Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

علامة الجودة

Posted: أغسطس 1, 2015 in خواطر الجمعة

في عالم السيارات يكون اسم المرسيدس، والبي إم دبليو، والكاديلاك، ورولز رايس، واللكسس، والأُودصصي، هذه الأسماء علامات جودة في عالم السيارات، وقل هذا في عالم الهواتف النقالة، وعالم الطائرات، وعالم الأدب والفن.
من علامات الجودة في عالم السينما مثلاً المخرج مصطفى العقَّاد، والمخرج حاتم علي إذ يكفي أن يوجد اسم أحدهما على أي عمل فني ليكون هذا العمل على درجة كبيرة من الجودة والتميز، والمشاهد يستطيع أن يحكم لهذا المخرج أنه بلغ درجة كبيرة من الجودة في أعماله من مثل: فيلم الرسالة، وعمر المختار، للمخرج مصطفى العقاد، وأما المخرج حاتم علي فإن أعماله مثل مسلسل: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وصقر قريش، وملوك الطوائف، وأيام قرطبة، فإن هذه الأعمال تشهد لمخرجها بدرجة عالية من الجودة، فصار اسمه علامة جودة على أي عمل فني، وكذلك علماء الإسلام كان هذا شأنهم في القديم حيث كان مجرد وضع أسمائهم على أي كتاب تتحقق لهذا الكتاب من الشهرة وذيوع الذكر ما لا يتحقق لغيره من الكتب، وصارت أسماء مثل: الرازي، وابن سينا، والفارابي، والزهراوي، والخوارزمي، والإدريسي، وابن الهيثم، وغيرهم كثير، صارت هذه الأسماء علامات جودة على الإتقان والتميز.
وكنا في الماضي نصف البضاعة المتدنية المستوى بأنها بضاعة يابانية، والبضاعة الرفيعة المستوى بأنها بضاعة لندنية أي مصنوعة في إنجلترا، حتى تقدمت اليابان وصارت تنافس الصناعات الغربية، فصار اسم اليابان علامة جودة على أي منتج ياباني، وها هي مصانع كانون (canon) تصنع العدسات المكبرة العالية الجودة التي تدخل في الصناعات الأمريكية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، وأنتجت مصانع السيارات في اليابان سيارة اللكسس التي تنافس في الجودة السيارات الألمانية والإنجليزية والفرنسية،. وربما تتفوق عليها في هذا المجال.
إن ميدان التنافس مفتوح للجميع، ومضمار السباق ليس حكراً على دولة دون أخرى، ولكل مجتهد نصيب أكبر إذا هو ضاعف جهده، وتوخى الإبداع والإتقان والتميز ليكون في مقدمة المتسابقين.
فاحرص أيها العامل في أي مجال من مجالات الإبداع أن تتخلف عن هذا السباق المحموم، واجعل شعارك دائماً: «إن الله يحب اذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، فالإتقان والتميز والإبداع هو ما يحرص عليه الإسلام ويحض أتباعه عليه، ولهذا فحري بالمسلمين أن يكونوا علامات جودة في مظهرهم وفي مخبرهم، بل وفي كل شأن من شئونهم لمواصلة ما توقف من صعودهم إلى القمة كما كان شأن أجدادهم في الماضي، وليعلموا أن أمتهم هي الأمة المؤهلة من دون باقي الأمم لاستعادة مجدها الحضاري بوعد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لها حين تحدث عن خلافة راشدة على منهاج النبوة، وبما حباها الله تعالى من إمكانات لم تتوافر لغيرها من الأمم.

فاء الاستجابة!

Posted: يوليو 24, 2015 in خواطر الجمعة

معلوم أن «الفاء» من حروف العطف، وهي بالإضافة إلى أنها تفيد العطف كبقية حروف العطف، فإنها تمتاز عنها بأنها تفيد التعقيب والترتيب، أي العطف بلا مهلة من الزمن، أو تراخٍ مثل: دخل المعلم فالطالب، «الفاء» هنا أفادت أن دخول الطالب جاء مباشرة بعد دخول المعلم وبلا مهلة. (وكيبيديا).
لقد كنت استمع إلى قراءة للقرآن من إذاعة القرآن الكريم وكان القارئ يقرأ سورة الأنبياء، ولاحظت أن كل نبي كان يدعو الله تعالى كانت الإجابة على دعائه تأتي مقرونة بالفاء، وكما سبق أن قلنا: إن الفاء تمتاز عن غيرها من حروف العطف بأنها تفيد التعقيب والترتيب بلا مهلة، وكأن استجابة الحق سبحانه وتعالى لعباده المضطرين لا يصلح لها من حروف العطف إلا حرف «الفاء»، لأن بقية حروف العطف مثل: «الواو، ثم، حتى، أم، أو، بل، لكن».. لا تحقق ما تحققه «الفاء» من سرعة الاستجابة لإغاثة المستغيثين الذين نزل بهم البلاء، وهم في لهفة لرفع هذا البلاء، حتى لو كانوا من أولي العزم من الرسل الكرام (عليهم صلوات الله وسلامه)، فلا يوجد إنسان مهما علا قدره ليس في حاجة إلى معونة الله تعالى ورحمته.
وأول هؤلاء الأنبياء حاجة إلى رحمة الله تعالى ومدده نبي الله نوح (عليه الصلاة والسلام) الذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن به إلا قليل، فرفع أكف الضراعة إلى مولاه مستجيراً به، طالباً منه العون والمدد، قال تعالى: «ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم» الأنبياء/76.
ونوح هذا من أولي العزم من الرسل، بل هو أولهم في الترتيب، حتى أنه يلقب بأبي البشرية الثاني أي بعد آدم (عليه السلام).
لقد قضى نوح (عليه السلام) من عمره ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه ولم ييأس، ولم يستكن، وما ترك سبيلاً من سبل الدعوة، ولا وسيلة من وسائل الإقناع إلا سلكها، ورغم ذلك ما آمن به إلا قليل، ولما ضاق به الأمر توجه إلى الله تعالى بالدعاء، فلم يؤخر الله تعالى إجابة دعائه، وكانت الإجابة بالفاء. أما نبي الله يونس (عليه السلام)، فقد ظل يدعو قومه مائة عام، فلما ضاق بهم ذهب مغاضباً لأنه شعر باليأس من استجابة قومه له، فالتقمه الحوت، ولولا أن تداركته رحمة ربه للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، قال تعالى: «وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)» الأنبياء.
واشتهى نبي الله زكريا (عليه السلام) الولد، ورغم أن أسباب الإنجاب عنده وعند زوجه معطلة، فإنه عندما رأى من أحوال السيدة مريم (عليها السلام) ما شجعه على سؤال مولاه سبحانه أن يهبه الولد، لأنه سبحانه يرزق من يشاء بالأسباب وبدون الأسباب، قال تعالى: «وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين (90)» الأنبياء.
أما نبي الله أيوب (عليه السلام) فلما طال به المرض توجه إلى الله تعالى في أدب وحياء، فقال: «وأيوب إذ نادى ربه أني مسنيَّ الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)» الأنبياء.
لقد طمع نبي الله أيوب في رحمة الله تعالى وحق له ولغيره أن يطمع، فأراد أن تشمله رحمة ربه، وذلك بعد أن بلغ الكتاب أجله، وصار نبي الله أيوب يضرب به المثل على تحمل البلاء في صبر ومصابرة، فاستجاب له ربه، ورفع من قدره، وجعله عنواناً للصبر والرضا.
ويوسف (عليه السلام) قد ناله من الأذى ما ناله أولاً على يد إخوته حين ألقوه في غيابة الجب ليخلو لهم وجه أبيهم، ثم ما صنعته امرأة العزيز فيه حين دبرت له مكيدة اتهمته في شرفه وعفافه، فتوجه إلى مولاه سبحانه يطلب المدد، وأن يصرف عنه كيد النسوة اللائي أردن به سوءاً، قال تعالى: «رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه وآلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن. وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34)» يوسف.
أما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو من هو عند ربه منزلة ومقاماً كريما لما أعد ما استطاع من عدة الحرب في أول غزوة يغزوها صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون في بداية أمرهم قلة في العدد والعدة أخذ يدعو ربه، ويستنصره على عدوه في أول مواجهة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا، وكأن هذه الفئة القليلة التي خرجت في غزوة بدر هي كل خميرة الإيمان، فإن قُضيَ عليها لم يبق من يوحد الله تعالى، فجاء المدد سريعاً ومن دون إبطاء، قال تعالى: «إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين» الأنفال/9.
هذه هي «فاء الاستجابة» جاءت رداً على دعوات الأنبياء وهم في حالة الاضطرار، وهم عباد الله المُخْلَصين لم يرد الحق تبارك وتعالى أن يؤخر استجابته سبحانه لندائهم المضطر الصادر عن قلوب مخلصة، ونفوس مطمئنة إلى رحمة الله تعالى، وليكونوا أسوة للناس في الصبر على البلاء، وفي استجابة الله لنداءاتهم، وكشف البلاء عنهم.

ضمان الجودة

Posted: يونيو 22, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٩ يونيو ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

بعد أن توصل الإنسان إلى العديد من الابتكارات التي تستجيب لحاجاته، وبحسب تطور الإنسان يسعى إلى تطوير ما يبتكره من أدوات، وبعد أن تحقق له ذلك سعى جاهداً إلى تجويد ما أنتجه من صناعات ليستوفي منها أقصى ما يستطيع من عائد، فوضع شروطا للجودة، وأعطى شهادات لمن يحقق ضمان الجودة، وبدأ السباق محموماً بين الصنّاع المهرة، كلّ يريد أن يستأثر بالجود من دون سواه لتكون سلعته هي السلعة المرغوبة لأنها تتمتع بجودة عالية، وإتقان كبير يجعلها أطول عمراً من غيرها، وأكثر كفاءة في أداء وظيفتها التي صنعت من أجلها.
وإذا كانت للسلع المادية شروط في الجودة إذا توافرت كلها أو بعضها استحقت هذه السلعة دون سواها شهادة ضمان الجودة، فماذا عن التكاليف الشرعية التي كلف الله تعالى بها عباده؟ هل لها شروط للجودة أم لا؟
إذا نظرنا إلى أن كل فعل يقوم به الإنسان له مستويات أدنى وأعلى، فهناك من السلع ما هو أقل جودة من غيره، وبالتالي فسعره أقل من السعر الذي تباع به السلعة الأخرى الجيدة، فكذلك فعل الطاعات لها مستويات عدة، والعبد يؤدي العبادة بحسب أحواله التي هو عليها، فمرة يكون منتبها لما يؤدي من أعمال العبادة، فيكون في كامل وعيه وإدراكه فيحقق مستوى أرقى، ويكون القبول لهذه العبادة على قدر المستوى الذي أدى به العبد هذه العبادة، ومرة يكون قلب العبد مشغولاً مهموماً بأمور الدنيا فيكون حظه في الثواب على هذه العبادة بحسب ما فيها من جودة وإخلاص، ولهذا فالعبد حين يصلي أو يصوم أو يحج أو يزكي لا يعلم على وجه اليقين كم من هذه العبادات قبلت منه، وكم منها ردت عليه، لهذا من وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمؤمنين الإكثار من الطاعات النوافل. والنوافل هي عبادات من جنس ما افترضه الله تعالى على العبد إلا أنها لا تدخل في باب الفرض، فالعبد فيها بالخيار إذا أداها أُجر عليها، وكانت له زادًا يوم القيامة ليجبر ما نقص من فرائضه، وإذا تكاسل عن أدائها لم يلحقه الإثم بذلك، فهو بالخيار.
ومع أن العبد لا يستطيع أن يجزم بالقدر الذي قبل من طاعاته، إلا أنه يستطيع وبموجب الإشارات أن يعلم ولو بعض العلم ما إذا كانت طاعاته مقبولة أو ليست مقبولة، وذلك من خلال توفيق الله تعالى للعبد للطاعة، وانشراح صدره لها، والمواظبة عليها، فهذه الإشارات قد تكون دليلا على القبول، ولكنها لا تصلح وحدها دليلاً على مستوى الأداء فيها.
إذن، فكما للسلع المادية شروط لضمان الجودة، فإن للطاعات وللتكاليف الشرعية التي أوجبها الله تعالى علينا، وسنّ لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شروطا لضمان الجودة، فإذا حرص العبد على توافرها في العبادة، أو توافر بعضها، فإنه بذلك يشعر بالقبول وتقوم على ذلك بعض البراهين.

اليوم الأعظم

Posted: يونيو 12, 2015 in خواطر الجمعة

هناك أيام في تاريخ الإسلام، وفي حياة المسلمين تشكل منعطفاً تاريخياً عظيماً، بل قد يكون الأعظم في تاريخهم، ويأتي اليوم الذي استجاب الله تعالى فيه لدعاء الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حين سأله أن يحول قبلته في الصلاة إلى المسجد الحرام بعد أن ساءه ما يتناقله اليهود الذين اتخذوا من توجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين إلى بيت المقدس في صلاتهم دليلاً على اتباعهم لشريعتهم وكان ذلك يؤذيه ويجعله يدعو ويلح في الدعاء من أجل تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام وهو قبلة أبيه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، ولقد سجل الحق تبارك وتعالى حال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه وما كان يعاني منه في قوله تعالى: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون» البقرة/144.كان يوماً عظيماً انتظره رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وانتظره المسلمون طويلاً، وكان فيه الرد الكافي على أقاويل اليهود وما يشيعونه عن المسلمين

من ضياع ما أدوه من طاعات حين توجهوا إلى بيت المقدس، قال تعالى: «سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» البقرة/142.

وهكذا عاد المسلمون إلى قبلة أبيهم إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) بعد أن توثقت علاقتهم بالمسجد الأقصى، وخلصت لهم ملكيته في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وذلك حين نزل قوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» الإسراء/1.

لقد توثقت صلة المسلمين بالمسجد الأقصى حين جعله الله تعالى نهاية لرحلة الإسراء (الأرضية)، وبداية لرحلة المعراج (السماوية)، فهو واسطة العقد لرحلتي الإسراء والمعراج، وصار ضمن مقدسات المسلمين، وأصبح المسلمون مسئولين عن حمايته وصيانته، وقبل ذلك استرجاعه ممن خطفوه.

أما سورة البقرة، فهي تذكر المسلمين بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام في يوم مهيب الطلعة، جليل القدر.

وهكذا ارتبطت حياة المسلمين بمقدساتهم بنصوص إلهية لها من القداسة والطاعة ما لا يتحقق من خلال العهود والمواثيق الدولية، وطال الزمان أم قصر. ومهما تعاقب على هذه الأماكن المقدسة من غزاة من أمم الأرض، فإن ملكيتها ستظل خالصة للمسلمين، وأن استرجاعها وحمايتها ستبقى ضمن مسؤولياتهم، وديناً في أعناقهم وسوف يُسأَلون عنه يوم القيامة، وهو الميزان الذي يوزن به إسلامهم، وصحة إيمانهم.

وبعد، فإن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في النصف من شعبان سيبقى هو اليوم الأعظم في تاريخ المسلمين.

إماطة الأذى

Posted: يونيو 7, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٥ يونيو ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

‏كثير من الذين يسافرون إلى بلاد الغرب يعودون وهم مشبعون بالإعجاب بما شاهدوه من نظم ونظافة والتزام ‏بالأخلاق العملية، وحين تجلس إلى أحدهم تجده يشيد بما شاهده هناك، وينعي على المسلمين تخلفهم، وسوء التزامهم ‏بالنظم والقوانين، وقلة أو ضعف انضباطهم، ونحن لا ننكر على الأمم الغربية ذلك، فهم بالتنظيم، واحترام الوقت ‏والقوانين قد حققوا ما حققوه من تقدم ونهضة على مستوى الأفراد والجماعات، وأن ما بلغوه من حضارة ومدنية هو ‏بسبب إخلاصهم في العمل، واحترامهم للوقت، وحرصهم الشديد على عدم إضاعته، والعجيب أن هؤلاء المعجبين ‏بحضارة الغرب وإنجازاته على مستوى الأفراد والجماعات عندما تنظر إليهم في أحوالهم، ومدى استفادتهم مما ‏شاهدوه وعاينوه تجد أن إعجابهم يبقى نظرياً صرفاً، ولا تجد لكلامهم أي أثر في واقع حياتهم ولا تراهم يلتزمون ‏بمثل ما التزم به الذين تعلموا على أيديهم، وأعجبوا بهم، ونظن أن تعليل ذلك هو أنهم يحبون أن يلتزم الآخرون ‏بالنظام والانضباط من أجلهم، أما هم فلا يحبون ذلك من أنفسهم لغيرهم، وهذا يطعن في مصداقيتهم بأنهم يحبون ‏الانضباط والنظام في حياتهم، كأنهم يلبسون ثياب التقدم والمدنية هناك عند مخالطتهم لأهل التقدم والمدنية، أما حين ‏يعودون إلى بلادهم فإنهم يخلعون هذه الثياب التي لا تناسبهم، ويلبسون ما اعتادوا من لباس، وكأنهم يقولون: خذوا ‏قولنا ولا تنظروا إلى عملنا!، وهذا من العجائب التي نشاهدها كثيراً في أمثال هؤلاء. ‏
وحديثنا اليوم عن القيم ومتى تكون مطلقة لا تفرق بين إنسان وإنسان، ولا تغيب في مكان وتظهر في مكان آخر، ‏ولا تتواجد في زمان من دون زمان. ‏
القيم والمبادئ يجب أن تكون مطلقة يقاس عليها ولا تقاس على غيرها، فهي في الإسلام لا تدور مع المصالح وجوداً ‏وعدماً، إنما تخضع المصالح للمبادئ، وتسلم إليها زمامها، وهذا هو الفرق الشاسع والكبير بين القيم في الإسلام، ‏والقيم في غيره من الشرائع التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان. ‏
الصدق مثلاً قيمة عظيمة من قيم الإسلام يحذر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) المسلمين من أن يكذبوا حتى ‏ولو كانوا مازحين، وهذا يعني أنه لا يوجد في الإسلام كذب أبيض وكذب أسود، فالكذب في الإسلام كله أسود، بل ‏شديد السواد، ومن هنا نحذر شيوع ما يسمى كذبة إبريل، وإحياءها من جديد بعد أن كادت أن تقبر والمسلم ‏يجب أن يكون صادقاً في جميع أحواله، إلا ما أباحه الشرع الحنيف، ومعلوم أن هناك ثلاثة مواضع أباح ‏الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكذب فيها، منها: الكذب في الحرب، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذب ‏الزوج على زوجته، والزوجة على زوجها فيما يساعد على إدامة العشرة بينهما. ‏
والإسلام لا يكيل بمكيالين فضلاً عن أن يكيل بأكثر من ذلك، فالناس في الحقوق أمامه سواء، واقرأوا قوله تعالى: «‏ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم ‏مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6)» المطففين.‏
إن قيم الإسلام مبذولة للجميع لا فرق بين مسلم وغير مسلم، ولا يجوز للمسلم أن يكون تمسكه بهذه القيم مرهوناً ‏بمصلحة شخصية، فإذا انتفت هذه المصلحة انتفى بانتفائها تمسك المسلم بقيمه الإسلامية. ‏
‏أما القيم عند غيرنا من الذين لا يستشعرون الرقابة الإلهية الدائمة، فهؤلاء تدور قيمهم الحضارية مع مصالحهم ‏وجوداً وعدماً، مثال ذلك القيم التي جاءت بها الديمقراطية من حرية للإنسان، ورعاية لحقوقه، فإن هذه القيم إذا ‏خرج المؤمنون بها من بلادهم في حملات الغزو الاستعماري، قيمهم هذه تنقلب إلى الضد، لأن المصالح التي ‏يسعون إلى تحقيقها، والتي غزوا هذه البلاد من أجلها تتعارض مع قيم الديمقراطية، فيضحون بالقيم في سبيل الحفاظ ‏على المصالح، ولو كانت القيم الديمقراطية هي الأصل وغيرها هي الفرع لحافظوا عليها وضحوا من أجلها ‏بالمصالح.‏
إعلان

‏وبعد، فإن القيم التي جاء بها الإسلام، ودعا الناس إليها تبني ولا تهدم، ويترقى بها الإنسان ولا يتخلف، وإليكم مثالاً ‏قد يبدو في نظر البعض بسيطاً، ولكنه عميق الدلالة ليخلص منه الإنسان المنصف إلى أن ما دام الإسلام يولي مثل ‏هذه الامور البسيطة مثل هذا الاهتمام الكبير، فما بالكم بالامور العظيمة.‏
لقد جاء في حديث شعب الإيمان الذي رواه البيهقي في سننه أن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، ‏قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من ‏الإيمان» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (9)، ومسلم برقم (35) (58).‏
‏هذا الخلق الذي يجب أن يتخلق به المسلم ليس خلقاً حضارياً يقاس بالمصلحة وجوداً وعدماً، بل هو في الإسلام ‏يرقى ليصبح خلقا إيمانيا الرقيب عليه هو الله تعالى، والمجازي عليه هو الله تعالى، وبهذا فقد ارتقى هذا الخلق من ‏مجرد فعل يحقق للناس المصلحة وفي غياب هذه المصلحة يغيب هذا الفعل، تحول إلى فعل من أفعال الإيمان، ‏وعبادة يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه، وإذا كان هذا شأن إماطة الأذى عن الطريق في الإسلام، فما بالكم ‏بالشئون الكبيرة والعظيمة في الإسلام؟ وتستطيع أن تقيس على ذلك جميع قيم الإسلام.

تاريخ النشر :٢٩ مايو ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

من المعجزات التي أكرم الله تعالى بها رسوله محمداً(صلى الله عليه وسلم) معجزة الإسراء والمعراج، والإسراء رحلة أرضية، والمعراج رحلة سماوية، وكأن الله تعالى أراد أن يجمع لرسوله ومصطفاه(صلى الله عليه وسلم) الملك والملكوت، وذلك زيادة في تعظيمه، ومبالغة في تكريمه، ولم يجمعهما سبحانه لنبي أو رسول قبله، فضلاً عن أنه جل جلاله سلمه في حشد مبارك من الأنبياء والرسل (على رسولنا وعليهم الصلاة السلام) لواء الزعامة عندما قدمه الأنبياء ليؤمهم في الصلاة، وكانت هذه إشارة بالغة الدلالة على اصطفائهم له بعد اصطفاء الله تعالى ليكون خاتم الرسل وإمامهم، حيث جمع الله تعالى له الخاتمية في كل أمر من أموره، فهو صاحب الشريعة الخاتمة، وصاحب المعجزة الخاتمة، وصاحب الأمة الخاتمة، وبالتالي فقد حق له أن يكون إماماً للرسل والأنبياء جميعاً من دون منازع، قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} الإسراء/1.
لقد بينت هذه الآية الجليلة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبلغ هذه المكانة عند الله تعالى إلا بعد أن بلغ في العبودية لله تعالى الكمال المنشود، وفيها أيضاً دليل على ملكية الأمة الإسلامية لبيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وأن تحرير المسجد الأقصى من أيدي الصهاينة يقتضي تحرير فلسطين كلها، لأن البركة لم تقتصر على المسجد الأقصى، بل تمتد لتشمل ما حوله، أي ما حول المسجد الأقصى -أي فلسطين- وفي الآية دليل أيضاً على أن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن حلماً أو رؤيا، بل كانت حقيقة بالروح والجسد، لأن لفظ «عبده» لا يطلق على الروح وحدها ولا على الجسد وحده، بل يطلق عليهما معاً كما يقول العلماء.
لم تتعرض سورة الإسراء لرحلة المعراج، وتكفلت بذلك سورة النجم التي هيأت البشرية إلى أن ما سوف يحدثكم به محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الحق الذي لا مرية فيه، ولهذا اعتنت السورة المباركة عناية فائقة بتنزيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من النقائص البشرية، والعيوب الخَلْقية، قال تعالى:
{والنجم إذا هوى(1) ما ضل صاحبكم وما غوى(2) وما ينطق عن الهوى(3) إن هو إلا وحي يوحى(4) علمه شديد القوى(5) ذو مرة فاستوى(6) وهو بالأفق الأعلى(7) ثم دنا فتدلى(8) فكان قاب قوسين أو أدنى(9) فأوحى إلى عبده ما أوحى(10) ما كذب الفؤاد ما رأى(11) أفتمارونه على ما يرى(12) ولقد رآه نزلة أخرى(13) عند سدرة المنتهى(14) عندها جنة المأوى(15) إذ يغشى السدرة ما يغشى(16) ما زاغ البصر وما طغى(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى(18)}.
إن ما سوف يقصه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على قومه من مشاهد رآها قد تثير من حوله الشكوك، وقد يتهمونه في صدقه وأمانته، وربما قالوا عنه إنه مجنون كما فعلوا حين بلغهم أنه رسول مرسل من عند الله تعالى، فكيف إذا حدثهم اليوم عن رحلة العجائب، وما شاهد فيها من أمور لا تعيها عقولهم القاصرة؟!
من أجل هذا كان لا بد أن تبدأ سورة النجم هذه البداية العظيمة، وذلك بتنزيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن أية نقيصة من الممكن أن يتهموه بها.
لقد نفت السورة وبشكل قاطع الضلال والغواية عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قالت: {والنجم إذا هوى(1) ما ضل صاحبكم وما غوى(2)}، وكما نفت عنه السورة الضلالة والغواية، فقد أثبتت له بالمقابل الهداية والرشاد، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يتوهم هذه المشاهد، بل لقد رآها بجميع كيانه، ولم تكن حلماً أو رؤيا رآها، ولو كانت كذلك ما تجشم قومه عناء تكذيبه أو اتهامه بالجنون، لأننا كلنا نرى في أحلامنا ما يستحيل أن نقوم به في يقظتنا.
إعلان

في السورة أيضاً تنزيه للسانه صلى الله عليه وسلم عن أن يقول باطلاً {وما ينطق عن الهوى} ذلك لأن ما يحدثهم به {إن هو الا وحي يوحى} لأن اتصال الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالله تعالى من خلال الوحي يجعل مصادر المعرفة عنده فوق الشبهات، بل ولا يتطرق إليها الشك، فهو أمين يتلقى عن أمين، فناقل الوحي إليه من الله تعالى هو جبريل (عليه السلام) وهو أمين السماء، والمتلقي عنه من الله تعالى أمين الأرض، وهو محمد، فجمعت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأمانتين: أمانة السماء وأمانة الأرض.
وفوق كل هذا، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتصل بالله تعالى من خلال فؤاد صادق، ووعي بلغ الكمال في الإدراك والشعور {ما كذب الفؤاد ما رأى} هو لا يرى المشاهد بعينه الباصرة، بل يراها ببصيرته النافذة وهذه أرقى مراتب الإبصار عند الإنسان: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} الحج/46.
ونزه سبحانه بصر رسوله(صلى الله عليه وسلم) من أن تختلط عليه المرائي {ما زاغ البصر وما طغى}.
هذا التنزيه، وهذا الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان لازماً لهذه الرحلة السماوية التي سوف يرى فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما يستعصي على الفهم والإدراك ممن لا يحسنون الظن بمولاهم سبحانه، ولا يؤمنون به إيماناً واثقاً أنه على كل شيء قدير، وأن أمره كله بين الكاف والنون، وأنه سبحانه إذا أراد شيئاً أياً كان هذا الشيء {فإنما يقول له كن فيكون}.
هذا هو الإسراء.. وهذا هو المعراج.. معجزة لم تتحقق لنبي قبل محمد(صلى الله عليه وسلم).
إنه تكريم وسمو بمقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وفي هذه الرحلة المباركة، وفي جمع من الأنبياء لم يتحقق لنبي قبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تسلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لواء الإمامة بعد أن قدموه ليصلي بهم إماماً، وبالتالي خلصت له الزعامة على الأنبياء جميعاً، ولأمته على الأمم جميعها.

ضالة المؤمن

Posted: يونيو 7, 2015 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٢ مايو ٢٠١٥

عبدالرحمن علي البنفلاح

المؤمن هو أكثر الناس وعياً، وأكثرهم إدراكاً لمعالي الأمور وسفاسفها، وديدنه البحث الدائم والدائب عن خير الأقوال والأفعال والأحوال.
ولأن المؤمن قد اكتملت لديه الحقائق الإيمانية، وعلم أن للوجود إلهاً لا شريك له، بيده مقاليد الأمور كلها، وهو سبحانه وتعالى القاهر فوق عباده، قلوبهم بيده، وبين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، قال سبحانه: «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار» النور/37.
هذا المؤمن الواثق بربه سبحانه، الخاضع لمشيئته جل جلاله هو أحرص الناس على بلوغ الكمال المقدَّر له، فهو يبحث عن الحكمة في مظانها، وهو أولى الناس بها لأن موازينه قد استقامت، وأحكامه قد صحت لأنه يزنها بميزان الشرع الحكيم، قال سبحانه: «والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (8)» الرحمن.
وستظل السماء سقفاً محفوظاً ما استقامت الموازين في الأرض وبين الناس، فإذا شاب هذه الموازين شائبة من الطغيان أو الخسران، فإن الله تعالى سوف يسقط السماء علينا كسفاً، يقول سبحانه: «ألم تر أن الله سخر لكم الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم» الحج/65.
لقد حذر الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين الذين ألقوا إليه زمام أمورهم، وعلموا أنه لا إله غيره، ولا معبود بحق سواه، فقد حذرهم من نفسه سبحانه، فقال في أكثر من آية: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير». آل عمران/28.
وفي سياق هذا التحذير قوله تعالى: «ويلٌ للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون(2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6)» المطففين.
إن الحكمة في كل هذا، وفي غيره هي ضالة المؤمن يقضي عمره في البحث عنها، ويسعى جاهداً إلى تلمس مظانها وسبلها لأنه أحق الناس بها لأنه يملك الضمير الحي، والرؤية الواضحة، المعززة بالبصيرة النافذة، والوعي المؤسس على حقائق ثابتة، لا يزيدها الزمان إلا ثباتاً ورسوخاً، وعلى قيم مطلقة يتساوى أصحاب الحقوق أمامها لا فرق بين مسلم وغير مسلم.
فإذا آلت الحكمة إلى المؤمن، وألقت زمامها بين يديه عرف كيف يستفيد منها، ويحسن توظيفها لصالح الناس، وبها يخدم قضايا الأمة الكبرى التي تحتاج من أصحاب الضمائر الحية، والقلوب الواثقة المطمئنة، والعقول الناجحة الوقوف معها ودعمها.
عن أبي هريرة وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها» المحدث: ابن القيم/ مفتاح دار السعادة/ الصفحة: 1/283/ له شواهد.
إذاً، فالمؤمن الذي كملت عنده أدوات البحث والاجتهاد، واستقام تكوينه الثقافي في علاقته مع خالقه سبحانه وتعالى، وفي علاقاته مع الناس، هذا الصنف من المؤمنين هم أحق الناس بالحكمة، وأقربهم مودة لها، وبحثاً عنها، واستخراج أقصى ما فيها من عطاء، أما من يسعى وراءها من أجل منصب أو مال أو جاه، فهذا همته في البحث عن الحكمة والاستفادة منها على قدر طموحه، وسوف يتهيب ركوب الصعاب؛ لأنه لا يملك من الحوافز ما يعينه على ذلك، ولله در شاعر الشباب أبي القاسم الشابي الذي قال:
ومن يتهيب صعود الجبال
إعلان

يعش أبد الدهر بين الحفر
وسوف يظل المؤمن الحق باحثاً عن الحكمة في مظانها، وسابراً أغوارها، وحريصاً عليها إن وجدها.