Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

الوهن الإبداعي

Posted: أكتوبر 4, 2017 in خواطر الجمعة

الوهن الإبداعي

قد تنتشر المدارس والجامعات في أمة من الأمم، ورغم ذلك تكون الأمة فقيرة في مبدعيها، تشكو الفاقة في المتميزين من أبنائها ذلك إذا كانت هذه الأمة لم تحرص على وضع برنامج علمي وثقافي لصناعة المبدعين الذين يرفعون من شأنها، ويعلون من قيمتها بين الأمم، والأمم المتقدمة التي تفخر بالمتميزين والمبدعين من أبنأئها هي الأمم التي أعطت عناية كبيرة لإظهار مواهب أبنائها الذين هم بمثابة الصناعة الثقيلة التي تساهم في صنع الحضارة الإنسانية، وذلك بما تبذله هذه الأمم من جهود وأوقات وأموال بحيث يجعلها في مقدمة الأمم علمًا وثقافة وإبداعًا، فتعج أرضها بالمبدعين، وتزدحم مدارسها ومعاهدها وجامعاتها بالمتميزين من أبنائها.

ومعلوم أن العقول متفاوتة، والقدرات مختلفة وليس كل الناس في مستوى واحد من الفهم والإدراك عند التلقي، وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مهموم بشيئين: تلقي العلم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والعمل من أجل تحصيل لقمة العيش، فوجد صعوبة في الجمع بين هذين المطلبين في آن واحد، فاتفق مع أخ له من المسلمين أن يحضر عمر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومًا، وصاحبه يحضر المجلس يومًا آخر، فإذا رجع عمر من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخبر صاحبه بما سمع من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مواعظ، ويفعل الرجل ذلك مع عمر، ومعلوم أن البون شاسع جدًا بين تحصيل عمر ووعيه، وبالتالي قدرته على توصيل ما سمع من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى صاحبه، وما يستطيع الرجل ذلك.

إذًا، فليس الناس جميعًا على مستوى واحد في الفهم والاستيعاب، والقدرة على البيان، لهذا على الدولة التي تطمح في أن تَخَلَّق جيلاً بل أجيالاً من المبدعين الذين يساهمون في نهضة بلادهم، والأخذ بيد أمتهم إلى الصفوف الأولى في ركب الأمم المتقدمة، عليها أن تبحث في المدارس والمعاهد والجامعات عن المتميزين من الطلبة، وتعنى بهم عناية خاصة، ومن الممكن أن ترسلهم في بعثات خارجية أعدت لأمثالهم، وذلك في الأمم المتقدمة لينهلوا من علومها، ويتسابقوا مع مبدعيها، لأن ذلك من أهم الحوافز لبروز مواهبهم، وصقل قدراتهم.

والأمة الإسلامية اليوم تشكو وهنًا في الإبداع، وندرة في المبدعين، وليس هذا بسبب عدم وجود المدارس والمعاهد والجامعات، ولكنه بسبب عدم العناية من الدول الإسلامية في البحث عن المتميزين من أبنائها في كل مجال من مجالات الإبداع، ثم وضع برامج خاصة بهم تجعلهم يدخلون في تحدٍ مع أنفسهم أولاً، ثم مع غيرهم من المبدعين سواء في البلاد الإسلامية على امتداد الوطن الإسلامي، أو مع غيرهم من شباب الأمم الأخرى ثانيًا، وأتذكر وأنا على مقاعد الدراسة في المدرسة الثانوية أحد الطلبة المتميزين في مجال الرياضيات، وكان بمجرد أن ينتهي الأستاذ من كتابة المسألة على السبورة حتى يسارع هذا الطالب المتميز إلى حل المسألة قبل غيره، ويأتي بحل للمسألة غير الحل الذي لدى الأستاذ، فَلَو اعتنت الدولة بهذا الطالب وأمثاله، وأرسلتهم في بعثات خاصة لصار هذا الطالب عالما بارزًا يشار إليه بالبنان، ولساهم في رفع اسم بلاده بين الأمم.

وكما قلنا فإن الوهن في الإبداع الذي تشكو منه الأمة الإسلامية ليس بسبب نقصان في العقول المبدعة، ولا ندرة في النفوس التي تتطلع إلى التفوق، لكن بسبب إهمال الأنظمة الحاكمة أو بعضها، وعدم العناية بالمتميزين من أبنائها الطلبة، ورعايتهم ذلك لأن هذه القضية لا تحتل في اهتمامات القادة والزعماء المكانة التي تستحقها، وليست في بال من هو مشغول بمصالحه الخاصة التي لها الأولوية في اهتماماته.

الأمة الإسلامية إذا في حاجة إلى خطة متكاملة لخلق جيل من المبدعين النابغين، وتوفير الأجواء المناسبة لهم، وإشعارهم بالتقدير والاهتمام لنخرج منها جيلاً، بل أجيالاً من العلماء المبرزين الذين يساهمون في بناء أمتهم، ويكون لهم نصيب موفور في بناء الحضارة الإنسانية.

Advertisements

الأمة الأعظم

Posted: يوليو 10, 2017 in خواطر الجمعة

هذا بيان للناس، يقول تعالى: «كُنتُم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون» (آل عمران110)، ولأنها خير الأمم، فقد أخرجت للناس، لهدايتهم إلى سبل الخير، ولذلك قرر الحق سبحانه وتعالى في الآية الجليلة أن أهل الكتاب لو استجابوا إلى دعوة الأمة الإسلامية لهم، وهي دعوة الحق المتضمنة الشريعة الخاتمة والكاملة لكان خيرًا لهم ولمن سيأتي بعدهم، ولكان ذلك أنفع لهم في دينهم ودنياهم، وهذا تقرير من الحق سبحانه لا معقب لحكمه، ولا راد لقوله، وهي أحوال لن تتغير ولن تتبدل، فالخير كل الخير في الأمر بالمعروف، والخير كل الخير في النهي عن المنكر، والخير كل الخير في الإيمان الخالص بالله تعالى، هذا ما ابتعث الله تعالى الأمة الإسلامية له، كما قال الصحابي ربعي بن عامر (رضي الله عنه) لرستم قائد الفرس: «إن الله تعالى ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».

إنها دعوة مبرورة إلى الخير لا إجبار فيها ولا قصر، فمن أحب أن يدخل في الإسلام، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن آثر البقاء على دينه، وأبى أن يفارقه، فلن يحمله الإسلام رغمًا عنه على الدخول فيه، لأن الله تعالى يريد قلوبًا لا قوالب، القلوب التي تهفو إلى الإسلام لجماله وعظمته وتفرده.

وكما قررت الآية الجليلة أن الأمة لن تحقق الفلاح، ولن تصل إلى الغاية التي تريد ما لم يكن فيها أمة أو طائفة تدعو إلى الخير، قال تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» (آل عمران 104).

والأمة حتى تستطيع أن تحقق كل هذا لا بد من أن تكون متوازنة في حبها وبغضها، وألا تجعل لمشاعرها سلطانًا عليها يفسد عليها أحوالها وعلاقتها مع خالقها سبحانه وتعالى أولاً، ومع نفسها ثانيًا، ومع الناس ثالثًا، فبغضها لقوم لا يعني أن تغمطهم حقهم، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» (المائدة/8).

إذًا، فالأمة الإسلامية من أظهر صفاتها، وأوضح معالم شخصيتها أن تكون أمة وسطا، متوازنة في مشاعرها، قال تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا..» (البقرة/143)، والعجيب أن هذه الآية جاءت وسطًا بين آيات سورة البقرة التي يبلغ عدد آياتها ست وثمانين ومائتي آية، وآية الوسطية رقمها ثلاث وأربعون ومائة، وكأن حساب العدد يسهم في تحقيق هذه الوسطية، بل نجد أن من صفات عباد الرحمن أنهم حتى في الإنفاق، وهو أمر يحض عليه الإسلام، ويرغب فيه إلا أن من واقعية الإسلام ألا يدع المنفق يبالغ في الإنفاق بحيث يذر ورثته فقراء يتكففون الناس، قال تعالى: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» (الفرقان/ 67).

والشاهد العدول لا بد أن يكون متوازنًا في مشاعره تجاه الآخرين، وهو بهذا سوف يكون في مأمن من أن ينحاز إلى هذا الجانب أو ذاك، فليس بينه وبين أحد الفريقين علاقة من الممكن أن تؤثر في حكمه أو شهادته التي يبذلها إلى القضاء.

إذًا، فالأمة الإسلامية هي الأمة الأعظم لأنها الأمة المصطفاة من بين الأمم، ابتعثها الله تعالى لتخرج العباد من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، وهي الأمة الوحيدة التي اختصها الله تعالى بالشهادة على الأمم يوم القيامة، لهذا استحقت الأمة الإسلامية بأن تكون.. الأمة الأعظم!!

تحدثنا في المقالة الأولى عن الحضارات، وقسمناها إلى ثلاث: الحضارة المادية الشرقية التي أنشأتها الدول الشيوعية، وكيف أهانت الإنسان وجعلته شيئا لا اعتبار له، وكيف تدخلت في أخص خصوصياته فهو ليس حرا في أن يربي أولاده التربية التي يريد، بل لا بد أن تتولى الدولة الشيوعية ذلك نيابة عنه، حتى تنشئ جيلا صالحا من وجهة نظر الفكر الماركسي، وحضارة ألهت الإنسان، وجعلته المشرع الذي لا يرد له أمر، ولا يعصى له نهي، فأصاب هذا الإنسان الغرور: «فقال أنا ربكم الأعلى» (النازعات/24).

وأما الحضارة الثالثة، فهي حضارة، القيم والمبادئ.. الحضارة التي لا تغمط الناس أشياءهم، ولا تحول دون وصول الحق إلى أصحابه، قال تعالى: «.. ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة/8).

بل لقد حققت الحضارة الإسلامية والتي تقوم على شؤونها دولة الإسلام في المدينة حقوق المواطنة بين فئات الأمة على اختلاف مللهم ونحلهم وقومياتهم فعاش مع المسلمين في المدينة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وأهل الملل الأخرى الذين ليست لعقائدهم أصول سماوية، فأمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) المسلمين أن يسنوا فيهم سنة أهل الكتاب.

يقول إبراهيم خليل أحمد، والذي كان قسا من مواليد الإسكندرية والذي قاده تعمقه في دراسة الإسلام إلى الدخول فيه، حيث أشهر إسلامه عام 1959م وكتب العديد من المؤلفات، منها: (محمد في التوراة والإنجيل والقرآن)، يقول حول تسامح الإسلام مع أهل الملل الأخرى: «إن العرب لم يفرقوا في نشاطهم الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين بل سمحوا للنصارى واليهود بالتتلمذ عليهم والاستفادة منهم، فأقبل الأوروبيون في الأندلس وصقلية، والآسيويون في الشام وغيرها، على دراسة المعارف الإسلامية وترجمتها، مما ساعد على نهضة أوروبا في العصور الوسطى، (محمد في التوراة والإنجيل والقرآن) نقلا عن كتاب «قالوا عن الإسلام/د. عماد الدين خليل/ص331).

ويحدثنا ارنست باركر (1874-1960) عن المكانة التي بلغتها الحضارة الإسلامية، فيقول: «وصلت حضارة (المسلمين) درجة متقدمة في إسبانيا وصقلية لا بل تسامت إلى الجوزاء، حتى انتقل تأثيرها منهما إلى فرنسا وإيطاليا، وامتدت فلسفة قرطبة وعلى رأسها معلمها الأعظم ابن رشد حتى دخلت جامعة باريس.. (التراث الإسلامي، إشراف سير توماس ارنولد/ ص79) نقلا عن المرجع السابق/ص335). ويدلل السيد ارنست باركر على تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب، فيقول: «الحق يقال إن الغرب مازال يستخدم مصطلحات عربية في عالم التجارة وكذلك تبنت مصطلحات بحرية ملاحية (وأخرى منزلية) هذه الكلمات مازالت تستعمل أو فيما مضى..» (المرجع السابق/335).

لم يستنكف الإسلام أن يأخذ من الشعوب التي عاصرها واختلط بها ما حققه من تجارب، يقول العالم جورج سارتون حول هذا: «إن إدراك الفاتحين لضرورة الأخذ عن ثقافات الشعوب المفتوحة قد فسح المجال لما يجوز أن نسميه معجزة العلم العربي آتيني بكلمة معجزة لترمز إلى تفسير ما بلغ إليه العرب في الثقافة والعلم مما يخرج تقريبا عن نطاق التصديق وليس لذلك شبه في تاريخ العالم كله ما عدا حسن اكتساب اليابانيين للعلم الحديث وللبراعة الفنية في أثناء العصر الميجي (1868-1912). (المرجع السابق/364).

هذه هي الحضارة الإسلامية وهذا هو شأنها بين الحضارات» حضارة ذات شخصية متميزة تتميز عما سبقها من حضارات، وهي قادرة على التميز فيما هو قادم لأن الأسس التي قامت عليها هذه الحضارة أسس ثابتة راسخة كالجبال وربما أشد رسوخا من الجبال، فهي لا تقوم على مطلق أخلاق بل هي تقوم على كمال الأخلاق التي جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لإتمامها، وبيان معالمها فلا يضل عنها ضال، ولا يخطئها ساع إلى المعالي، ومن عظمة هذه الحضارة أنها لا تتعالى على غيرها، بل هي شديدة التواضع مع غيرها ولا تزهد فيما لدى الآخرين، وتاريخ الإسلام مليء بالمواقف التي استعارت فيه الحضارة الإسلامية تجارب الأمم، واستعانت بمن هم ليسوا على دين الإسلام من أهل الكتب بل لقد استعان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) برجل غير مؤمن في هجرته، وهذا الرجل هو عبدالله بن أريقط كدليل له ولصاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، وكما نقل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) تدوين الدواوين من دولة فارس والروم.

هذه هي حضارة الإسلام، وعطاؤها غير المجذوذ.

الحضارات الإنسانية ليست على نسق واحد، والأسس التي قامت عليها مختلفة اختلافا بيًّنا، ونستطيع أن نقسمها إلى ثلاث حضارات: الحضارة الشرقية في الأمم الشرقية (الغربية)، الاتحاد السوفيتي ومن ينتهج نهجه، وهي حضارة همشت الإنسان، وسلبته إنسانيته، واهتمت اهتماما بالغا بالآلة والأشياء.

وحضارة غربية مادية رفعت من شأن الإنسان عن غير استحقاق فبلغت به مرتبة الإله أو تكاد، فهو المشرع، وهو الحاكم الناهي، وهو كما وصف فرعون نفسه، وفرعون هو المثل الصارخ في الأنانية السياسية والإنسانية قال: «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» (غافر/29).

الحضارة التي أقامها الإسلام وجعل أسسها المكينة القيم السامية، والمبادئ العالية، وها هو رسول الإسلام العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم) يؤكد هذه الأسس حين يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، الإمام مالك.

والإسلام في حضارته ليس بعيدا عن العلم والمعرفة النافعة، وهو يؤسس لهذا عندما يحتفي بالعلم، يقول تعالى:

«اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5)» (العلق).

ونراه يدعو إلى فريضة التفكير باعتبارها واجبا لا نفلا، فيقول تعالى:

«الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار» (آل عمران/91).

الآية الجليلة تزاوج بين ذكر الله وهو عبادة عظيمة، وبين التفكير وهو هنا فريضة إسلامية، فهم يؤدون العبادات في أوقاتها، ثم يجعلون للتدبر في آيات الله الكونية نصيبا من أوقاتهم ليصلوا من خلال ذلك إلى تعظيم الخالق سبحانه وتعالى.

ثم يطرح القرآن أسئلة للبحث العلمي ليستفز العقول، ويستنهض الهمم من أجل البحث العلمي الذي يقود لا محالة إلى الإيمان بالخالق سبحانه، وبما أودع في هذا الكون من آيات تدل على أنه الواحد، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمسيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (56)»، (الغاشية). السؤال بـ«كيف» يؤدي لا محالة إلى البحث العلمي في كيفية خلق هذه الأصناف على هذا النسق، ولو كان السؤال بـ«لماذا» لتوقف البحث العلمي عند حد معين، فيكفي أن نعرف الغاية التي خلقت هذه المخلوقات من أجلها.

ومن تشريف الإسلام للقلم وهو أداة التعليم، ثم التنويه بوظيفته، وإحلاله المكانة التي تليق به، يقول الحق تبارك وتعالى: «ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4)»، (القلم). ولننظر في هذه الآيات الجليلات وكيف ربط الحق تبارك وتعالى بين العلم والأخلاق ليؤكد مرة ثانية وربما ثالثة أو أكثر أن المطلوب ليس العلم المطلق، بل العلم النافع، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، (رواه مسلم، أخرجه برقم (1631).

إذن فالعلم الذي يؤسس الحضارات الصالحة هو العلم النافع وليس الضار، ولقد شهدت الحضارات علوما ضارة أبادت أعدادا كثيرة من البشر، وهدمت القائم من البنيان، وأشاعت الأمراض والأحقاد بين الناس، وما الأسلحة المدمرة من كيماوية وجرثومية وغيرها ببعيدة عنا، ويكفي ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في اليابان حين ألقت عليهم قنبلتين ذريتين لا يزال الشعب الياباني يعاني منهما حتى هذه الأيام.

إن الحضارات المادية تأخذ بالشمال أضعاف ما أعطته باليمين، وصحيح أنها تبني وتعمر، لكنها سرعان ما تدمر ما بنت، وتزيل ما أوجدت، وتتنافس الدول في احتلال أسلحة الدمار الشامل حتى تكون الأمم الضعيفة تحت رحمتها.

إقرأ أيضا لـ”عبدالرحمن فلاح”

اللغة الأعظم

Posted: يوليو 10, 2017 in خواطر الجمعة

اللغة وسيلة لإيصال المعاني المجردة إلى السامع أو القارئ، وكلما كانت اللغة قادرة على الوفاء بما جعلت له كان البيان واضحا والغاية المبتغاة ميسورة.

يقول الفيلسوف الألماني فيخته: «اللغة تجعل الأمة الناطقة بها كلا متراصا خاضعا للقوانين إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان». ويكيبيديا

تتميز اللغة العربية بخصائص من دون باقي اللغات ومن هذه الميزات:

1-الخصائص الصوتية: حيث تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، حيث تتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق، وقد تجد في لغات أخرى غير العربية حروفا أكثر عددا ولكن مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر.

ومن مميزاتها: الاشتقاق فالكلمات في اللغة العربية لا تعيش فرادى منعزلات بل مجتمعات مشتركات كما يعيش العرب في أسر وقبائل، ومن مميزات العربية: الشكل أو البناء والصيغة أو الوزن ومن مميزاتها التعريب ومن مميزاتها كذلك: الإيجاز وهي صفة واضحة في اللغة العربية، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: «أوتيت جوامع الكلم»، ويقول العرب: «البلاغة الإيجاز» «وخير الكلام ما قل ودل» والإيجاز على أنواع: إيجاز في الحرف ممثلا حرف (خ) في اللغة العربية يماثله في اللغة الإنجليزية (KH) فحرفان مقابل حرف فهذا إيجاز في الحرف. وهناك شكل الشدة وهي توضع على الحرف المكرر فيذكر حرفا واحدا وتوضع عليه علامة الشدة (لّ).

وهناك الإيجاز في التراكيب مثل إضافة الضمير إلى الكلمة وكأنه جزء منها مثل: كتابه، والإيجاز أيضا في اللغة المكتوبة فمثلا سورة (الفاتحة) في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنجليزية 70 كلمة.

ومن كمال اللغة العربية وتميزها عن باقي اللغات الأثر الذي تركته في اللغات الإسلامية مثل: الفارسية، والتركية، والأوردية والمالاوية والسنغالية، وهو أثر كبير يعز على الحصر، بل إن هناك في اللغات الأجنبية ألفاظ عربية يعترف بذلك أهل هذه اللغات. ولقد جاءت الدكتورة الألمانية زيغرد هونكه بقائمة بالكلمات العربية الموجودة في اللغات الأجنبية.

إن من عظمة هذه اللغة وكمالها أنها صارت وعاء لكلام الله تعالى، فقد نزل بها القرآن، وتحدى الله تعالى به وبها أساطين اللغة وبلغاء العرب، بل تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بشيء مثله مفتريات، أو حتى بسورة واحدة فعجزوا حتى ولو كان الجن يعينهم على ذلك.

وأي تكريم، وأي تعظيم نالته هذه اللغة الجليلة والله تعالى يعلن أنه اختارها لتكون لغة الوحي فرفعها إلى عليين، وأعطاها لواء الزعامة بين اللغات، يقول سبحانه: «إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» (يوسف/2).

وقال سبحانه: «وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ» (فصلت/44).

ويؤكد الحق سبحانه وتعالى في غير ما آية على أن لسان هذا الوحي هو لسان عربي مبين، قال تعالى: «وإنه لتنزيل من رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)» (الشعراء).

إنها العربية لغة وحدة وتوحيد، اصطفاها الحق سبحانه وتعالى لتتشرف بحمل كلامه إلى البشرية فيحفظها بحفظ كتابه، ويجعلها لغة معجزة بين اللغات.

الخلافة الأعظم

Posted: يوليو 10, 2017 in خواطر الجمعة

قال صلوات ربي وسلامه عليه: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا، ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان اثنتا عشرة، وعلي ست».

الراوي: سفينة أبو عبدالرحمن مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المحدث: الإمام أحمد. الحديث صحيح.

وهؤلاء الأربعة من العشرة الذين بشرهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالجنة هم من الصفوة الذين اجتمعت الأمة عليهم، وبايعتهم بيعة شرعية، ولحكمة أرادها الله تعالى جعل طريق وصول كل واحد من هؤلاء العظماء إلى السلطة مختلفا عن الآخر ليشير إلى أنه ليس هناك نص من الكتاب والسنة على طريقة واحدة للحكم بل متى ما توافر العدل والمساواة والرحمة في نظام منذ صار نظاما مرضيا عنه، وأن للمسلمين بحسب تغير أزمانهم أن يختاروا النظام الذي يوافق العصر ومستجداته شريطة ألا يحل حراما أو يحرم حلال.

وحين تستعرض الأمة دورات الحكم التي مرت بها الأمة الإسلامية تجد أن أفضل هذه الدورات هي دورة الخلافة الراشدة التي تولاها الصفوة من الصفوة من الصحابة، فمن أراد أن يستعين بسنتهم في الحكم فله ذلك وهو مأجور، ومن أراد أن يأخذ بنظام لم يعهده المسلمون من قبل لكنه يحقق مبادئ الإسلام ويرضي الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) عنه ويكفي حتى ينال هذا النظام أو غيره مرضاة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ألا يأمر بمعصية وينهى عن طاعة، حيث لا طاعة لمخلوق أيا كان في معصية الخالق سبحانه.

وحين تستدعي الخلافة الراشدة في عهد الصديق رضي الله تعالى عنه، ونستمع إلى كلماته البارة حين يقول: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله تعالى فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.

هذا المنهاج الذي يجسد العقد الاجتماعي بين الراعي والرعية، وبين الحاكم والمحكومين سبق به الصديق رضوان الله تعالى عليه جان جاك روسو في كتابه «العقد الاجتماعي» قبل سبعمائة سنة، فالريادة في هذا المجال هي للصديق دون منازع إلا أن المسلمين لم يولوا هذا الموقف الجليل ما يستحق من عناية، ولم ينوهوا بأسبقية على عقد جان جاك روسو (1712-1778).

ونستدعي الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ليحدثنا عن فترة حكمه لقد كان رضي الله تعالى عنه حريصا على أن يكون في الأمة من يجهر بنقده ورده إلى الصواب إذا انحرف عنه، وقف يوما خطيبا فقال: أيها الناس ماذا لو أملت برأسي هكذا فوقف له سلمان الفارسي (رضي الله عنه) وقال: نقومك بسيوفنا هكذا، قال عمر: إياي تعني؟! قال سلمان: إياك أعني! قال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) من يقوم اعوجاج عمر بحد السيف، عندما أطمأن عمر على صحوة الأمة ومراقبتها الشديدة للحاكم، وهي قادرة إن أخطأ أو مال عن الحق أن ترده إليه دفاعا عن حقوق الأمة وأداء لحق النصيحة للحاكم، وإن تكون طاعة الأمة وتقديرها له نابعة من طاعته لله تعالى وفي المعروف.

لقد تعطر التاريخ، وازدانت صفحاته بذكر هؤلاء العظماء الذين ملؤوا الدنيا عدلا ورحمة، وصاروا مثلا يتطلع إليه الباحثون عن العدل، والمتشوقون للرحمة.

إنها حق الخلافة الأعظم التي أثنى عليها رسول الله (صلى الله عليه ويسلم، وجعلها ميزانا للحق والثبات عليه.

الشريعة العظمى

Posted: يوليو 10, 2017 in خواطر الجمعة

العقيدة واحدة لا تتغير ولا تتبدل, أما الشرائع فمتعددة, العقيدة هي أن نعبد الله ولا نشرك به أحدا سبحانه, وهذه هي الرسالة العامة التي جاء بها الأنبياء جميعا من لدن الله تعالى. يقول سبحانه, في نداء عام ينتظم البشرية جميعها: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة/21), ويقول سبحانه: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا» (النساء/36), وقال جل جلاله: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار» (المائدة/72).

وهكذا سار الأنبياء جميعا على هذا الصراط المستقيم في العقيدة, أما الشرائع فلا بد أن تأتي مناسبة للزمان الذي جاءت فيه, وللمكان الذي نزلت فيه, وللقوم الذين يعيشون في الزمان والمكان, لذلك قال تعالى: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم الله أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم بينكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك».. (49) (المائدة).

إذاً, فهناك قدر مشترك يجتمع فيه الناس وهو العقيدة، أما ما دون ذلك من الشرائع, فقد جعل الله تعالى لكل قوم شرعة ومنهاجا تتناسب مع أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم, وكل شريعة من هذه الشرائع لها غاية تريد أن تصل بالناس إليها, وعندها ينتهي دورها لتأتي شريعة أخرى لقوم آخرين لزمان ومكان بحسب ما يحتاج اليه الناس في أمور معاشهم ومعادهم, وعندما تكامل الرشد البشري أرسل الله تعالى خاتم رسله محمد (صلى الله عليه وسلم) وجعله رسولا إلى الناس كافة, وأنزل عليه معجزة باقية خالدة تضمنت شريعة من أعظم الشرائع يستطيع الناس في ظلها أن يحققوا أقصى ما يتمنون في معاشهم ومعادهم, وهذه الشريعة إن تمسك بها الناس حققت لهم السعادة والأمان في الدنيا والآخرة.. لهذا فالشريعة التي نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هي الشريعة الوحيدة التي وصفها الله تعالى بالكمال في قوله تعالى:

«.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا..» (المائدة/3).

وكمال الدين يقتضي عدم حاجته فيما يشرع للناس إلى غيره في الأصول الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل, وفي القواعد العامة التي تفتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها كقوله (صلى الله عليه وسلم): أنتم أعلم بأمور ديناكم». ومن هذه القاعدة استدل المسلمون على جواز الاجتهاد في أمور الدنيا شريطة ألا يعارض ما يصل إليه المجتهدون من أحكام الحلال والحرام, وفي هذا سعة للناس في أمور دنياهم. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (مالك).

وهذا يفيد بأن ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مجال القيم والأخلاق قد أكمل به الرسول (صلى الله عليه وسلم) منظومة القيم والأخلاق ولم يترك لغيره شيئا.. وحتى يقوم بهذا الدور العظيم قال الله تعالى عنه: «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم/4).