Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

تاريخ النشر :١٥ أبريل ٢٠١٦

عبدالرحمن علي البنفلاح

من الأخلاق التي يجب أن يتصف بها المسلم، وتكون جزءًا من شخصيته أن يكون ذَا عزيمة ولا يتردد فيما يأخذه من قرارات لترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، وصلة العزيمة بالتوكل صلة وثيقة، والتوكل على الله تعالى غير التواكل، لأنّ الأول محمود، والثاني مذموم.
والتوكل في حقيقته أن تأخذ بجميع الأسباب، ثم تتوكل على الله تعالى، أما التواكل المذموم، فهو أن تقعد عن السعي في طلب الحلال أو ما شابه، وتقول: «ربي ارزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة!».
وعندما دخل الأعرابي المسجد قال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم): أأترك ناقتي وأتوكل أم أعقلها وأتوكل؟ قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم: [بل اعقلها وتوكل]، وهذا درس بليغ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المسلمين أن يعوه، ويأخذوا به، وهو أن نأخذ بالأسباب ثم نتوكل على الله تعالى.
والعزيمة صفة جليلة وصف الله تعالى بها عباده المُخْلَصين من الأنبياء والمرسلين الكرام (عليهم صلوات الله وسلامه)، وذلك لما لاقوه من عنت وأذى أقوامهم، وصبرهم ومصابرتهم على الأذى، وطلب سبحانه من رسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يتأسى بمن سبقه من الرسل الكرام، وأن يصبر كما صبروا، ويتحمل الأذى في سبيل الرسالة كما تحملوا، قال سبحانه: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يَرَوْن ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} الأحقاف/35.
وقبل أن تعقد العزم على أمر ما، فعليك أن تستنفد جميع الأسباب التي يسّرها الله تعالى لك، ثم بعد ذلك تعقد العزم على فعل الشيء أو تركه، ثم تتوكل على الله تعالى، ومن يتوكل على الله سبحانه فهو حسبه.
ومعلوم أن الصبر على ما يلاقيه المسلم من بلاء هو من أخلاق أهل العزم، يقول سبحانه: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} الشورى/43.
ولأن المسلم معرض دائمًا للبلاءات من: فقد عزيز، أو مرض، أو فقد مال، أو ما شابه، فهو في حاجة دائمة إلى خلق العزم الذي يمده بالقوة المعنوية والتحمل حتى يجتاز المِحنة التي ألمّت به، ويشفى من مرضه، ويكون له في أنبياء الله تعالى ورسله الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم) الأسوة الحسنة، والقدوة العظيمة.
والعزم من الصفات التي لا يستغني عنها المؤمن في حياته، وفي مواجهة ما يعترض سبيله من المنغصات، ولقد حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أن نكون إمّعة لا شخصية لنا نتبع كل ناعق، فقال صلى الله عليه وسلم:
[لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن لا تظلموا] المحدث: المنذري في الترغيب والترهيب، وإسناده صحيح أو حسن.
وهذا أفضل تعريف للعزيمة، في أن تكون مستقل الرأي، واثقا مما تأخذه من قرارات، ولا تكن مواقفك متذبذبة، تابعة للناس، ولك أن تأخذ أفضل ما فيهم، وتدع أخطاءهم، فلا تسير وراءهم مغمض العينين.
إن من ضمان الجودة فيما تتخذ من مواقف أن تكون نابعة من قناعاتك الشخصية، ولا تتأثر بسواك، فتقلدهم تقليدًا أعمى حتى ولو كانوا على ضلال، ولله در الشاعر الذي قال:
إذا كنت ذَا رأي فكن ذَا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا.
فالرأي لا يستحق أن يكون رأيًا يدافع عنه صاحبه ليقنع به الآخرين، ويثبت عليه ولا يغيره ما لم تقف وراءه عزيمة قوية تشد من أزره، وتقوي ثباته بعد التأكّد من صوابه.

الجسد الواحد

Posted: أبريل 21, 2016 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٨ أبريل ٢٠١٦

عبدالرحمن علي البنفلاح

العلاقات في الإسلام بين المسلمين تتفاوت في مستوياتها الأدنى والأعلى، وضمان الجودة يتحقق في هذه العلاقات حين تتحول الأمة الإسلامية إلى جسد واحد يتألم كل عضو فيه إذا تألم العضو الآخر.
وخضوع المسلم وطاعته لأوامر الله تعالى ونواهيه، واجتماع المسلمين على طاعة الرسول(صلى الله عليه وسلم) يجعلهم ينصهرون في بوتقة واحدة ليتحولوا إلى روح واحدة في جسد واحد، وهذا المعنى الجليل جسده رسول الله صلى الله عليه وسلم) في حديثه الجامع المانع حين قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(6011)، ومسلم برقم(2586).
هذا الانصهار يحقق الوحدة بين المسلمين في أسمى معانيها وأظهر تجلياتها، وذلك حين ترتبط الوحدة بالتوحيد، يقول تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92.
إذن، فالأمة الإسلامية تترقى في وحدتها بإخلاص عبوديتها لله تعالى، وكلما صفت هذه العبودية من الشرك والرياء صفت الوحدة من شِرك المصالح، ورياء النفاق السياسي الذي ابتليت به أمم كثيرة ومنها الأمة الإسلامية، لأنها ليست بدعاً بين الأمم يصيبها ما يصيبهم، ويشوبها ما يشوبهم.
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) يقدم مثالاً على وحدة الأمة، وسلامة صدور أبنائها من أمراض القلوب، فيشبه الأمة التي اتحدت قلوبها على الحق، وتعانقت نفوسها على الخير بالجسد الواحد وبالأعضاء فيه، وباشتراكها في المعاناة حين يعاني عضو واحد من أعضائها، فهي أمة لا تعيش في انفصال بين مكوناتها، بل هي في مشاركة دائمة، فحين يصاب عضو من أعضائها بمرض، ويشكو من الألم تتداعى باقي الأعضاء استجابة لما يعاني منه عضوها المريض، ويبدو الجسد وكأن المرض أصاب جميع أعضائه، فتعيش الأعضاء جميعها الإحساس بالألم والمعاناة، وهذا لون راقٍ من ألوان المشاركة الوجدانية يعيشها المؤمن تجعله يستنهض جميع إمكاناته للخروج من هذه الحالة الطارئة عليه، كما يفعل الجسد حين يستنفر كل طاقاته، وينصب جميع دفاعاته للخلاص من المرض، ويستعيد عافيته، ويعود إلى حالته الصحية الأولى، وبتعاون الأعضاء جميعها للخروج من هذه الحالة يسهل على الجسد العودة إلى حالته الطبيعية، وهذا شكل من أشكال ضمان الجودة التي يندر أن توجد بين غير المؤمنين بالإسلام، من الذين تربطهم المصالح الشخصية وتحلهم، وتدنيهم الماديات وتبعدهم.
إذن، فالذي يربط المسلمين ويوثق عُرى الإخوة الإيمانية بينهم ليست المصالح الدنيوية على أهميتها، بل المودة والرحمة والعطف، فهم مثل أعلى في العلاقات الإنسانية التي تنشدها المجتمعات البشرية وتطمح إليها.
إن العلاقات بين الناس التي تقوم على المصالح الدنيوية وجودًا وعدمًا لا يكون لها نفس الاعتبار الذي يكون للعلاقات القائمة على القيم الثابتة، والمبادئ الأصيلة، لأن هذه المبادئ وتلك القيم لا يؤثر فيها الزمان أو المكان أو المصالح لأنها فوق الزمان، وفوق المكان، وفوق المصالح، ولذلك فإن الوصف الذي ذكره الحق تبارك وتعالى لمجتمع المدينة المنورة حين دخلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأقام فيها دولة الإسلام العظيمة، وآخى بين المهاجرين القادمين إليه من مكة والأنصار المقيمين في المدينة، وأخرج منهم مجتمعًا تحلم البشرية بمثله أو بشبيه له، قال تعالى: «والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون» الحشر/9.
تلك جودة اتسم بها مجتمع المدينة المنورة، وكان أنموذجا رائعاً يحتذى به.

تاريخ النشر :١ أبريل ٢٠١٦

عبدالرحمن علي البنفلاح

إنما جاء الإسلام من أجل أن يشيع التعاون بين الناس، وأن يشجع التكافل الاجتماعي، وعلى مد يد العون لمن هم في حاجة إلى هذا العون، ولذلك كانت دعوته التي ما فتئ يحض أتباعه عليها هي التعاون على البر والتقوى فيما بينهم، وأن يكون رائدهم هو الحفاظ على مصالحهم وعدم العبث بها، ورد كل اعتداء عليها، وحذرهم من التعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: «..وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان..» المائدة/2.
والنَّاس يحتاج بعضهم إلى بعض، وكل إنسان مرفوع على غيره مرة، ومرفوع غيره عليه مرات، قال سبحانه: «أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً» الزحرف/32.
لا يوجد إنسان أمة وحده، ويملك اكتفاءً ذاتياً لا يحتاج فيه إلى أحد، ولو حصل هذا لطغى كل إنسان حين يشعر بالاستغناء عن غيره، وهذه حكمة إلهية جعلها الله تعالى قانونا يحكم حياة الناس، ويضبط علاقاتهم، قال تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى(7) إن إلى ربك الرجعى(8)». العلق.
وكان من الممكن، ومن الميسور أن يبسط الله تعالى الرزق لعباده، فلا يجعلهم في ضائقة في معايشهم، ولو فعل ذلك لبغوا وتجبروا، وفسدت أحوالهم، واستحالت حياتهم، قال تعالى: «ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير» الشورى/27.
ولأنه سبحانه خبير بعباده، وبما تخفي صدورهم وبصير بأسرارهم، فإنه سبحانه يعاملهم وفق علمه بهم، وبصره بدواخلهم، فهناك من العباد من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقره لفسد، وهناك منهم من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه لفسد، فهو سبحانه وتعالى ينزل من الرزق، ويبسطه على من يصلحه ذلك، ويقدر على من يفسده بسطه.
ولقد رأينا أناسًا يزدادون في البلاء قرباً من الله تعالى، وتسليماً لقضائه وقدره، بل تراه شاكراً حامداً، فإذا صح بدنه، ورُفع البلاء عنه يتمرد على أوامر مولاه سبحانه ونواهيه، ورأينا بعضهم قد أصلحهم الغنى، ولما افتقروا فسدوا وتمردوا.
فهو سبحانه إذا أعطى يعطي لحكمة، وإذا منع يمنع لحكمة، لأنه سبحانه يعلم ونحن لا نعلم، قال سبحانه: «كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» البقرة/216.
ومن ضمان الجودة في العبودية أن يحمد العبد مولاه سبحانه وتعالى في السراء والضراء، فهو جل جلاله وحده الذي لا يحمد على مكروه سواه، فنحن قد نحب شيئاً وفيه شر لنا، وقد نكره شيئاً وفيه الخير الكثير ذلك لأنّ الله تعالى الذي منع الخير الذي نحب لأنه يعلم الشر الذي فيه، وعندما يسر لنا الشر الذي نكره لأنه سبحانه يعلم الخير الذي فيه، ونحن لا نعلم هذا ولا ذاك، فأنا أريد، وأنت تريد والله تعالى يفعل ما يريد، يقول تعالى: «ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا» الإسراء/11.
ونحن في تعاملاتنا مع البشر من ذوي الاختصاص لا نعاملهم معاملة الند، بل نحترم تخصصهم، ونستجيب لأمْرهم ونهيهم من دون أن نناقشهم في صواب ما يأمرون به أو ينهون عنه، فالطبيب مثلاً حين يشخص مرضك ويكتب لك الدواء، ثم يأمرك أن تأخذه بجرعات محددة، وأوقات معينة، فلا تجد عندك الجرأة على مناقشته فضلاً عن عصيان أوامره ونواهيه، وإذا كان هذا تعاملنا مع الطبيب وهو إنسان مثلنا، ألا يكون التعامل هذا أولى مع الله تعالى العليم الخبير البصير سبحانه.
إن الله تعالى أولى وأحرى بالإتباع والطاعة لأمره ونهيه، بل وعلينا ألا نشك مجرد شك في صلاح ما يأمرنا به، وينهانا عنه سبحانه، فهو تبارك اسمه، وتقدست صفاته يعلم ونحن لا نعلم، وهو سبحانه يقدر لنا الخير في الشر والخير، ويجعلهما فتنة وابتلاءً على حسن ظننا به سبحانه، ودليل على إيماننا بحكمته علمناها أم لم نعلمها، وقد بسط الله ذلك في سورة الكهف في قصة نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- والرجل الصالح الذي آتاه الله تعالى رحمة وعلماً، وذلك حين جاء بأفعال لم يتسع علم نبي الله موسى لها، والتعارض بين ظاهر الفعل وحقيقته مما جعل نبي الله موسى يعارضه ويستنكر عليه أفعاله، فلما علم الحكمة من ورائها هدأت نفسه، وعلم أنه وفوق كل ذي علم عليم، ولهذا فمن ضمان الجودة في الإيمان أن نؤمن بحكمة الآمر سبحانه وتعالى لا بحكمة الأمر.

تاريخ النشر :٢٥ مارس ٢٠١٦

استغلال حاجة الناس، واحتكار السلع حتى يندر وجودها في الأسواق، فيرتفع ثمنها، فيخرج التجار من مخازنهم السلع ليبيعوها بأغلى الأثمان دون أدنى اعتبار لما يعاني منه الناس من ضيق في العيش، وقلة أو ندرة في السلع، لهذا شدد الإسلام النكير على من يحتكر سلعة يحتاج الناس إليها ليرتفع سعرها، ويصعب على بسطاء الناس وفقرائهم الحصول عليها، كما أثنى الإسلام، وبالغ في الثناء على من يجلب السلع إلى الأسواق، ودعا لهم بالرزق الوفير، والبركة في بيعهم وشرائهم، وجميع معاملاتهم، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجة والطوسي: (الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون) حديث حسن.
وذكر المحتكر في مقابل الجالب في الحديث يلفتنا إلى شناعة الاحتكار، وبغض الله تعالى له ولفاعله، ورضاه سبحانه عن الجالب للسلع إلى الأسواق، كما حذّر صلى الله عليه وسلم من الاحتكار في حديث آخر، فقال: (لا يحتكر إلا خاطئ) رواه مسلم.
إن من ضمان الجودة في الإسلام فيما يخص البيع والشراء ألا يكون مجرد الربح المادي هو شغل التاجر الشاغل، بل عليه أن يكون هدفه وغايته التخفيف على الناس، وتيسير المؤونة عليهم في معايشهم، وذلك بتسهيل حصولهم على ما يحتاجون إليه من سلع وحاجات، لهذا فالجالب للسلع إلى الأسواق مرزوق من الله تعالى، مبارك له في بيعه وشرائه، ميسر عليه في حياته، {وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان} الرحمن/60.
نعم إن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأبركهم سعياً. والمسلم لا يكون علامة جودة بين الناس ما لم يكن دائماً مفتاحاً للخير، ساعياً إليه في مظانه، مغلاقاً للشر، فإذا فعل ذلك، وداوم عليه صار مجرد ذكر اسمه يجعله مصدرًا للسعادة والبِشْر بين الناس، والسعيد المحظوظ عند الله تعالى هو من يجعله الله تعالى في حوائج الناس، يسعون إليه ليقضي لهم حوائجهم، ويخفف عنهم ما يلاقونه من لأواء الحياة ومصاعبها، فإذا ملَّ الناس ملَّه الناس وانصرفوا عنه إلى غيره ممن اتسعت صدرهم وأموالهم لحاجات الناس وكروبهم.
لقد شدد الإسلام النكير على من يحتكر طعامًا أربعين ليلة، والنَاس في أشد الحاجة إليه، قال صلى الله عليه وسلم:
(من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله) رواه أحمد والحاكم. لمتن الحديث شواهد تدل على صحته.
إن رعاية الإسلام وحرصه الشديد على توفير الطعام والتحذير من الاحتكار فيه، والتلاعب بأسعاره، فيضطر بعضهم إلى ارتكاب المحرم، فإن في هذا مخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه، وخروجا على شرعه الحكيم الذي جعله الله تعالى حاميًا لمصالح العباد، ساترًا لعوراتهم، مفرجًا لكروبهم.
ومن عناية الإسلام بمصالح الناس أنه حرم الغرر، وهو الجهالة في البيع والشراء، فعن ابن مسعود(رضي الله عنه) قال، قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): (لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر) رواه أحمد. حديث صحيح.
ومن ذلك ما رواه ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع) رواه الطبراني في الأوسط والدار قطني.
كل ذلك من أجل حماية حقوق الناس، وتأمين حوائجهم، ودفع الضرر عنهم، وعبث العابثين بمصالحهم، وسد الأبواب وجميع المنافذ أمام من يحاول أن يستغل حوائج الناس وضعفهم من أجل الإثراء على حسابهم بغير حق.
وبعد، فإنه حين تسلم معاملات الناس، ويصفو بيعهم وشراؤهم من الغش، والغرر، والطمع يتحقق ضمان الجودة في تعاملات الناس، ويشيع الرضا فيما بينهم.

تاريخ النشر :١٨ مارس ٢٠١٦

العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، بل ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر، ورحم الله تعالى أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال مقدرًا العلماء(المعلمين)، ومشيدًا بفضلهم على البشرية، فقال:
قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا.
وحتى يبلغ العالم (المعلم) هذه المنزلية، فعليه أن يتخلق بأخلاق الأنبياء، ويحرص على التأسي بهم (صلوات ربي وسلامه عليهم) في أخلاقهم وسلوكهم، وكما جاء الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) يحملون إلى الناس رسالات السماء، فإنّ العلماء(المعلمين) يجب أن يحملوا رسالة العلم ويبلغوها للناس لينيروا لهم ما خفي من حقائق الحياة، ويدلوهم إلى صراط مولاهم المستقيم، ومقام العلماء (المعلمين) مقام عظيم عند الله تعالى وعند رسوله (صلى الله عليه وسلم)، قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه): (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(4210)، ومسلم برقم(2406).
إنه مشروع عظيم ومثمر: رجل واحد تسعى إلى هدايته، وإنقاذه من النار، فإنه يتحول إلى مصدر عطاء للخير لا ينقطع.
فكل طاعة يؤديها لك نصيب منها، وكل معصية يتعفف عنها بسبب تعففه الذي كنت أنت السبب فيه يكون لك أجر كأجره، وكل سعي في الخير يبذله لك كفل منه، فتضيف إلى عملك عملا آخر صادرا عن إنسان سعيت في هدايته، وإنقاذه من النار.
إن هذا من أعظم المشاريع التي تتركها بعد أن تغادر الدنيا، فتدر عليك عائدًا غير ممنوع ولا مقطوع، إنه من المشاريع الاستثمارية التي يغفل عنها كثير من الناس، ويلههم طول الأمل عنها، والعالم (المعلم) العامل إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها: علم يُنْتفَع به. وحتى يكون هذا العلم نافعًا، لا بد أن يكون خالصًا لله تعالى وصوابًا، أي على هدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ذلك لأن العلماء العاملين المخلصين لا يموتون وإن غيبهم الثرى يبقى علمهم يهدي الحائرين، وينير سبيل الضالين، ويكشف الهم والغم عن المهمومين والمغمومين، وهو- أي علمهم- يبقى صدقة جارية ترفد موازين حسناتهم، وحتى على فرض أن العالم (المعلم) قد توفاه الله تعالى وكفة سيئاته راجحة، فإنّ العلم الذي تركه سوف يوفق أوضاعه مع خالقه سبحانه، فتطيش كفة السيئات وترجح كفة الحسنات، وخاصة أن سيئاته لن تزيد لأن من يرتكبها قد مات، وطويت صحائف سيئاته، وبقيت صحائف حسناته مفتوحة تتلقى ما تركه خلفه من صدقة جارية، أو علم يُنْتفَع به، أو ولد صالح يدعو له، شريطة أنه لم يترك خلفه سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عملها إلى يوم الدين، ونسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة، وهو سبحانه الرحمن الرحيم، وهو جل جلاله الغفّار للذنوب وإن كانت مثل زبد البحر إذا تجنب العبد الشرك.
ويظل بعد ذلك الصراع محتدمًا بين ما ترك العبد من حسنات ومن سنة حسنة متبعة ومن سنة سيئة ارتكبها ساعة غفلة أو لحظة ضعف، والله تعالى من كرمه وفيض عطائه يعامل عباده في الحسنات معاملة مختلفة عن معاملته لهم سبحانه في السيئات، فالسيئة يسجلها عليهم سيئة واحدة، ويؤخر تسجيلها حتى تغيب الشمس ما لم يتب، أو يستغفر، أو يلحقها بعمل صالح، أما الحسنات فيجازيه على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعيف ويزيد لمن يشاء، قال تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مِائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» البقرة/261.
ليس هذا فحسب، بل إن الحق تبارك وتعالى من فضله وعظيم إحسانه عندما يجازينا على الحسنات يتخير أحسن ما عملنا ليكون الحساب على الحسنات بهذا المقياس، يقول تعالى: «ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب» النور/38، أما في تكفير السيئات ومحوها، فهو سبحانه يختار أسوأ الذي عمل العبد من السيئات، يقول سبحانه: «ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون» الزمر/35.
إن من ضمان الجودة في العالم، وحتى يتشبه بمرتبة الرسول أو يكاد يقترب منها أن يتخذ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة، ويجسد القيم والفضائل التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأن يخلص في عمله، ولا يرتجي منه مجدًا دنيويًا، ولا مصلحة شخصية، ولكن يجعل عمله في مجال الدعوة رسالة تكون شبيهة برسالة الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا هداة للناس، ونجومًا تقتدي بهم البشرية في ليلها الداجي.
إذا حقق العالم هذا في حياته العلمية والمهنية، فقد صار علامة جودة بين الناس، فبمجرد ذكر اسمه تتداعى كل معاني الإخلاص، والتقدير، والبذل والعطاء.

علاقة سوية (2)

Posted: مارس 30, 2016 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١١ مارس ٢٠١٦

تحدثنا في الجزء المتعلق بالعامل عن العلاقة السوية التي يجب أن تسود علاقة العامل برب العمل، وسوف نستكمل الحديث عن هذه العلاقة بالحديث عن حق رب العمل عند العامل، والإسلام لم يقف مع العامل وإن كان ضعيفًا لا سند له ويهمل حق صاحب العمل، بل هو يقف مع الحق ويدور مع الحق أينما دار، فلا يحابي رب العمل على حساب العامل، كما أنه لا يجامل العامل على حساب رب العمل، وكما حذّر من أكل حق العامل، والمماطلة في دفعه إليه، فإنه كذلك حض العامل على أداء ما كلف به من عمل، وأن يبذل قصارى جهده في تجويد الصنعة عملاً بقول رسول الله(صلى الله عليه وسلم): [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه] رواه البيهقي.
ومعلوم أن من ضمان الجودة في عمل المسلم أن يبذل في عمله أقصى ما يستطيع وألا يكتفي بمجرد الأداء، فأداء العمل كل يستطيعه ولكن المطلوب هو الإتقان في العمل والتجويد في الصنعة، والإتقان يعني أن يبذل العامل كل طاقته في أداء عمله أداءً متقنا لا يبقي زيادة لمستزيد، وذلك ليكون المسلم في ذاته علامة جودة يعرف بإتقانه، ويتميّز في أدائه عن غيره.
فإذا بذل العامل جهده، واستفرغ وسعه في تحسين صنعته، فقد حق له أن يستوفي أجره كاملاً غير منقوص، ولو استطاع رب العمل زيادة أجر العامل على ما اتفق عليه ولو قليلاً، فإنّ ذلك سوف يشيع الرضا في نفس العامل، ويجعله يحرص في قابل أيامه على مزيد من الإتقان لصاحب هذا العمل أو لغيره حتى تصبح حياته العملية تتسم بالجودة والإتقان انتظارًا لما سوف يأتيه من تقدير مادي، وسوف يصبح ذَا سمعة حسنة، وسوف يتداعى عليه أرباب الأعمال للتعاقد معه، ويتناقلون اسمه فيما بينهم، وكل ذلك بسبب إخلاصه وإتقانه لعمله، كذلك رب العمل سوف تشيع سمعته الطيبة في حسن تعامله مع العمال، ووفائه لهم حين ينتهون من أداء الأعمال التي كلفوا بها، فيدفع لهم أجورهم قبل أن يجف عرقهم كما حض على ذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في حديثه المشهور.
إن الإسلام حين يكون طرفًا في أي علاقة أو تعاقد، فإنه يضفي على هذا التعاقد، وتلك العلاقة من الهيبة والاحترام ما لا يحققه أي نظام بشري، لأنّ في التزام المتعاملين بأوامر الله تعالى ونواهيه، وحرصهم على عدم مخالفة شريعته عبادة يتقربون بها إلى مولاهم سبحانه وتعالى، ويسعون من خلالها لينالوا مرضاته جل جلاله، ولأن الإسلام يسد النقص الذي عادة ما يعتري القوانين الوضعية التي من الممكن التلاعب بها، واستغلال ثغراتها، فيأتي الإسلام ليجبر ما فيها من خلل ويضفي عليها من المهابة والتوقير ما يحفظ بها حقوق المتعاملين على حدٍ سواء من دون أن يحابي طرفًا على حساب طرف آخر، ولأن التقيد بالشريعة، وما تفرضه على العامل ورب العمل من أحكام نابع من الإيمان بالإسلام ما لم تدع هذه المعاملة إلى مخالفة شرعية مثل أن يكون هناك شروط تبيح ما حرم الله تعالى، أو تحرم ما أحل الله تعالى.
وبعد، فإنه بحديثنا عن حق رب العمل في أداء متقن، وفي تجويدٍ للصنعة يستفرغ فيه العامل جهده وخبرته مقابل ما يدفعه رب العمل إلى العامل من أجر مجزٍ نكون قد انتهينا من مناقشة هذه القضية المهمة وبذلك تسود علاقة سوية بين الطرفين، العامل ورب العمل، ويشيع هذا عنهما، ويتسابق الناس إلى التعاقد معهما.

علاقة سوية (1)

Posted: مارس 9, 2016 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٤ مارس ٢٠١٦

عبدالرحمن علي البنفلاح

علاقة العامل برب العمل يجب أن تكون علاقة سوية إذا كانت الأمة تطمح إلى تنمية تحقق لها الاكتفاء الذاتي، وتجعلها معتمدة على جهودها وجهود أبنائها، أما إذا ساءت هذه العلاقة؛ فإنّ الطرفين سوف يدخلان في شد وجذب، وسوف يحاول كل طرف أن يحقق مصلحة له فوق ما يستحق، ويكون ذلك على حساب مصلحة الطرف الآخر، وإذا تركت هذه العلاقة الحيوية لأهواء البشر وأطماعهم فإنها لا محالة سوف تسوء، وتكون عاقبتها تعطل عجلة الإنتاج، وإعاقة جهود التنمية لهذا فلا بد من تشريع يخضع له الجميع، بل لا بد من تدخل الدين ليفرض هيبته، ويلزم كل طرف بحقوق الطرف الآخر، فإذا حصل كل طرف على حقه من دون نقصان، فإنّ عجلة الإنتاج سوف تنطلق في نظام وتؤدة لتحقق أهداف الأمة في التنمية وزيادة الإنتاج، وتحقق الاكتفاء الذاتي فيما تحتاج إليه الأمة سواء في الصناعة أو الزراعة أو التجارة.
وتدخل الدين في العلاقات الإنسانية، وما يقوم بين الناس من تبادل المصالح بات ضرورياً بعد أن استهانوا بالقانُون، واستغلوا الثغرات التي فيه، فمنهم من تحايل عليه، ومنهم من استخف به، ومنهم من استغل منصبه وجاهه ليعطل رعايته لمصالح الناس.
والإسلام لم يغفل هذه العلاقة، وأولاها من اهتمامه ورعايته ما يحقق من خلالها أقصى ما فيها من عائد، وذلك في نصين نبوِّيِّين كريمين، نظَّم بهما الإسلام هذه العلاقة الشائكة، وحض على احترام كل صاحب حقٍّ حقَّ صاحبه حتى تسلم الصدور من الإحن، وتصفو النفوس من الأكدار، فبدأ الإسلام بالطرف الأضعف في هذه العلاقة، وهو الأجير أو العامل، فحض على العناية به ورعاية حقوقه، وحذر أشد التحذير من غمطه حقه، واستغلال ضعفه، فعن أبي هُريرة -رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال:«ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره» رواه البخاري، وأخرجه برقم (2270).
هذا تحذير شديد اللهجة صادر عن الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- في أنه سوف يكون خصماً لهؤلاء الثلاثة، ومن كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- خصمه يوم القيامة، فقد خاب وخسر، وهو في ذلك اليوم العصيب أحوج ما يكون إلى شفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكيف يفوز بالشفاعة وهو قد أغضبه إلى حد أن يكون خصماً له؟ ومن هؤلاء الخصماء: رجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه بعد أن أدى له ما كلفه به من عمل، فلم يعطه أجره.
هذا الإنسان سوف يقف يوم القيامة أمام مولاه سبحانه وتعالى ليسأله: لِمَ لم يعط هذا الأجير أجره، واستغل ضعفه وفاقته، فأكل عليه ثمن جهده وعرقه؟
إن من ضمان الجودة في الإسلام في معاملة الأجراء هو إعطاءهم أجورهم قبل أن يجف عرقهم، بمجرد فراغهم مما كلفوا به من عمل، وهذا إشارة إلى سرعة أداء الحقوق إلى أصحابها؛ وذلك ليشعر العامل بحلاوة ثمرة جهده، كما يشعر صاحب العمل بالرضا؛ لأنه استوفى ما كلّف به العامل من عمل، لذلك كان من هدي المصطفى -صلى الله عليه وسل قوله: «ظلم الأجير أجره من الكبائر» رواه الإمام أحمد. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
هكذا كانت عناية الإسلام ورعايته لأصحاب الحقوق ممن ليس لهم سند، أو ممن لا يجدون من يقف معهم ليطالب بحقوقهم، فيشرع لهم التشريعات التي تحفظ لهم حقوقهم، وتضرب على أيدي الطغاة الذين يستغلون جاههم وسلطانهم في أكل أموال الناس بالباطل.