Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

تاريخ النشر :٢٧ فبراير ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

جاء في سورة العنكبوت قوله تعالى:{أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} الآية 45.
والتساؤل الذي نطرحه، ونحاول الإجابة عنه هو: لماذا جاء فعل (تنهى) بدلا من الفعل (تمنع) مع أن الفعل يمنع له من القوة والفاعلية ما ليس للفعل ينهى؟
هذا الكلام قد يبدو في ظاهره أن له شيئاً من الوجاهة، ويكون فيه عذراً للمقصرين في جني ثمرة الصلاة من استقامة في السلوك مع الناس، واطمئنان في القلب، وراحة في النفس، وعند التدقيق نكتشف هزال هذا المنطق، وضعفه، ونقول: هناك قوتان تتجاذبان الإنسان، وكل واحدة منهما تشده إلى جانبها، فأي واحدة منهما تنتصر يكون الإنسان من أصحابها، وهاتان القوتان هما: القوة المادية، والتي يمثلها الفعل (يمنع)، وهي قوة الإرغام والإلزام، والقوة الروحية، التي يمثلها العقل، وهي قوة الحجة والبرهان، والإنسان يراوح بينهما صعوداً وهبوطاً، ونهضة وسقوطاً، وهذه الأحوال كما تصدق على الأفراد تصدق على الأمم والجماعات، وربما هذا هو أحد أسباب ضعف الأمة الإسلامية، وتداعي الأمم عليها.
ونحاول هنا أن نبين السبب وراء مجيء الفعل (تنهى) بدلا من الفعل (تمنع)، فنقول وبالله التوفيق: إن الفعل (تمنع) يحتاج إلى قوة مادية يخضع لها العبد فلا فضل له في الطاعة التي يؤديها، والحق سبحانه وتعالى لا يريد عبادًا مجبرين على طاعته، بل يريدهم مختارين ليكون دافعهم إلى عبادته والتقرب إليه هو الحب لا الإجبار، والرغبة لا الرهبة، وألا يكون دوام الإقبال عليه مرهونا باستمرار القوة المادية التي تقهرهم على ذلك، ومتى ما انتفت هذه القوة، أو ضعف تأثيرها توقفت الطاعة أو تكاسل العبد عن أدائها، أما الإقبال عليه سبحانه وتعالى بقوة العقل والبرهان، فأثرها دائم، والإقبال عليها عند العبد لا ينقطع، لذا جاء التعبير عن أثر الصلاة في سلوك العبد ب(تنهى)، لأن (النُهى) هو العقل، وأولو النُهى هم أصحاب العقول الراشدة، وخاصة عندما يستحضر العبد رقابة مولاه سبحانه وتعالى في قوله تعالى:{.. ولذكر الله أكبر}.
إذن، فالمعول عليه في الطاعة أو المعصية هو العقل، والمعتمد عليه في الإقبال على الله تعالى والإدبار عنه سبحانه هو العقل، عندها يكون الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية مرتبطين بحرية الإرادة التي جاء التعبير عنها، والإشارة إليها صريحة في القرآن الكريم في قوله تعالى:{.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..} الكهف/29.
ولأن التقرب إلى الله تعالى بالعبادات وبغيرها من الطاعات، وفي مقدمتها الصلاة بالحب والاختيار، كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول لبلال (رضي الله عنه):[أرحنا بها يا بلال!!]، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) لا يسأل الراحة في أمر مجبر عليه، بل هو يطلبها في أمر محبب إلى نفسه، ويرغب فيه، بل كان صلوات ربي وسلامه عليه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ليرتاح من ذلك الهمّ، وتطمئن إليه نفسه.
هذه هي الصلاة، وهذا هو أثرها في حياة المسلمين، ومن ثمراتها الشهية استقامة في السلوك، ورقة في المشاعر، واطمئنان في القلوب، لأن فيها ذكر الله تعالى
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} الرعد/28.
فالحمد لله تعالى الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والحمد لله الذي أنعم علينا بالصلاة، وجعلها معراج المؤمن إلى مولاه سبحانه كل يوم خمس مرات، وهي صلة بين العبد ومولاه سبحانه، فمن أراد الدخول على مولاه سبحانه، فعليه بالصلاة التي فيها يتحدث العبد إلى مولاه ويسأله سبحانه من خيري الدنيا والآخرة ما يشاء، فإذا أراد أن يخاطبه مولاه عز وجل، فعليه بقراءة القرآن، فيتحدث الله سبحانه إليه حين يقول له: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً..}، وهكذا كل الآيات التي تبدأ بقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا..}، وإذا كان الإنسان يكاد يطير فرحاً وحبوراً إذا خاطبه الملك أو الرئيس من البشر، فما حاله إذا خاطبه ملك الملوك سبحانه؟ لا شك أن هذا يعزز ثقته في إيمانه ويجعله أكثر ولاءً لدينه ولرسوله (صلى الله عليه وسلم).

تاريخ النشر :٢٠ فبراير ٢٠١٥

«الاعتراف بالذنب» فضيلة عظيمة القدر، جليلة المنزلة يسمو بها الإنسان إلى الدرجات العلا، ويكسب رضا مولاه سبحانه، ورضاه عن نفسه.
وما أجمل الاعتراف بالذنب حين يأتي في وقته، وقبل أن تذهب الفرص المتاحة للإنسان سدى، فرص التوبة والإنابة، والرجوع إلى الحق بعد أن تاهت الخطى في طريق الباطل.
نعم إذا أراد العبد أن يجني ثمرة اعترافه بالذنبص، ويستدرك على ما فاته من تقصير، فعليه أن يسارع إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وذلك بالتوبة وإصلاح العيوب، أما حين تبلغ الروح الحلقوم حيث: «.. لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنّا منتظرون» الأنعام/158.
ويوم القيامة يكون الاعتراف بالذنب قد فات أوانه، وتقطعت حبال النجاة في يد المفرطين الغافلين الذين نسوا الله تعالى حين الاستطاعة، فأنساهم أنفسهم عند الحاجة إليه سبحانه، عندها لا ينفع الندم، ولا تجدي الحسرة، ورغم اعترافهم بالتقصير ورغبتهم في التوبة فإن أوانها قد فات، قال الله تعالى عنهم: «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير(10) فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير(11)» سورة الملك.
فهل صحيح أنهم لا يسمعون ولا يعقلون أم أنهم يتمتعون بكامل قواهم السمعية والعقلية إلا أنهم لم يحسنوا توظيفها ولا الاستفادة منها، وكان ذلك بإرادتهم الحرة، وبميلهم إلى الدنيا وشهواتها؟ وصدق فيهم قول الحق سبحانه وتعالى: «ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون» الأعراف/179.
لم يعطل الله تعالى هذه الملكات عندهم، بل جعل إرادتها في أيديهم، هم يوجهونها الوجهة التي يريدون، وهي لا تتأبى عليهم في الدنيا، ومعاذ الله تعالى أن يجبر عباده على معصية ثم يحاسبهم عليها، وليعلم العبد يقيناً أنه لن يُحَاسَبَ يوم القيامة إلا على فعل كان يستطيع أن يفعله ولم يفعله، أو على فعل يستطيع أن يتركه ففعله، وذلك من تمام إعداد الإنسان للخلافة في الأرض، فإذا أهمل الإنسان هذه الملكات والمواهب وعطلها عن العمل ولم يجن ثمرة خضوعها له في الدنيا، فسوف تكون عليه وبالاً يوم القيامة حين يرد إليها الحق سبحانه وتعالى إرادتها ويُشْهِدُها على صاحبها، فتشهد عليه بالحق، فلا يلومَنَّ الإنسان إلا نفسه، ولا يلقي باللائمة على غيره، أو على زمانه، وسوف يشهد عليه الزمان بقوله:
نعيب زماننا والعيب فينا}}} وما لزماننا عيب سوانا.
ونهجو الزمان بغير ذنب}}} ولو نطق الزمان لهجانا.
(الإمام الشافعي)
إن المسارعة إلى الاعتراف بالذنب يورث الإنسان المسارعة إلى التوبة والإنابة، وتعويض ما فاته من تقصير في عمل الصالحات، وليعلم أن الشيطان الذي يعلق عليه تقصيره وأخطاءه سوف يتبرأ منه يوم القيامة على رؤوس الخلائق جميعها، ويعترف بأنه لا سلطان له على المقصرين والعصاة، وأنه فقط زيّن لهم المعصية، فأقبلوا عليها بلهفة ونشاط، وها هو كتاب الله المعجز، القرآن الكريم يسجل لنا اعتراف الشيطان، وتبرأه من العصاة المقصرين: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» إبراهيم/22.
والعجيب أن اعتراف الشيطان لم يأت متأخراً، بل أثبته الله تعالى في قرآنه العظيم، والناس جميعهم يقرؤونه صباح مساء، وبإمكانهم التنبه إلى ذلك، والحذر من الوقوع في المعاصي والاحتجاج بالشيطان وكيده، وقد علمنا أن كيد الشيطان كان ولا يزال ضعيفاً، قال تعالى: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً» النساء/76.
فهل نسارع إلى الاعتراف بالذنب ونرجع إلى الحق، ونعمل صالحاً فيما بقي من أعمارنا لأن الموت يأتي فجأة، لنفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين الذين جعلوا الرجوع إلى الحق فضيلة ومبدأ في حياتهم، وجعلوا من محاسبة أنفسهم برنامجاً يومياً يعكفون عليه، ويستنون بسنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- الذي كان يقول للناس: (حاسبوه أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)، فرضي الله تعالى عنك أيها الفاروق، فقد كنت نعم الناصح لأمتك الشفيق عليها.

مادة تحلية

Posted: فبراير 19, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٣ فبراير ٢٠١٥

قال تعالى:{.. إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب} الزمر/10.
من هم هؤلاء الصابرون الذين بلغوا هذه المنزلة العظيمة والذين خصهم الله تعالى بمعاملة لا يتمتع بها غيرهم؟ فهم لا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، قال صلى الله عليه وسلم:[يؤتى بالشهيد يوم القيامة فيوقف للحساب، ثم يؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينصب لهم ديوان، فيصب عليهم الأجر صباً حتى أن أهل العافية يتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله] رواه المنذري في الترغيب والترهيب عن عبدالله بن عباس(رضي الله عنهما) وقد وثق.
إن الرضا هو مادة تحلية إذا أضيفت إلى الصبر حولته من صبر مرّ مثل العلقم إلى أحلى من العسل، ويشعر العبد الصابر بالمتعة وهو يتحمل عناء البلاء، وذلك حين يعلم أن الله تعالى قد أعدّ له من المنزلة ما لا أعدّها لغيره من الذين لم يصابوا بمثل ما أُصيب به، وأنه سبحانه وتعالى قد وعده بعظيم المثوبة بخلاف من ابتُلِيَ فصبر وهو كاره.
إن الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) لما علموا عظم الجزاء على البلاء حين يستقبله العبد بصبر واحتساب قالوا: لولا أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قد نهانا عن تمني البلاء لتمنيناه، فقد نهاهم صلى الله عليه وسلم عن تمني البلاء حين قال:[ لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا] متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(3026)، ومسلم برقم(1742).
بل إن الشهداء يوم القيامة يتمنون لو يعيدهم الله تعالى إلى الدنيا ليقاتلوا في سبيل الله، فَيُقتلوا هكذا دواليك، وذلك من عظيم ما نالوه من الكرامة، ولا يتمنى ذلك غيرهم ممن دخل الجنة.
والصبر على ثلاث مراتب: صبر عن المعصية، وصبر على الطاعة، وصبر على البلاء، وأشدها على العبد الصبر على الطاعة لأن فيه الدوام والاستمرار، لهذا خفف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) علينا العبادة حين قال:[إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه] روه الشوكاني في إرشاد الفحول، وهو حديث صحيح وروت السيدة عائشة أم المؤمنين(رضي الله عنها) عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)أنه:[ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى] متفق عليه، أخرجه البخاري برقم(3560)، ومسلم برقم (2327).

كل هذا الهدي النبوي العظيم ليخفف علينا صعوبة الصبر على الطاعة، أما الصبر عن المعصية، فأمره أيسر لأن فيه امتناع عن المعصية، والامتناع أسهل من الاستمرار، وكذلك الصبر على البلاء يستعين العبد عليه باستحضار ما أعده الله تعالى للعبد الصابر الراضي من عطاء غير مجذوذ، فيتمنى المبتلى دوام الابتلاء.
والمؤمن إذا رضي كان له الرضا من مولاه سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم:[إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] رواه أنس بن مالك في السلسلة الصحيحة للألباني.
أيها المؤمنون عليكم بالصبر إذا أصابتكم مصيبة، فإذا كان مرًّا علقماً ولا بد أن يكون كذلك، فأضيفوا إليه مادة تحلية هي الرضا، واعلموا أن الله تعالى لن يضيع لعبد عامل صابر راضٍ عمله وصبره، واعلموا أن صبر نبي الله يعقوب على فقد ولده يوسف وأخيه لم يصِر جميلاً إلا بعد أن أضاف إليه مادة بالرضا.

يوم الوفاء

Posted: فبراير 19, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٦ فبراير ٢٠١٥

الوفاء بالعهود والمواثيق من أعظم خصال الخير التي يتصف بها المؤمنون في حياتهم مع خالقهم سبحانه وتعالى، ومع الناس وما من إنسان إلا ويحب أن يفي الناس له بعهدهم معه، وكذلك يجب عليه أن يفي بعهوده معهم سواء بسواء، وأعظم العهود وأجلها هي ما كانت مع الله تعالى حين يعاهد المؤمن مولاه سبحانه على فعل الطاعة وترك المعصية، وأن يكون له موحداً، لا يعبد معه سبحانه أحداً غيره، وكيف يفعل ذلك وهو سبحانه كما قال عن نفسه عز وجل: «قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» الأنعام/164.
إنه تساؤل عجيب يقره العقل الراشد، وتطمئن إليه النفس الإنسانية العاقلة، فما دام الله تعالى هو رب كل شيء، فكيف يقبل العقل السليم أن يقر بإله غير الله تعالى، وأن يعبد غيره، ويستعين بسواه؟
ويوم القيامة هو يوم الوفاء بالعهود التي قطعها الحق تبارك وتعالى لعباده على نفسه، وذلك بعد أن وفوا بعهودهم معه سبحانه، يقول تعالى مقرراً هذه الحقيقة التي لا يرقى إليها الشك، ولا تحوم حولها الريب والشبهات: «يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون» النحل/111.
الله سبحانه وتعالى ليس بظلَّام للعبيد، فمن كانت له مظلمة على أحد من الخلق، فسوف يوفيه الله تعالى حقه يوم القيامة إذا لم تنصفه عدالة الأرض، فإن عدالة السماء لن تبخسه حقه، ويومها سوف يعض الظالم على يديه ويقول: ليتني لم أظلم فلاناً، ولم أسرق من فلان، ولم أسفك دم فلان، ولم أهتك عِرْض فلان.
في ذلك اليوم توضع الموازين القسط، فمن عمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن عمل مثقال ذرة شراً يره.
إن ثقة المؤمن في موعود الله تعالى يجب أن تكون صنو الإيمان به سبحانه وتعالى، فهو جل جلاله على كل شيء قدير، وهو سبحانه بالإجابة جدير، ولقد أمرنا بأن ندعوه سبحانه، ونلحّ في الدعاء، في كل أمر يهمنا ويشغلنا، وينغص علينا حياتنا، فهو تعالى مفرج الهموم وقاضي الحاجات، ومحقق الأمنيات، وما ارتفعت أكف تدعوه إلى شيء من خيري الدنيا والآخرة وردها خائبتين، فهو سبحانه لا يرد سائلاً، كان الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول حين يدعو ربه سبحانه: (اللهم إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، وإنما أحمل هَمًَّ الدعاء) ويقصد رضي الله عنه: أن الإجابة قد تكفل بها العليم الخبير الذي هو على كل شيء قدير، والذي أمره سبحانه بين «الكاف والنون»، وإذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فالفاروق (رضي الله عنه) واثق من تحقق الإجابة، وإنّ ما يشغله وينغص عليه حياته هو: هل أحواله مع مولاه سبحانه ترقى إلى مستوى أن يكون مستجاب الدعاء؟ وهو يسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحدّثهم عن رجل أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوعاً بالأبواب لو أقسم على الله تعالى لأبره لحسن صلته بالله تعالى، فعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وهو من هو عند ربه سبحانه، وعند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخشى ألا يكون في مستوى هذا الأشعث الأغبر الذي حدثهم عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى أنه يقول تواضعاً: لو نادى مناد يوم القيامة كل الناس ناج إلا واحداً لظننته أنا، وكان الصديق أبوبكر (رضي الله عنه) يقول: لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لا آمن مكر الله تعالى، أما الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) وهو من هو في الزهد والورع عندما كان على فراش الموت سمعه عواده يقول: ليس بعد.. ليس بعد!!، فسألوه: ما هذا يا إمام الذي ليس بعد؟!، قال لهم: لقد جاءني إبليس وقال لي: لقد نجوت يا ابن حنبل، فقلت له: ليس بعد!!

فالشيطان لا ييأس حتى آخر لحظات العبد مع الحياة، يريد أن يغتر العبد بطاعته، فيموت على هذه الحال، فيحقق الشيطان أمنيته، ولكن الإمام أحمد بن حنبل كان حسن الصلة بربه سبحانه، فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومات رضي الله عنه على الطاعة الخالصة لربه سبحانه.

تاريخ النشر :٣٠ يناير ٢٠١٥

لقد ادخر الحق تبارك وتعالى للبشرية رحمته المهداة محمداً(صلى الله عليه وسلم) ليجعله يتحمل أعباء القرون السالفة في مواجهة الباطل وأهله من الذين لم يستجيبوا لنداء الحق الواحد الذي جاء به أنبياء الله تعالى ورسله الكرام إلى الناس جميعاً: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت..} النحل/36، جاء بها نوح (عليه السلام) وهو أطول الأنبياء والمرسلين مكثاً بين قومه؛ إذ لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم تلاه موكب من الرسل الكرام جاءوا على فترات لينذروا قومهم، ويحملوا إليهم دعوة الحق التي أجمعوا عليها حتى جاء رسول الله محمد(صلى الله عليه وسلم) ليؤكد ذلك وليعلنه مبدءاً من مبادئ الإسلام العظيمة، وأمر أمته بها:{ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} البقرة/ 285
إذاً، فدعوة الأنبياء الكرام جميعاً واحدة، وهي التوحيد الخالص لله تعالى أما الشرائع، فمتعددة كل شريعة تناسب القوم والبيئة والزمان الذي نزلت فيه: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} المائدة/48.
لهذا صار محمد(صلى الله عليه وسلم) هو الرحمة المهداة من ربه سبحانه إلى البشرية قاطبة:{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء/107، ومجيء هذه الآية بالتحديد في سورة الأنبياء نظن- والله تعالى أعلم- إنما جاءت لتؤكد على أن محمداً(صلى الله عليه وسلم) قد جمع معاني الرحمة المتفرقة في الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) جميعاً بدليل أنه بعد أن كان رحيماً بأهله وذويه وقومه صار رحمة للناس أجمعين، فهو المبعوث-بحق-رحمة للعالمين، ولأنه رحيم.. ولأنه رحمة، قال الله عنه:{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} آل عمران/159.
ولهذا لما سأله أصحابه: لم لا يدعو على الكفار؟ قال لهم: إني لم أًبْعَثْ لعَّاناً ولكني بُعِثْت رحمة للعالمين!!.
وقد يتساءل البعض: كيف يكون محمد(صلى الله عليه وسلم) رحمة للعالمين، وهو ينذر من كفر بدعوته، بل وبدعوة الأنبياء جميعاً بالنار والعذاب العظيم؟ نقول لهم: ألا يكون الذي يحب قومه ويحب لهم الخير يدعوهم إلى ما ينجيهم من العذاب ويضمن لهم السلامة، فمحمد(صلى الله عليه وسلم) رحمة حين يبشر المؤمنين الطائعين بالجنة ونعيمها الخالد، ومحمد(صلى الله عليه وسلم) رحمة حين ينذر الكافرين ويحذرهم من جهنم وعذابها الخالد، فيستجيب له من يستجيب، فينجو ويعرض عنه من أعرض فيهلك ويكون من أصحاب السعير، ويكون محمد (صلى الله عليه وسلم) قد أدى ما عليه من حقوق للناس، وبلَّغ ما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم، وهنا تتكامل معاني الرحمة فيه صلى الله عليه وسلم، ويكون بحق رحمة للعالمين لأن رحمته -بأبي وأمي – قد وسعت الناس جميعاً، ولم تفرق بين أسود وأبيض، أو عربي وأعجمي، أو غني وفقير، أو صاحب جاه وسلطان ومن لا جاه له ولا سلطان.

كيف بإنسان عظيم مبجل ممجد عند ربه سبحانه، أرسله مولاه سبحانه لينقذ به البشرية السادرة في غيها من الهلاك والمصير المظلم يلقى ما يلقى من سوء أدب، وسفاهة ؟ قد يقول قائل: لقد لقي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من قومه المعاندين لدعوته أشد من هذا، فَلمَ تستنكرون أن يتعرض لذات السفاهة وسوء الأدب؟
نقول لهم: هذا صحيح حين جهل قومه قدره، وكان هناك من ينافسه على ما حباه مولاه سبحانه من مكانة، وكانوا يتطلعون إلى تلك المكانة، ولكن اليوم بعد أن أقر حتى الذين لا يدينون بدينه في أنه أعظم الناس قدراً، وأوفاهم لمعاني الكمال البشري، والسمو الأخلاقي يأتي أناس لا خلاق لهم لينشروا مقالات السوء عنه صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا قد وهنت علاقاتهم بشرائعهم، ولا يحملون في قلوبهم الحب والتقدير لأنبيائهم، فينشرون البذاءات عن أنبيائهم، فإن الأمر عندنا -نحن المسلمين- جد مختلف، فنحن نتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في كل لحظة من ليل أو نهار، كما أننا نترضى على أصحابه؛ ذلك لأننا نأتمر بأوامر الله تعالى وننتهي بنواهيه، فهو سبحانه الذي أمرنا بالصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقال سبحانه:{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} الأحزاب/56.
وأما توقيرنا وحبنا لأصحابه، فهو لأن الله تعالى قد رضي عنهم، قال سبحانه:{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة/100.
إن الإسلام الذي جاء به محمد(صلى الله عليه وسلم) هو دعوة إلى الحب والسلام، ولن يكون في يوم من الأيام دين عنف وإرهاب كما يتهمه أعداؤه وشانئوه، والدليل على ذلك أن من كان يبغضه بالأمس ويحاربه، وينشر البذاءات عنه آمن به ودخل فيه وصار يدافع عن قيمه ومبادئه، ويرد سهام الحاقدين عنه، وكيف لا يكون ذلك كذلك والله تعالى يقول عنه:{ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} التوبة.
فيا أيها الحاقدون موتوا بغيظكم، فإن الإسلام باقٍ، بل ويزداد كل يوم قوة وثباتاً، وسوف يصل إلى الناس رغماً عنكم، والعجيب أنكم أنتم الذين تساعدون على نشره بما ابتكرتم واخترعتم من وسائل الاتصال الاجتماعي التي لا تقف أمامها السدود والحدود!!.

فقدت ذاكرتي

Posted: فبراير 19, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٣ يناير ٢٠١٥

صحوت من النوم في أحد الأيام وأردت أن أستخدم هاتفي النقال، فوجدته صامتاً صمت أهل القبور، وحاولت معه، ولكن دون جدوى، وظننت لأول وهلة أن الطاقة الكهربائية فيه قد نفدت، فوصلته بالكهرباء، ولكن لا فائدة، وذهبت به إلى محل التصليح وصيانة الهواتف النقالة، فقال لي: إن المشكلة في الهاتف نفسه، فسألته: هل بالإمكان إصلاحه ليعود إلى العمل مرة أخرى؟ قال: نعم، بالإمكان ذلك، ولكن هناك مشكلة أخرى، قلت له: وما هي؟ قال: إن المعلومات والأرقام المخزنة فيه قد ذهبت! فسلمت أمري إلى الله تعالى، وطلبت منه إصلاحه على أن أحاول ما وسعتني المحاولة استعادة الأرقام والمعلومات قدر المستطاع.
ومنذ حدوث ذلك ظللت منقطعاً عن العالم الذي كانت إحدى وسائل التواصل به وأهمها هو هاتفي النقال الذي اعتمدت عليه بعد الله تعالى، فلم يكن قادراً على حمل هذه المسؤولية الكبيرة وخاصة أن ذاكرتي لم تعد كما كانت عليه، وحتى لو كانت كذلك، فأنَّى لها أن تحفظ ما يزيد على الألف رقم والكثير من المعلومات؟ وبسبب هذا تعطل التواصل مع إخواني وأصدقائي وأدركت مدى الصعوبة التي يواجهونها وهم يجهلون ما حل بهاتفي النقال، وتذهب بهم الظنون إلى مذاهب كثيرة، فمنهم من يظن أنه قد حل بي مكروه، ومنهم من يعتقد أنني خارج البحرين في رحلة إلى بلد ما- وأنا أقل الناس سفراً وابتعاداً عن الوطن – ومنهم من قد يظن أني منشغل بأمور مهمة أتكاسل بسببها عن الرد على المكالمات وأني أؤجل الرد حتى أفرغ مما أنا فيه فأنسى ذلك، ويتكرر هذا الأمر معي في زحمة انشغالاتي، وربما يكون آخر احتمال يفكرون فيه هو توقف هاتفي عن العمل واختفاء أرقام هواتفهم منه.
عندها أحسست بقيمة التسجيل في الورق، وأن يكون هناك نسخة ورقية لجميع الأرقام والمعلومات التي كانت مخزنة في الهاتف النقال، لأنه رغم الفوائد الجمة التي تحققها لنا الوسائل الحديثة في الحفظ والسرعة التي تتميز بها عن غيرها من الوسائل في استدعاء المعلومة فإن احتمال تعرضها لفيروس يقضي على ما فيها من المعلومات يجعلها غير مأمونة على هذه المعلومات، ولهذا، فإن البنوك والشركات الكبيرة تحتفظ دائماً بنسخة ورقية للبيانات المخزنة في أجهزة الحاسب الآلي تحسباً لأي طارئ قد يطرأ على هذه الأجهزة، ومن هنا ندرك تميز معجزة الإسلام عن باقي معجزات الشرائع التي سبقت شريعة الإسلام حين جعلها الله تعالى كتاباً ينطق بالحق، ويرجع إليه كل من يريد أن يستوثق ليس فقط عن أمر من أمور الشريعة الإسلامية، بل وحتى الشرائع الأخرى، وأخبار من سبق من الأمم وما حصل لهم مع أنبيائهم (صلوات الله عليهم جميعاً).
نعم، إن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة، والنبأ العظيم الذي أنزله الله تعالى على خاتم رسله محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو كتاب «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» فصلت/43.

هذا الكتاب الذي بين أيدي المسلمين اليوم هو ذات الكتاب الذي أنزل على نبي الإسلام العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم)، إنه القرآن الذي جمع كل هدايات الله سبحانه، وضم كل أخبار النبيين (صلوات الله تعالى وسلامه عليهم) وما دار بينهم وبين أقوامهم.
إنه الكتاب الذي أنار الله تعالى به أبصار وبصائر من آمن به وصدَّق بموعوده ووعيده، فاستقام أتباعه على صراط الله المستقيم، وهو كتاب تعهد الله تعالى بحفظه، ويسَّر الرجوع إليه والاستفادة منه، قال سبحانه وتعالى عن حفظه: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر/9، وقال سبحانه وتعالى عن تيسيره: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» القمر/17، وهو الوسيلة المثلى لتثبيت قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في جهاده لإبلاغ الدعوة إلى الناس والصبر على ما يواجهه من لدد الخصومة مع قومه.
وكما أن الكتاب خير وسيلة للتعلم والتعليم في الدنيا: «اقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)» العلق، فإنه كذلك إحدى الوسائل المعتبرة في المراقبة والمحاسبة في يوم القيامة
«اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» الإسراء/14.
إذن، فلا غنى لنا عن التسجيل والتقييد في الورق مهما تقدمت وسائل التسجيل والحفظ ما دمنا لا نستطيع أن نضمن سلامة هذه الوسائل الحديثة ودوام استمرارها، ويبقى بعد ذلك أنه من النافع والمفيد أن يصاحب الذاكرة الإلكترونية ذاكرة ورقية نرجع إليها حين تتعطل الوسائل الحديثة للحفظ أو يطرأ عليها طارئ، فالحمد لله تعالى على نعمه الجليلة وأن جعل معجزة خاتم رسله محمد (صلى الله عليه وسلم) كتابا، وهو القرآن العظيم.

المعيار

Posted: فبراير 19, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٦ يناير ٢٠١٥

للإسلام معياره الخاص في محاسبة العباد يوم القيامة، ومعياره يقوم على أساس الحسنات التي هي المعيار الوحيد الذي توزن به أعمال العباد، فإذا غلبت كفة الحسنات في ميزان العبد كان من أهل الجنة، يتنعم بنعيمها الخالد، وإن خفت كفة الحسنات، وهذا يعني أن كفة السيئات هي الراجحة، فإن العبد سوف يكون من أهل النار خالداً فيها إن كان كافراً، أما إن كان مسلماً عاصياً، فإنه سوف يمكث في النار بقدر معصيته إلا أن يغفر له مولاه سبحانه وتعالى، ويعفيه من العقوبة، إذا كان له من أعمال البر ما يشفع له عند خالقه سبحانه.
لقد جاء النص على هذا المعيار في سورة القارعة في قوله تعالى: { فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هية (10) نار حامية (11)}.
فالمعيار إذاً الذي اعتمده الحق تبارك وتعالى لمحاسبة عباده هو الحسنات، فإذا ثقلت فاز العبد ونجا، وإذا خفت أخفق العبد ووقع في شر أعماله.
لهذا فعلى المسلم أن يحرص أشد الحرص على الإكثار من الحسنات عن طريق الاجتهاد في العبادة، والزيادة من جنس ما فرضه الله تعالى عليه ليكون رصيده عامراً بالنوافل ليجبر بها ما انتقص من الفرائض في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وسائر العبادات المفروضة عليه، ذلك لأننا نؤدي العبادة ونحن لسنا متيقنين من القدر المقبول منها عند الله تعالى، فتقوم النوافل بتعويض ذلك الخلل، وتسد ذلك النقص، والموازين عند الله تعالى هي أقسط الموازين، وأعدلها، وهي لا ترقى إليها موازين الدنيا التي تشوبها الكثير من المحاباة، والغش والتدليس.
والعجيب في سورة القارعة التي تعرضت لذكر الموازين هو في قوله تعالى: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5)}.
هذه المقابلة بين تحول الناس إلى فراش مبثوث، والجبال إلى عهن منفوش والحسنات الباقيات في سجل العبد وسيئاته التي لن يستطيع أن يتخلص منها إلا بعمل صالح متقبل تجعل العبد على ثقة بموعود الله تعالى، وإذا كانت الجبال الرواسي سوف تصبح أثراً بعد عين، فإن الدنيا بما فيها سوف يكون مصيرها كمصير الجبال، ولا يبقى في سجل العبد إلا الحسنات والسيئات، والفائز من الناس من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته، والمحظوظ من العباد من ترك خلفه عملاً صالحاً يظل أثره باقياً يرفد كفة حسناته ويقلل من سيئاته، وبإمكان العبد الصالح أن يفتح له في المصرف الإلهي حساباً استثمارياً يعود عليه وعلى ذريته من بعده بالخير الكثير، جاءت الإشارة إلى ذلك في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم، وأخرجه برقم (1631).