، وعمل صالح متقبل. وهذه الآية العظيمة يكررها الدكتور مصطفى محمود حين يتحدث عن رحلته من الشك إلى الإيمان، وكيف قطعها بين الصعاب والعقبات، وكيف استطاع أن يواجه دعاوى الإلحاد والتمرد على الإسلام، فكان يقول إنه وقف حيال هذه الآية، وسأل نفسه: هل يكفي الكلام وإن كان قولاً سديدًا أن يكون جواز المرور إلى رضوان الله تعالى؟! وأجاب عن السؤال بنفسه قائلاً: مهما كان القول سديدًا لا بد له من ترجمة عملية يعود نفعها إلى الناس، والدليل على ذلك قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)» الصف.

إذن، فمن سمات القول السديد أن يقود إلى العمل الصالح، أما إذا بقي القول السديد يراوح في مكانه، فإنه لن يبلغ مرتبة السداد، وإن زعم قائله أنه كذلك.

إذن، فالحكمة البالغة مضمونها قول سديد، وعمل صالح متقبل، فإذا. اجتمع هذان الاثنان كانت الحكمة بالغة، ولم تكن فقط بليغة.

لا أدري هل قاربت الصواب بهذا الفهم للحكمة البالغة أي الحجة البالغة التي لن يستطيع الإنسان العاصي ردها يوم القيامة، أم ابتعدت عن الصواب؟

وهل يحق لنا أن نطرح مثل هذه الرؤية التي لا نجزم بصوابها ليقرأها الناس، ويتداولوها فيما بينهم، إذ قد يكون حظنا من العلم قليل، وبضاعتنا فيه مزجاة، ولكننا نشعر بقسط من المسؤولية تجاه القرّاء، وأن علينا أن نحدث بنعمة الله تعالى علينا، ويكون لهم نصيب مما أفاء الله تعالى به علينا، أما إذا لم يكن قولنا سديدًا، وعملنا غير مكتمل الصلاح، فإن ذلك منا ومن الشيطان، وكل توفيق ونجاح هو من عند الله تعالى، وليس من عندنا.

حق غير معلوم!!

Posted: أبريل 15, 2018 in خواطر الجمعة

تنوعت أساليب القرآن في الحض على الزكاة باعتبارها حقا معلوما للسائل والمحروم، وهي أيضًا فريضة من الله تعالى لأصحاب الحقوق الذين ذكرتهم سورة التوبة في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) الآية 60.

والسؤال الذي يطرحه كثير من الناس هو: هل في أموال الأغنياء للفقراء حق غير الزكاة، وإذا كان الجواب نعم، فما دليلكم من القرآن؟

الجواب بالتأكيد هو: نعم، فحين لا تفي الزكاة بحاجة الفقراء والمساكين فلولي الأمر أن يأخذ من أموال الأغنياء القدر الذي يسد به العجز في الزكاة، ودليلنا من القرآن هو قوله تعالى: (والذين في أموالهم حق للسائل والمحروم) الذاريات/19.

لقد تساوى مال الزكاة والمال الذي يسد العجز في الزكاة في أنهما «حق» إلا أن الزكاة «حق معلوم» معلوم القدر والنوع، والحق الآخر «غير معلوم»، كما أنه معلوم أن الزكاة هي قدر قليل يدفعه المزكي إلى أصحاب الحقوق، وهي تؤخذ من أوسط مال الغني كما أوصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معاذًا حين بعثه إلى اليمن، قال له: وأخبرهم أن الله تعالى قد افترض في أموالهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، ثم قال له: وتجنب كرائم أموالهم!!

إذن، فالزكاة حق، وما عجزت الزكاة عن الوفاء به لأصحاب الحاجات حق كذلك.. هذا حق وذاك حق، فالإسلام إذن يقف مع أصحاب الحقوق، ويدافع عنهم، وهذا ما فعله خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) عند توليه الخلافة، كان همه الأكبر هو الدفاع عن حقوق الفقراء والمساكين، وذلك حين امتنع المرتدون عن أداء الزكاة إلى دولة الإسلام، فأعد الجيوش وحاربهم حتى أعادهم إلى الإسلام، وألزمهم بدفع الزكاة، لأن الزكاة حق من حقوق الفقراء والمساكين قد افترضها الله تعالى في أموال الأغنياء، ومن يمتنع عن إخراجها يعتبر غاصبا لحقوق غيره، وهو بهذا جعل الأغنياء يقفون في مواجهة الأصناف الثمانية الذين ذكرتهم الآية (60) من سورة التوبة، ويحق لهؤلاء أن يقاتلوا من منعهم حقهم المعلوم، وهذا ما فعله أبوبكر الصديق ( رضي الله عنه) باعتباره نائبًا عن الأمة، واشتد غضبه على استنكار عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) له، وقال له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقاتلتهم عليه، وأمام إصرار أبي بكر وموقفه الثابت أنار الله تعالى قلب عمر لموقف أبي بكر (رضوان الله تعالى عنهما).

إذن، فالزكاة وما يلزم من أموال الأغنياء لسد العجز فيها عن الوفاء بحاجات الفقراء والمساكين، كلاهما حق لا بد من الدفاع عنه، والحرص على تحقيقه وتوصيله إلى مستحقيه، من هنا ندرك أن الإسلام في تشريعاته، وفي أوامره ونواهيه حرص على حقوق العباد، وقيض لهم من يدافع عن هذه الحقوق حتى لو اضطر ولي الأمر إلى المواجهة العسكرية حين تعجز الوسائل السلمية عن تحقيق ما تعهد به نائب الأمة (الخليفة)، وهذا المبدأ الحقوقي سار عليه من جاء بعد الصديق (رضي الله عنه)، وبالأخص الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لقد كان رضي الله عنه شديد الحساسية تجاه أموال الأمة، وكان حريصًا على هذه الأموال، شديد العناية بصيانتها من عبث العابثين حتى أنه قال في بيان صريح، وبضمير يقظ: «إني في أموالكم ككافل اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف» أخذ ذلك من قوله تعالى: (.. ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف..) النساء/6.

ولم يكن رضي الله تعالى عنه يطلق شعارات انتخابية في الهواء ليس وراءها التزام، بل كان رضي الله عنه شديد الالتزام بما يعد أو يتوعد، ولهذا عندما رأى إبلاً سمينة، سأل: إبل من هذه؟! قالوا: إبل عبدالله ابن أمير المؤمنين! قال: بخٍ.. بخٍ !! إبل ابن أمير المؤمنين يقول الناس: دعوها تأكل في أرض الصدقات، ثم نادى ابنه وقال له: بكم اشتريت هذه الإبل؟! قال: ولم يا أمير المؤمنين إني لا أنوي بيعها، قال: بل تبيعها بما اشتريتها، وتردها إلى بيت مال المسلمين!!

ومن شدة حرصه على حقوق الفقراء والمساكين كان شديد العناية في أن تصل هذه الحقوق إلى أصحابها وهم في محالهم وبيتهم، وهذا ما كان يتمنى تحقيقه حين قال: لئن عشت إلى قابل سوف تصل هذه الحقوق إلى أصحابها دون أن يتجشموا عناء الوصول إليها!!

هذا هو الإسلام في حرصه الشديد على حقوق العباد، وهذا هو منهاج الخلفاء الراشدين (رضوان الله تعالى عليهم) في الحفاظ على هذه الحقوق وصيانتها من عبث العابثين، والوفاء بها لمستحقيها لأنه أمانة سوف يسألهم الله تعالى عنها يوم القيامة حفظوا أم ضيعوا!

الدنيا كالمرأة تنكح لأربع: لجمالها، ولحسبها، ولمالها، ولدينها، فاحرص على ذات الدين، ولا مانع من أن يكون مع الدين الجمال والمال والحسب، أما إذا استحال اجتماع هذه الصفات في الدنيا، أو غابت واحدة أو أكثر من هذه الصفات، فقدم الدين في الاختيار ولا تقدم غيره.

ولأن الدنيا وسيلة لا غاية فاعصمها بالدِّين لأن من أخذ الدنيا لجمالها لم يزده الله تعالى إلا قبحًا، ومن أخذها لمالها لم يزده الله تعالى إلا فقرًا، ومن أخذها لحسبها لم يزده الله تعالى إلا ذلا، أما من أخذها لدينها، وجعلها وسيلة يمتطيها لبلوغ الآخرة، فإنه سوف ينال العزة في الدنيا، والنجاة والفلاح في الآخرة، يقول تعالى واصفًا الدنيا، ومبينًا جمالها الخادع، وزينتها الكاذبة التي يفتن بها كثير من الناس: ‭{‬إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون‭}‬ يونس/24.

إنها عروس خادعة تتزين بما ليس فيها، فإذا اختلى بها الإنسان وسقط القناع عنها بانت على حقيقتها، وانكشف قبحها، وعض الإنسان أصابع الندم والحسرة في وقت لا ينفع فيه الندم.

ولقد حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الدنيا، وأنها لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، ولو كانت كذلك ما سقى الكافر منها شربة ماء، ورغم هذا التحذير من رسول لله (صلى الله عليه وسلم) فإن كثيرًا من الناس يقعون في حبائلها، ويخدعون بزينتها الكاذبة.

والدنيا أهون عند الله تعالى من شاة ميتة عند أهلها: مرَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بشاة ميتة قد ألقاها أهلها، فقال: [والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها] رواه الإمام أحمد.

ولا يعني هذا أن الله تعالى يحرِّم على الإنسان ما تشتهيه نفسه من الزينة الحلال وهو القائل سبحانه: ‭{‬قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطَّيِّبَات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون‭}‬ الأعراف/32. ويؤكد الحق سبحانه وتعالى هذا المعنى في قوله تعالى: ‭{‬من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حَرْثِه ومن كان يريد حرث الدنيا نُؤْتِه منها وما له في الآخرة من نصيب‭}‬ الشورى/20.

ونلاحظ هنا أن الزيادة في الحرث تابعة للآخرة، أما الدنيا فحرثها قليل ومن دون زيادة، ومن كانت الدنيا أكبر همه، فإنه ليس له نصيب من حرث الآخرة، فضلاً عن أنه لا يحصل على كل حرث الدنيا، بل له منها جزء يسير، بينما يأخذ كل حرث الآخرة ويزيد له الله تعالى من حرثها.

لهذا يجب أن يكون موقف المسلم من الدنيا موقفًا متوازنًا، ولا يمكن أن يكون كذلك ما لم يعرف حقيقة الدنيا ومآلها يوم القيامة، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: [من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى] رواه أحمد وابن حبان.

ولَك أيها المسلم أن تأخذ من الدنيا القدر الذي يعينك على أمر آخرتك، أما أن يستغرقك الاهتمام بالدنيا فتنسى أمر الآخرة، فهذا هو المنهي عنه، والذي يحذرنا منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولقد عرف الرسول الأعظم حقيقة الدنيا، فلم يأخذ منها إلا القدر الذي يعينه على أمر دنياه وآخرته، واعتبرها محطة للعبور وليست دارًا للإقامة الدائمة، قال صلوات ربي وسلامه عليه: [إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها] رواه ابن ماجة، وشجرة كل إنسان هي عمره الذي يعيشه في هذه الدنيا، وليس له أن يأخذ من زمن غيره أو حتى يأخذ غصنًا من شجرة غيره، فلكل إنسان شجرته الخاصة به بأغصانها، وثمارها، وحطبها، فإن أحسن رعايتها وداوم على سقيها وتهذيبها فرح بحصادها يوم القيامة، وإن أهمل ريها ورعايتها عض على أصابع الندم والحسرة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وعمل صالح متقبل.

.. فصبر جميل!!

Posted: أبريل 15, 2018 in خواطر الجمعة

جاء في محكم التنزيل قوله تعالى عن قصة نبي الله يوسف (عليه الصلاة والسلام) مع إخوته، وما دبروه له من مكيدة:

(وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) يوسف/18.

وقالها يعقوب (عليه السلام) مرة ثانية حين أخذوا أخا يوسف (عليه السلام) وعادوا بدونه لأن نبي الله يوسف أخذه في دين الملك خوفًا عليه من كيد إخوانه، وخشية عليه أن يفعلوا به ما فعلوه في يوسف من قبل، قال تعالى: «ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنّا للغيب حافظين(81) وسئل القرية التي كنّا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون(82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميع إنه هو العليم الحكيم(83)» يوسف.

والسؤال الذي يشغل بال كثير من الناس هو متى يكون الصبر جميلاً؟ والجواب هو: يكون الصبر جميلاً حين نمزجه بمادة التحلية، وهي الرضا والاحتساب، ونحن نعلم جميعًا أن البلاء حين يقدره الله تعالى على العبد لا بد أن يقع، رضي العبد بذلك أم سخط، فإذا رضي واحتسب نال أجرًا عظيمًا على صبره وعلى رضاه واحتسابه، وإذا سخط وقع البلاء به رغمًا عنه، ويؤجر على ذلك، أما إذا أراد الأجر الجزيل والمضاعفة له، فعليه أن يجمع مع الصبر الرضا والاحتساب، أما من كانت طموحاته الإيمانية أدنى من ذلك، فسينال الأجر على بلائه صبر أم لم يصبر.

ولأن الصبر على البلاء طعمه مر، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعيننا على التخفيف من مرارة الصبر بأن نضيف إليه شيئًا من مواد التحلية، والرضا والاحتساب نوع من أنواعها، ولهذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدلنا على أسباب القوة والضعف في المؤمن، فيقول صلوات ربي وسلامه عليه: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) رواه مسلم.

إذن، فالشيطان لا يدع المؤمن في حاله، بل لقد توعده بأن يقعد له صراط الله المستقيم، فيزين له المعاصي، ويهون عليه أمر المخالفة، ويسوق بين يديه الأعذار حتى يعصي المؤمن مولاه سبحانه وتعالى من دون أن يستمع إلى صوت نفسه اللوامة التي تحذره من الغفلة والانخداع بوسوسة النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لنا: يجب عليكم أن تعلموا أن الله تعالى حين يقدر عليكم البلاء فلا راد لقدره، وهو لا محالة واقع بكم، وعليكم أن تتذكروا قولي لكم، وأن تقولوا للشيطان الذي يوسوس لكم: «قدَّر الله وما شاء فعل» عندها سوف تشعرون بالرضا والراحة النفسية وتدركون معنى: فصبر جميل، والصبر كما بينا لا يكون جميلاً حتى يكون عن رضا واحتساب، ودعوا عنكم كلمة «لو» فإنها مفتاح كل الشرور، ونقطة الضعف التي يبحث عنها الشيطان فيكم، واعلموا أن كيد الشيطان كان ولم يزل ضعيفًا، وأنه لا يعرف المعصية التي تحبون، فينقلكم من معصية إلى أخرى حتى يقع على المعصية التي تهواها أنفسكم، فيتحقق مراده، يقول تعالى عن الشيطان وكيده: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم». إبراهيم/22، أيضًا وصف الله تعالى كيد الشيطان بأنه كان ولم يزل ضعيفا، قال تعالى: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا» النساء/76.

إذن فعلى المؤمن أن يفتح صفحة جديدة يسطر فيها نقاط القوة التي لديه، ونقاط الضعف التي لدى عدوه الشيطان، وأن يتسلح بسلاح ذكره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وهو قوله: «قدَّر الله وما شاء فعل» فإن هذا السلاح لا يخيب أبدًا، فاصبر أيها المؤمن على ما ينزل بك من بلاء، ولولا أن الله تعالى يعلم أنك تستحق منزلة عنده سبحانه غير المنزلة التي أنت فيها ما اصطفاك من دون باقي الناس ليجري عليك امتحانه، فمن عطاء البلاء رفع الدرجات، ومن عطائه تكفير السيئات، والمؤمن المبتلى مجاب الدعاء، ومرضي عنه عند ربه سبحانه، ومبارك أينما كان.

ذلكم هو الصبر الجميل الذي يحبه الله تعالى في عباده المؤمنين، وذلك هو جزاؤه عند الله تعالى.

كنت عائدًا من صحيفة «أخبار الخليج»، وكان القارئ يقرأ قوله تعالى: ‭{‬..اعملوا آل دَاوُدَ شكرًا وقليل من عبادي الشكور‭}‬ سبأ/13، وتوقفت عند كلمة «اعملوا»، وقلت: لماذا لم يقل الله تعالى (قولوا آل دَاوُدَ شكرًا)؟

ما الفرق بين اعملوا وقولوا؟ الفرق بينهما أن القول من عمل اللسان، صحيح أن اللسان جارحة من الجوارح الخمس وهي: اللسان، والعينان، والأذنان، واليدان، والقدمان، ولكن اللسان ذهب بنصف العمل، وبقي النصف الآخر لبقية الجوارح، ويقابل القول الفعل، واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ‭{‬يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون(2) كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون(3)‭}‬ الصف.

إذن، فقول الله تعالى: ‭{‬..اعملوا آل دَاوُدَ شكرًا وقليل من عبادي الشكور‭}‬ ينبهنا إلى حقيقة مهمة مفادها أن الله تعالى يريد منا الشكر العملي لا الشكر القولي باللسان فقط، والشكر العملي هو أن تجعل لأصحاب الحاجات والمعوزين نصيبًا مفروضًا من النعم التي حباك الله تعالى بها، عملاً بقوله سبحانه: ‭{‬وأما بنعمة ربك فحدث‭}‬ الضحى/11.

والتحدث بالنعمة ليس المفاخرة بها، كما فعل قارون حين قال له قومه: ‭{‬لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين(77) قال إنما أوتيته على علم عندي(78)‭}‬ القصص.

إذن، فالتحدث بالنعمة هو أن تصل بها أهلك وأصحاب الحاجات، ذلكم هو الشكر العملي الذي يتجاوز الذات إلى الآخر، ويمتد أثر النعمة إلى غيرك ممن هم في حاجة إلى صلتك وإحسانك، لذلك قال الله تعالى لآل دَاوُدَ ‭{‬..وقليل من عبادي الشكور‭}‬ ومقصود هنا الشكر العملي الذي لا يكتفي باللسان، بل يتجاوز ذلك بفعل الجوارح من مد يد العون للمحتاجين، ومن سعي مبرور لتصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعين على نوائب الدهر كما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفعل، وأمثال هؤلاء الشاكرين قليل، أما الذين يشكرون باللسان فقط فهم كُثُر، وتجدهم في كل زمان ومكان.

ولا ندري كيف تتقاصر همم هؤلاء عن ذلك رغم أن الله تعالى لم يكلفهم من الأعمال الكثير؟! فقد سبق درهم مائة ألف درهم كما ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بل تبسمك في وجه أخيك يعد من الصدقات التي يثاب عليها المسلم، وأيضًا إماطة الأذى، وكف أذاك عن الناس صدقة مدفوعة الأجر والثواب، فهل يعجز الإنسان عن شيء من ذلك، ثم يكتفي بالشكر اللساني الذي لا يكلفه أي مشقة تذكر؟ وهؤلاء الصنف من الشاكرين الذين يكتفون باللسان دون باقي الجوارح لو علموا بركة صلة الناس، وتقديم يد العون والمساعدة لهم لما توانوا لحظة من ليل أو نهار عن المبادرة إلى التحدث بنعمة الله تعالى عليهم بأن يصلوا أهل الحاجات والمعوزين ببعض ما أنعم الله تعالى عليهم من خير، يقول تعالى فيمن ينفقون في سبيل الله تعالى: ‭{‬وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد‭}‬ إبراهيم/7

ومن كفران النعمة أن تستأثر بالنعمة وحدك دون غيرك، فلا تخرج حقوق الفقراء والمساكين منها، ولا تعين أصحاب الحاجات من الذين يتكففون الناس، فإذا أعرضت عن ذلك سلبك الله تعالى النعمة وحولها إلى غيرك ممن يعرفون للنعمة حقها، وللفقراء حقوقهم فيها.

وقصة ذلك الرجل الفقير من قوم موسى عليه السلام حين سأل نبي الله موسى أن يدعو ربه سبحانه ليرزقه، فاستجاب له نبي الله موسى، وسأل ربه سبحانه ذلك، فوعده ربه أن يرزقه عاما واحدا، فلما أخبر نبي الله موسى الرجل حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم مضى نبي الله موسى، فلما مرت أعوام عديدة جاء نبي الله موسى إلى الرجل، فرأى الرجل في خير كثير، فسأل ربه سبحانه عن ذلك، فقال الله سبحانه: يا موسى لقد فتحت لعبدي بابًا للرزق، ففتح لي سبعة أبواب للإنفاق، فهل يكون عبدي أكرم مني؟!! وصدق الله العظيم: ‭{‬لئن شكرتم لأزيدنكم..‭}‬.

.. فصبر جميل!!

Posted: أبريل 15, 2018 in خواطر الجمعة

.. فصبر جميل!!

جاء في محكم التنزيل قوله تعالى عن قصة نبي الله يوسف (عليه الصلاة والسلام) مع إخوته، وما دبروه له من مكيدة:

(وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) يوسف/18.

وقالها يعقوب (عليه السلام) مرة ثانية حين أخذوا أخا يوسف (عليه السلام) وعادوا بدونه لأن نبي الله يوسف أخذه في دين الملك خوفًا عليه من كيد إخوانه، وخشية عليه أن يفعلوا به ما فعلوه في يوسف من قبل، قال تعالى: «ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنّا للغيب حافظين(81) وسئل القرية التي كنّا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون(82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميع إنه هو العليم الحكيم(83)» يوسف.

والسؤال الذي يشغل بال كثير من الناس هو متى يكون الصبر جميلاً؟ والجواب هو: يكون الصبر جميلاً حين نمزجه بمادة التحلية، وهي الرضا والاحتساب، ونحن نعلم جميعًا أن البلاء حين يقدره الله تعالى على العبد لا بد أن يقع، رضي العبد بذلك أم سخط، فإذا رضي واحتسب نال أجرًا عظيمًا على صبره وعلى رضاه واحتسابه، وإذا سخط وقع البلاء به رغمًا عنه، ويؤجر على ذلك، أما إذا أراد الأجر الجزيل والمضاعفة له، فعليه أن يجمع مع الصبر الرضا والاحتساب، أما من كانت طموحاته الإيمانية أدنى من ذلك، فسينال الأجر على بلائه صبر أم لم يصبر.

ولأن الصبر على البلاء طعمه مر، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعيننا على التخفيف من مرارة الصبر بأن نضيف إليه شيئًا من مواد التحلية، والرضا والاحتساب نوع من أنواعها، ولهذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدلنا على أسباب القوة والضعف في المؤمن، فيقول صلوات ربي وسلامه عليه: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) رواه مسلم.

إذن، فالشيطان لا يدع المؤمن في حاله، بل لقد توعده بأن يقعد له صراط الله المستقيم، فيزين له المعاصي، ويهون عليه أمر المخالفة، ويسوق بين يديه الأعذار حتى يعصي المؤمن مولاه سبحانه وتعالى من دون أن يستمع إلى صوت نفسه اللوامة التي تحذره من الغفلة والانخداع بوسوسة النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لنا: يجب عليكم أن تعلموا أن الله تعالى حين يقدر عليكم البلاء فلا راد لقدره، وهو لا محالة واقع بكم، وعليكم أن تتذكروا قولي لكم، وأن تقولوا للشيطان الذي يوسوس لكم: «قدَّر الله وما شاء فعل» عندها سوف تشعرون بالرضا والراحة النفسية وتدركون معنى: فصبر جميل، والصبر كما بينا لا يكون جميلاً حتى يكون عن رضا واحتساب، ودعوا عنكم كلمة «لو» فإنها مفتاح كل الشرور، ونقطة الضعف التي يبحث عنها الشيطان فيكم، واعلموا أن كيد الشيطان كان ولم يزل ضعيفًا، وأنه لا يعرف المعصية التي تحبون، فينقلكم من معصية إلى أخرى حتى يقع على المعصية التي تهواها أنفسكم، فيتحقق مراده، يقول تعالى عن الشيطان وكيده: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم». إبراهيم/22، أيضًا وصف الله تعالى كيد الشيطان بأنه كان ولم يزل ضعيفا، قال تعالى: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا» النساء/76.

إذن فعلى المؤمن أن يفتح صفحة جديدة يسطر فيها نقاط القوة التي لديه، ونقاط الضعف التي لدى عدوه الشيطان، وأن يتسلح بسلاح ذكره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وهو قوله: «قدَّر الله وما شاء فعل» فإن هذا السلاح لا يخيب أبدًا، فاصبر أيها المؤمن على ما ينزل بك من بلاء، ولولا أن الله تعالى يعلم أنك تستحق منزلة عنده سبحانه غير المنزلة التي أنت فيها ما اصطفاك من دون باقي الناس ليجري عليك امتحانه، فمن عطاء البلاء رفع الدرجات، ومن عطائه تكفير السيئات، والمؤمن المبتلى مجاب الدعاء، ومرضي عنه عند ربه سبحانه، ومبارك أينما كان.

ذلكم هو الصبر الجميل الذي يحبه الله تعالى في عباده المؤمنين، وذلك هو جزاؤه عند الله تعالى.