Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

شهيد الشهود

Posted: أبريل 14, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٠ أبريل ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

بعث الله تعالى كل نبي إلى قومه خاصة ليبلغهم رسالة ربهم، ويكون كل رسول شاهداً على قومه، فلما بعث الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وسلم) جعله رسولاً إلى الناس كافة ليبلغهم ما انتهت إليه رسالات السماء، ويصحح لهم ما اعوج من سلوكهم، وينقي عقائدهم مما علق بها من شوائب الشرك، وبمقتضى هذه العالمية للدعوة الإسلامية، ومسؤولية رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) عن هداية الناس جميعاً صار بمقتضى ذلك شهيداً على الناس جميعاً، يقول تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين} النحل/89.
ويؤكد الحق سبحانه وتعالى هذه القضية، ويعزز هذه المكانة التي سما إليها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين إخوانه من الأنبياء والمرسلين، فيقول جل جلاله في سورة النساء:{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} الآية 41.
كل نبي أو رسول يشهد على قومه خاصة لأنه أرسل إليهم دون غيرهم، فهو الذي عايشهم، وخبر إقبالهم أو إدبارهم عن دعوة الحق، وهو الذي سوف يُسأل يوم القيامة عنهم، أما محمد (صلى الله عليه وسلم) فهو الشهيد على هؤلاء، وأمته شهيدة على الأمم جميعها، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية، وتمام النعمة على الرسول(صلى الله عليه وسلم)، وعلى أمته.
ومعلوم أن رسول الإسلام(صلى الله عليه وسلم) اختصه الله تعالى بمكانة لم يُختص بها رسول قبله، فجعله خاتم أنبيائه ورسله، فقال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} الأحزاب/40.
واختاره الله تعالى من بين الأنبياء والرسل جميعاً ليكون صاحب الشريعة الكاملة، وصاحب الشفاعة العظمى، فقال سبحانه:{.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً..} المائدة/3.
ولقد كرّم الله تعالى الأمة الإسلامية لمكانة نبيه محمد(صلى الله عليه وسلم) عنده سبحانه، فجعلها شهيدة على الأمم، فقال سبحانه:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..} البقرة/143.
لقد جعل الله تعالى من كرامة الأمة الإسلامية أن لا يشهد عليها غير رسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم) وبذلك حازت أمة الإسلام الفضائل جميعها، من خاتمية في الرسول، وخاتمية في الرسالة، وخاتمية في المعجزة، وهي صاحبة المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء(صلوات الله تعالى وسلامه عليهم).
ولقد وهبها الله تعالى علماً لدُّنِّياً بأخبار الأولين من الأنبياء والمرسلين وما جرى بينهم وبين أقوامهم حول دعوة الحق التي بُعِثُوا بها، وبمقتضى هذا العلم اللدني صارت الأمة الإسلامية مؤهلة للشهادة على الناس يوم القيامة، جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ {ويكون الرسول عليكم شهيداً}، فذلك قوله جل ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}، والوسط العدل (رواه البخاري).
وقبول الحق سبحانه وتعالى لشهادة الأمة الإسلامية على الناس شهادة منه سبحانه على مكانتها التي بوأها إياها، حيث أخرجها للناس للقيام بأعباء البلاغ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي ورث رسالات الأنبياء جميعاً، ولأن الأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تملك شريعة كاملة عامة، وبالتالي لديها الأجوبة الشافية عن الأسئلة الحائرة التي يطرحها المسلمون وغير المسلمين، وأن هذه الشريعة تقوم على الثوابت والمتغيرات، أي لديها من المرونة ما يعزز سيادتها على جميع الشرائع، فمن ناحية الأصول فهي شريعة ثابتة وذلك من خلال الآيات المحكمات، ومن ناحية المتغيرات، فهي شريعة مرنة من خلال الآيات المتشابهة التي يختلف في تفسيرها وفهمها العلماء اختلاف تنوع وثراء لا اختلاف تعاند وتضاد، كما حوت هذه الشريعة وسائل الوقاية ووسائل العلاج، نجد ذلك في العديد من آيات القرآن الكريم وسوره ولا مجال هنا للاستفاضة فيها، ومن أراد نماذج منها فعليه أن يرجع إليها في مظانها.
إذن، فكل نبي شهيد على قومه، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) شهيد على أقوام الأنبياء جميعاً، وهذا من دلائل عالمية الإسلام وعالمية الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما هو أيضاً من أدلة عالمية الأمة الإسلامية.

تاريخ النشر :٣ أبريل ٢٠١٥

ضمن منظومة الجهاد التي دعا إليها الإسلام، وحض أتباعه على أن يهتموا بها، ويؤسسوا حياتهم وفق منهاجها رعاية الوالدين، والاهتمام العظيم بحقوقهما، والإحسان إليهما وخاصة حين يبلغ أحدهما أو كلاهما الكبر، قال تعالى:{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما(23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا(24)} الإسراء.
ومن القراءة الأولى لهاتين الآيتين الجليلتين ندرك أن المقصود هنا هما الوالدان المسلمان، ولكن في حالة كفر هذين الوالدين، بل ومحاولتها الدائبة لصرف ولدهما عن الإسلام، فهل يستجيب لهما على اعتبار أن طاعة الوالدين واجبة عليه أم يعصيهما لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؟
في هذه الحالة فإن هذا الابن يكسب رضا الله تعالى ومثوبته، وأنه لا يأثم وإن عصى والديه، ولقد قدم لنا القرآن الكريم مثالاً على ذلك فقصة نبي الله إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) مع والده حين دعاه إلى الإسلام فأبى، وكان يصنع الأصنام لقومه، فوعده خليل الرحمن إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) بأنه سوف يستغفر له ربه، قال تعالى:{وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأوّاه حليم} التوبة/114.
أما أمة الإسلام، فمن رحمة الله تعالى بها، ومن تكريمه لها أنه سبحانه لم يأمرها بالتبرؤ من آبائهم وأمهاتهم وإن حاولوا إخراجهم من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، قال تعالى:{وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} لقمان/15.
لقد رفع الله تعالى من مكانة الوالدين حين قرنهما بتوحيده سبحانه كما سبق أن بينا في الآية (23) من سورة الإسراء، ثم قرن شكرهما بشكره جل جلاله، فقال سبحانه:{ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير} لقمان/14.
كما رفع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكانة البر بهما، والإحسان إليهما، فجعله جهاداً في سبيل الله تعالى متقبلاً ومثاباً عليه، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص(رضي الله عنهما) قال: «أقبل رجل على نبي الله(صلى الله عليه وسلم)، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: أتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5972)، ومسلم برقم(2549).
وعنه رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3004)، ومسلم برقم (2549).
إذن، فمن الممكن أن نسمي هذا الجهاد بالجهاد الاجتماعي لتكتمل منظومة الجهاد، من جهاد في ساحات الوغى ضد أعداء الإسلام الذين يريدون الشر ببلاد المسلمين، وجهاد في ساحات العلم والنبوغ العلمي حيث تتولى طائفة من المؤمنين ندبت نفسها للتعلم والتعليم، وتقوم بمهمة توعية قومها وتحذيرهم مما يعوق حراكهم نحو النهوض بالأمة والوصول إلى المكانة التي تستحقها وتعمل من أجلها، وجهاد اجتماعي يرعى حقوق الوالدين أولاً، ثم حقوق الآخرين ثانيا من الأقارب وحتى الأباعد من الجيران ومن لف لفهم، وكل ذلك متفرع عن الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، العدو الخفي الذي يوسوس للإنسان، فيأمره بالمعصية وينهاه عن الطاعة، ولا بد للمسلم من مجاهدة نفسه الأمَّارة بالسوء ونفسه الفاجرة والانتصار عليهما حتى يستطيع أن ينتصر في ساحات الجهاد الأخرى وبكفاءة عالية.
إذن، فالجهاد الاجتماعي ميدانه واسع، ومجالاته أرحب تشمل حركة الإنسان صعوداً في علاقته بربه سبحانه وتعالى، ونزولاً في كل تعاملاته مع الناس الأقارب والأباعد، ومن هم من أهله وخاصته، ومن هم ليسوا كذلك، فكل ذلك يدخل في باب الجهاد، وكله في سبيل الله تعالى ويثاب عليه المسلم، وهو من القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه سبحانه وتعالى، وصدق الله العظيم:{ لقد خلقنا الإنسان في كبد} البلد/4.

الجهاد العلمي

Posted: أبريل 8, 2015 in خواطر الجمعة

الجهاد في الإسلام أنواع كثيرة منه: جهاد الأعداء في ساحات القتال، ومنه جهاد النفس والهوى والشيطان، وحملها على ما تكره، ومنه الجهاد العلمي الذي يرقى بالأفراد والجماعات، وينهض بالأمة إلى ما تصبو إليه من مكانة بين الأمم، ومنه الجهاد الاجتماعي، وخاصة رعاية الوالدين، وحفظ حقوقهما، كل ذلك يدخل في باب الجهاد، وله من الأجر عند الله تعالى ما لجهاد الأعداء الذي يظنه بعض الناس أنه جهاد أكبر ولكنه في حقيقته جهاد أصغر إذا ما قيس بجهاد النفس ذلك لأن زمانه محدود بوقت المواجهة مع الأعداء، ومكانه محدود بأرض المعركة، وما ينجم عنه من نصر أو هزيمة سريع أيضاً وحاسم.
أما جهاد النفس والهوى والشيطان، فزمانه غير محدود يبدأ من بلوغ الإنسان سن التكليف وينتهي بموته، ومكانه أيضاً غير محدود في البيت، والعمل، وفي الشارع، وسواء كان الإنسان منفرداً مع نفسه يجاهد وساوسه ورغباته غير الجائزة شرعاً، وحتى حين تكون الرغبات جائزة شرعاً إلا أنها تفوق إمكاناته، فهو في صراع دائم معها لأنها قد تحمله على ارتكاب ما نهاه الله تعالى عنه من سرقة وغش ورشوة، وتتحكم فيه القاعدة السيئة الذكر التي طالما عمل بمقتضاها العاجزون عن بلوغ ما يشتهون، هذه القاعدة هي: «الغاية تبرر الوسيلة». وسوف نحاول أن نتناول في خاطرة اليوم موضوع «الجهاد العلمي» الذي لا يقل أهمية عن الجهاد العسكري، حيث إن الأمة كما هي في حاجة إلى الجهاد بالسيف لحماية حدودها، والدفاع عن بيضة الإسلام، والمحافظة على مكتسباتها وإنجازاتها التي حققها الأجداد والآباء على مرَّ العصور، فهي أيضاً محتاجة وبنفس القدر وإن لم يكن أكبر إلى الجهاد العلمي الذي يرفع من شأن الأمة، ويوسع لها مكاناً بين الأمم، وهذا الجهاد الذي يحقق للأمة كل هذه الغايات جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى: «وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» التوبة/122.
إذن، فلتلقي العلم والتفقه فيه دور مهم جداً، وهو أن يقوم أهل العلم بمهمة تحتاجها الأمة في حاضرها ومستقبلها، وهو التحذير من أن تركن الأمة إلى الظالمين، سواء كان هؤلاء الظالمون من بني جلدتهم من الذين يتكلمون بلسانهم، ويحملون بعضاً من سماتهم، أم كانوا من أعدائهم الذين أعطتهم بعض الأنظمة ولاءها على حساب مصلحة شعوبها، ولم توالِ هذه الأنظمة المؤمنين الذين يتحدون معها في عبادة إله واحد لا شريك له سبحانه، ويؤمنون برسول خاتم هو محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي ختم الله تعالى به موكب الأنبياء والرسل الكرام (عليهم صلوات الله وسلامه)، ويخضعون لشريعة واحدة هي التي جاء بها القرآن الكريم، وفصّلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعل الله تعالى لهذه الشريعة من صفات الكمال والخلود ما لم يجعله لغيرها، فقال سبحانه عن كمالها: «.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً..» المائدة/3.
وقال عن خلودها: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر/9.
ومعلوم أن الذكر الذي هو اسم من أسماء القرآن قد حوى في نصوصه المباركة شريعة الإسلام الخالدة، قال تعالى: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكنْ ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» المائدة/48.
وكما حفظ الله تعالى كتابه المعجز عن الزوال، حفظه كذلك عن التحريف والتغيير، فقال سبحانه وتعالى: «.. وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)» فصّلت.
إذن، فدور هذه الفرقة أو الطائفة خطير لأنها هي التي ندبت نفسها لهذه المهمة الجليلة، وهي مهمة لا تقل في أهميتها وفي خطورتها عن ملاقاة العدو في ساحات القتال، وكف خطرهم عن دولة الإسلام، وإزالة الطواغيت عن طريق الدعوة، وكان شعار خلفاء الإسلام وقواده: «خلُّوا بيننا وبين الناس».
هذه الطائفة تقوم بمهمة لا يقوم بها غيرها، وتسد ثغرة في الجدار الإسلامي، وهي حريصة ألا يؤتى الإسلام من قبلها، فهي إذن تقوم بمهمة دفاعية قد لا تستخدم في حربها السيف والحربة والسهام، ولكنها تحمل في يدها سيف العلم، وحربة الدين، وسهام الإخلاص.
والعلم الذي تندب هذه الطائفة نفسها له هو العلم النافع، وهي العلوم التي تحقق للأمة المجد والقوة والتفوق في المجالات العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، والاجتماعية، وفي مقدمة هذه العلوم علوم الشريعة التي تنظم حياة المسلمين في كل مجال من مجالات الحياة الدنيا وتعدّهم للحياة الآخرة، وهي حياة الخلود.
إن القارئ للقرآن، المتدبر لآياته وسوره يجد فيه عناية بالدنيا وبمتطلباتها، وهو أيضاً لا يغفل أمر الآخرة، ويحذر من التقصير في الاستعداد لها.
ولهذا، فعلى الأمة التي تطمح في أن تحتل المكانة التي تتمناها، وتسعى إلى الوصول إليها أن تهتم بالعلم حتى في أوقات الشدة والحروب، وأن تشجع فرقة من كل طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لتسير الأمة وهي تحمل في إحدى يديها السيف، وفي اليد الأخرى القلم، فبالسيف والقلم تقوى الأمم وتحقق ما تصبو إليه من مجد وقوة وريادة.

تعدد المخارج

Posted: أبريل 8, 2015 in خواطر الجمعة

يقول تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً* ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} الطلاق/2-3.
هاتان الآيتان الجليلتان تفتحان أبواب الأمل مشرعة أمام الإنسان، وتسكب على قلبه أقداراً من الطمأنينة، فلا يشعر باليأس، بل يكون متفائلاً دائماً، واثقاً من ربه سبحانه أبداً، وكيف لا يكون كذلك، وقد وعده ربه سبحانه وتعالى بأن يزقه من حيث لا يحتسب، ويأتيه العطاء من كل مكان، لأن الله تعالى قد أخذ العهد على نفسه سبحانه ألا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، فإنه عز وجل يأتيك بالرزق من مصدر أنت لا تحتسب أن يأتيك الرزق منه، لأنه جل جلاله يملك الأسباب كلها، فلا يستعصي سبب عليه، فهو يرزق العباد من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون، وهذا من تمام ضمان الرزق لك أيها العبد الضعيف.
ومن يتق الله تعالى يجعل له مخرجاً، وليس هو مخرج وحد، بل هي مخارج على عدد ما يواجهك أيها العبد الضعيف من مصائب، وهي مخارج تستجيب لحاجاتك كلها، فلا تتأبى حاجة على الله تعالى من دون حاجة، فمن كان مريضاً جعل الله تعالى له مخرجاً إلى الصحة من خلال اسمه الشافي، ومن كان فقيراً جعل الله تعالى له مخرجا إلى الغنى أو الاستغناء من خلال اسمه الغني ذي القوة المتين، وهناك فرق بين الغنى الذي هو أن يزيد دخلك على حاجتك، والاستغناء، الذي هوأن تستغني بالقليل عن الناس.
ومن كان مظلوماً، مهضوم الحقوق جعل الله تعالى له طريقاً أو مخرجاً إلى رد الظلم عنه، وإلى استعادة حقوقه من خلال اسمه سبحانه القهَّار.. وهكذا.
إذاً، فالمخارج أمام العبد كثيرة بعدد أسمائه سبحانه الحسنى، وصفاته العلا، فلكل اسم أو صفة المخرج الذي يناسبها.
والحق سبحانه وتعالى يقرر حقيقة لا يمكن أن يتطرق الشك إليها، وهي أنه سبحانه هو الذي خلق الأسباب، وجعلها فاعلة في حياة الناس، وهو سبحانه القادر إذا شاء أن يعطلها، ويسلب منها هذه الفاعلية، كما فعل سبحانه بالنار حين عطل فيها قانون الإحراق، وذلك من أجل نجاة نبيه إبراهيم(عليه الصلاة والسلام)، فقال لها:{قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} الأنبياء/69.
وكما عطل قانون السيولة والاستطراق في الماء مع نبيه موسى(عليه الصلاة والسلام) حين قال لنبيه موسى:
{..فاضرب لهم طريقاً في البحر يبسا لا تخاف دركاً ولا تخشى} طه/77.
إذاً، فالله تعالى يبين لنا في كتابه المعجز (القرآن الكريم) بعض آياته المعجزات في الدفاع عن أنبيائه ورسله الكرام، وذلك بخرق النواميس لهم، وبتعطيل قوانين الأسباب، ولهذا، فعندما يقول الحق سبحانه وتعالى لمن يتقيه من المؤمنين أنه سبحانه سوف يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ومن طريق لا يخطر لهم على بال، فإنه سبحانه قد أنجز وعده لعباده الصالحين، فنجَّى إبراهيم من حيث لا يحتسب النجاة، ونجى موسى وقومه من حيث لا يحتسبون النجاة، ووعده سبحانه للمؤمنين قائم، كما أن وعيده للكافرين لن يتغير ولن يتبدل.
وهذا الوعد والوعيد ليسا مقصورين على الأمم السابقة، وأنه لن يتكرر مرة ثانية، نقول لمن يتوهم هذا الوهم اقرأوا قوله تعالى:{ألم تر كيف فعل ربك بعاد(6) إرم ذات العماد(7) التي لم يُخلق مثلها في البلاد(8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد(9) وفرعون ذي الأوتاد(10) الذين طغوا في البلاد(11) فأكثروا فيها الفساد(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب(13) إن ربك لبالمرصاد(14)} الفجر.
وقوله تعالى:{ إن ربك لبالمرصاد} يجعل المؤمن على ثقة من وعده سبحانه للمؤمنين ووعيده للكافرين الظالمين.
لقد نصر الله تعالى الإسلام من حيث لا يحتسب أهله حين جعل الله تعالى نصره على يد الرئيس الأمريكي بوش حين حاول تشويه صورة الإسلام باتهامه أنه وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكان يمني نفسه بأن من دخل في الإسلام من الأمريكيين قبل الأحداث سوف يخرجون منه بعد الأحداث، فإذا النتيجة بعكس ما تمنى، وإذا بالناس يدخلون في الإسلام بعد الأحداث بأعداد تفوق من دخلوا فيه قبل الأحداث، وذلك بعد أن ازدادوا معرفة بالإسلام، وادراكاً لحقيقة قيمه ومبادئه السامية. لقد كان الرئيس الأمريكي بوش السبب في دخول الناس في الإسلام أفواجاً كما وعد الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم).
ولأن الله تعالى يرزق المتقين من حيث لا يحتسبون، فإنه سبحانه نصر الإسلام من حيث لا يحتسب المسلمون، وصدق الله العظيم:{..لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم..} النور/11.
وهكذا تتعدد المخارج لمن يتقي الله تعالى، ويوثق صلته بمولاه سبحانه، ولا يستعين إلا به جل جلاله، وليعلم المسلمون أن العزة لله جميعاً، وأن الله تعالى قد أعزنا بالإسلام، ولو طلبنا العزة في غيره لم يزدنا الله إلا ذلاً وصغاراً.

لا يطلق على الروح وحدها نفس، كما لا يطلق على الجسد وحده نفس، وإنما تطلق النفس على مجموع الروح والجسد، والنفس الإنسانية على هذا الوصف لها حالات ثمان ذكرها القرآن الكريم في العديد من آياته وسوره، وهذه الحالات هي: النفس الأمَّارة بالسوء، والنفس الفاجرة، والنفس اللوَّامة، والنفس التقية، والنفس الزكية، والنفس الراضية، والنفس المرضية، والنفس المطمئنة.
ومهمة الإنسان مع نفسه هي أن يترقى بها من حالة إلى حالة حتى يبلغ حالة النفس المطمئنة التي جمعت خصال الخير كله.
وسوف نذكر المواضع التي جاءت فيها هذه الأحوال، ثم بعد ذلك سنتطرق إلى الحديث عن التوازن النفسي وكيف نحققه حتى يعيش الإنسان سعيداً في الدنيا، وينجو في الآخرة.
يقول تعالى: «وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم» (يوسف/53).
أما النفس الفاجرة، فقد جاء ذكرها مع النفس التقية، والنفس الزكية في قوله تعالى: «ونفس وما سواها(7) فألهمها فجورها وتقواها(8) قد أفلح من زكاها(9) وقد خاب من دساها(10)» الشمس.
ويأتي ذكر النفس المطمئنة، والنفس الراضية، والنفس المرضية في سورة الفجر في قوله تعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة(27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية(28) فادخلي في عبادي(29) وادخلي جنتي(30)».
أما النفس اللوَّامة، فقد جاءت في قوله تعالى: «لا أقسم بيوم القيامة(1) ولا أقسم بالنفس اللوَّامة(2)» القيامة. هذه هي مجمل الأحوال التي تنتقل فيها النفس من حال إلى حال، والمؤمن مثاب على تغليب حالة الخير على نوازع الشر في نفسه.
ولقد اعتنى الإسلام عناية فائقة بالنفس في جميع أحوالها، وجعل لها من وسائل الوقاية والعلاج ما يحافظ عليها ويدفع عنها السيئ من أحوالها، كما جعل التوازن النفسي في يد الإنسان، ووفق إرادته وذلك حين يستعين المؤمن بأحوال النفس الخيَّرة على تحقيق ذلك التوازن، فيصل المؤمن إلى حالة النفس المطمئنة التي ترضى بأقدار الله تعالى عليه، ويرضيها الحق سبحانه بالجزاء والمثوبة، ويكون ذلك الفوز العظيم الذي ليس له جزاء إلا الجنة، وهي أغلى أمنية يرنو إليها المؤمن، ويعمل من أجلها.
وحين يجاهد المؤمن نفسه الأمَّارة بالسوء، ونفسه الفاجرة، فعليه أن يصطحب معه عدة القتال، وما توفر لديه من أسلحة، وهذه الأسلحة هي أحوال نفسه الخيِّرة، ومنها: نفسه التقية التي تخشى الله تعالى، وتتجنب مواطن غضبه سبحانه، والنفس الزكية، التي طهرها صاحبها من كل دنس، والنفس اللوَّامة التي لا تهدأ، وهي تؤنبه على فعل المعاصي، وهجر الطاعات، وأقوى سلاح يستعين به المؤمن في جهاده هي نفسه المطمئنة، الراضية المرضية، التي تجاوزت مرتبة الإيمان إلى مرتبة اليقين الذي لا يخالطه شك، وأكسبت المؤمن التوازن النفسي الذي يجعل انفعالات المؤمن محكومة بحدود الله تعالى، فيقف عند حدودها في المأمورات، ولا يقترب منها في المنهيات، فمثلاً حين أباح الحق سبحانه وتعالى الطلاق كحل أخير عندما لا تجدي الحلول الأخرى من: هجر في المضاجع، وضرب غير مبرح، وإرسال حكماً من أهلها وحكماً من أهله، فيكون الحل الأخير هو الطلاق، عندها قال تعالى: «.. تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون» (البقرة/229).
أما حين نهى الحق تبارك وتعالى عن الاقتراب من الزوجات أثناء الصيام لأن في الاقتراب منهن مظنة الوقوع في الحرام قال سبحانه: «.. تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون» (البقرة/187).
ذلكم هو التوازن النفسي الذي ينشده المؤمن في حياته ويسعى إليه بكل وسيلة ممكنة، وبه تتحول حياته من القلق، والحيرة، والانفعالات غير المحسوبة إلى الاطمئنان والأمان، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي كثرت فيه الأمراض النفسية، واحتاج فيه الإنسان إلى من يهدئ من روعه، ويطمئنه على مستقبل حياته.

شمس المعرفة

Posted: أبريل 8, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٦ مارس ٢٠١٥

تحدثت سورة الشمس كثيراً عن العديد من المعارف والعلوم، فهي تحدثت عن علوم الفلك في قوله تعالى:
{والشمس وضحاها(1) والقمر إذا تلاها(2)}، ثم تحدثت عن علوم الزمان وذلك في قوله تعالى:{ والنهار إذا جلَّاها(3) والليل إذا يغشاها(4)}، ثم رجعت إلى علوم الفلك، فقال سبحانه وتعالى:{ والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها(6)}، ثم تحدثت عن علوم النفس، فقال سبحانه:{ ونفس وما سواها(7) فألهمها فجورها وتقواها(8) قد أفلح من زكاها(9) وقد خاب من دساها(10)}.
والنفس في القرآن نفس واحدة إلا أن أحوالها متعددة، فهناك النفس الأمَّارة بالسوء، كما في قوله تعالى:{ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} يوسف/53.
وهناك النفس الفاجرة، والنفس التقية، والنفس الزكية كما في قوله تعالى:{ ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها} الشمس/ 7-10.
أما النفس في حالة اللوم والتقريع، فقد جاءت في قوله تعالى:{ لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوَّامة} القيامة/1،2.
وأما أعلى مقامات وأحوال النفس، فحين تبلغ درجة الاطمئنان، وذلك في قوله تعالى:{ يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي}الفجر/27-30.
ومهمة العبد التي سوف يحاسب عليها هي أن ينتصر لأحوال الخير والصلاح في نفسه، وأن يستعين بالله تعالى، وبما فطره عليه من أحوال النفس الخِّيرة على نوازع الشر، فيستعين مثلاً بالنفس اللوامة على النفس الأمَّارة بالسوء، ويحسم الصراع لصالح الخير، خاصة أن كيد الشيطان الذي تستعين به النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة كان- ولم- يزل ضعيفا، وأن ما يجد الإنسان من أحوال نفسه الأخرى الخيِّرة ما يعينه على الخير، وأن عليه حين تتطلع نفسه إلى المعصية أن يسارع الخطى إلى تفعيل نفسه اللوَّامة وإمدادها بما تحتاجه من عون، فإذا بلغت النفس أصفى حالاتها، وأكثرها اطمئناناً، فصارت نفساً مطمئنة، فقد نجت من وساوس الشيطان، ووساوس النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة.
وبعد أن ذكرت سورة الشمس أهم حالات النفس وصراعها الدائم بين الخير والشر عرجت السورة على ذكر شيء عن التاريخ عندما تحدثت عن بعض الأمم السابقة التي أنزل الله تعالى بها أشد العذاب، قال سبحانه:{ كذبت ثمود بطغواها(11) إذ انبعث أشقاها(12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها(14) ولا يخاف عقباها(15)}.
هذه سورة واحدة من سور القرآن الكريم أشارت مجرد إشارات، ولكنها موحية وذات دلالات علمية لتنبه الغافلين، وتضع في يد العلماء وذوي الاختصاص مفاتيح علمية من الممكن أن يبدأوا بها، وأن يتخذوا من التدبر فيها ما يفتح لهم آفاقاً رحبة من القدرة على الاكتشاف أو الاختراع، كما هو حال بعض السور التي تشير إلى إمكانات التطور والإبداع في مجالات المواصلات مثلاً، وذلك في قوله تعالى:{ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} النحل/8.
لقد دس الحق تبارك وتعالى في عبارة «ويخلق ما لا تعلمون» إمكانية تطوير وسائل النقل والمواصلات، وابتكا ر الجديد منها.
هذا شيء يسير من عطاء القرآن الكريم تضمنته سورة الشمس، وفي سور القرآن الكثيرة المزيد من مثل هذه الإشارات العلمية الموحية، لهذا نؤكد على أهمية قراءة القرآن الكريم قراءة متخصصة من أصحاب التخصصات العلمية ليستخرجوا منه بعضاً من مكنوناته، ويكشفوا عن ألوان الإعجاز الذي تزخر به سوره وآياته الكريمات.

تاريخ النشر :٢٧ فبراير ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

جاء في سورة العنكبوت قوله تعالى:{أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} الآية 45.
والتساؤل الذي نطرحه، ونحاول الإجابة عنه هو: لماذا جاء فعل (تنهى) بدلا من الفعل (تمنع) مع أن الفعل يمنع له من القوة والفاعلية ما ليس للفعل ينهى؟
هذا الكلام قد يبدو في ظاهره أن له شيئاً من الوجاهة، ويكون فيه عذراً للمقصرين في جني ثمرة الصلاة من استقامة في السلوك مع الناس، واطمئنان في القلب، وراحة في النفس، وعند التدقيق نكتشف هزال هذا المنطق، وضعفه، ونقول: هناك قوتان تتجاذبان الإنسان، وكل واحدة منهما تشده إلى جانبها، فأي واحدة منهما تنتصر يكون الإنسان من أصحابها، وهاتان القوتان هما: القوة المادية، والتي يمثلها الفعل (يمنع)، وهي قوة الإرغام والإلزام، والقوة الروحية، التي يمثلها العقل، وهي قوة الحجة والبرهان، والإنسان يراوح بينهما صعوداً وهبوطاً، ونهضة وسقوطاً، وهذه الأحوال كما تصدق على الأفراد تصدق على الأمم والجماعات، وربما هذا هو أحد أسباب ضعف الأمة الإسلامية، وتداعي الأمم عليها.
ونحاول هنا أن نبين السبب وراء مجيء الفعل (تنهى) بدلا من الفعل (تمنع)، فنقول وبالله التوفيق: إن الفعل (تمنع) يحتاج إلى قوة مادية يخضع لها العبد فلا فضل له في الطاعة التي يؤديها، والحق سبحانه وتعالى لا يريد عبادًا مجبرين على طاعته، بل يريدهم مختارين ليكون دافعهم إلى عبادته والتقرب إليه هو الحب لا الإجبار، والرغبة لا الرهبة، وألا يكون دوام الإقبال عليه مرهونا باستمرار القوة المادية التي تقهرهم على ذلك، ومتى ما انتفت هذه القوة، أو ضعف تأثيرها توقفت الطاعة أو تكاسل العبد عن أدائها، أما الإقبال عليه سبحانه وتعالى بقوة العقل والبرهان، فأثرها دائم، والإقبال عليها عند العبد لا ينقطع، لذا جاء التعبير عن أثر الصلاة في سلوك العبد ب(تنهى)، لأن (النُهى) هو العقل، وأولو النُهى هم أصحاب العقول الراشدة، وخاصة عندما يستحضر العبد رقابة مولاه سبحانه وتعالى في قوله تعالى:{.. ولذكر الله أكبر}.
إذن، فالمعول عليه في الطاعة أو المعصية هو العقل، والمعتمد عليه في الإقبال على الله تعالى والإدبار عنه سبحانه هو العقل، عندها يكون الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية مرتبطين بحرية الإرادة التي جاء التعبير عنها، والإشارة إليها صريحة في القرآن الكريم في قوله تعالى:{.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..} الكهف/29.
ولأن التقرب إلى الله تعالى بالعبادات وبغيرها من الطاعات، وفي مقدمتها الصلاة بالحب والاختيار، كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول لبلال (رضي الله عنه):[أرحنا بها يا بلال!!]، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) لا يسأل الراحة في أمر مجبر عليه، بل هو يطلبها في أمر محبب إلى نفسه، ويرغب فيه، بل كان صلوات ربي وسلامه عليه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ليرتاح من ذلك الهمّ، وتطمئن إليه نفسه.
هذه هي الصلاة، وهذا هو أثرها في حياة المسلمين، ومن ثمراتها الشهية استقامة في السلوك، ورقة في المشاعر، واطمئنان في القلوب، لأن فيها ذكر الله تعالى
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} الرعد/28.
فالحمد لله تعالى الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والحمد لله الذي أنعم علينا بالصلاة، وجعلها معراج المؤمن إلى مولاه سبحانه كل يوم خمس مرات، وهي صلة بين العبد ومولاه سبحانه، فمن أراد الدخول على مولاه سبحانه، فعليه بالصلاة التي فيها يتحدث العبد إلى مولاه ويسأله سبحانه من خيري الدنيا والآخرة ما يشاء، فإذا أراد أن يخاطبه مولاه عز وجل، فعليه بقراءة القرآن، فيتحدث الله سبحانه إليه حين يقول له: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً..}، وهكذا كل الآيات التي تبدأ بقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا..}، وإذا كان الإنسان يكاد يطير فرحاً وحبوراً إذا خاطبه الملك أو الرئيس من البشر، فما حاله إذا خاطبه ملك الملوك سبحانه؟ لا شك أن هذا يعزز ثقته في إيمانه ويجعله أكثر ولاءً لدينه ولرسوله (صلى الله عليه وسلم).