Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

الكلمة الطيبة

Posted: أغسطس 23, 2016 in خواطر الجمعة

حينما أراد الحق تبارك وتعالى أن يتخذ مثالاً على الكلمة الطيبة لم يجد أفضل من الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت راسخ في الأرض، وعطاؤها غير مقطوع ولا ممنوع، فقال سبحانه وتعالى: «ألم تَر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25)» (إبراهيم).
واختيار الشجرة الطيبة من دون باقي الأمثلة المبثوثة في الوجود له علاقة وثيقة بالنماء والرخاء، وأوضح مظهر من مظاهرها أنك تدس البذرة في الأرض، وتتولاها بالعناية والرعاية، وتداوم على الاهتمام بها حتى تتحول هذه البذرة الصغيرة التي قد لا تمثل شيئًا مذكورا في سجل الموجودات، ولكنها تتحول بعد ذلك بقدرة الله تعالى وتوفيقه إلى شجرة عظيمة تتكون منها حدائق ذات بهجة تسر الناظرين، وتأملوا قوله تعالى حين تحدث عن أصل الإنسان وفصله، قال تعالى: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا (1) إنَّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرا (2)» (الإنسان).
هذا الإنسان على عظمته، وعلو شأنه بين المخلوقات، والذي قال الله تعالى عنه: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70)» (الإسراء)، وهو الذي وهبه الله تعالى علمًا لدنيًّا حين علم آدم الأسماء كلها وابتلى الملائكة بذكرها، فعجزت عن ذلك، هذا الإنسان كان أصله نطفة قد تستقذرها النفوس، فإذا قدَّر الله تعالى لها الحياة خلق منها إنسانًا ذَا مواهب وقدرات، ولذلك حين تواصل قراءة سورة الإنسان تكشف لك هذه السورة كيف صارت هذه النطفة إنسانًا سويًّا في أحسن تقويم، يحافظ على العهود والمواثيق، ويجد في كنفه أصحاب الحاجات ما يسد حاجاتهم، وكذلك تشبيه الحق سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في بدايتها ونمائها مثال يلفت إليه الحق سبحانه الأبصار والبصائر إلى أن مبدأ الأمور العظيمة أمور صغيرة.
وحين نستعرض الكلم الطيب نجد في القمة منه كلمة التوحيد التي ينطقها الإنسان فتدخله دائرة المعية مع الله تعالى، وتضفي على أقواله وأفعاله وأحواله القبول الحسن عند الله تعالى وعند رسوله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين.
إنها الكلمة العظيمة الجليلة التي لا يقبل عمل ولا يثاب عليه إلا حين يكون خالصًا لله تعالى، صوابًا على سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
إنها الكلمة التي يُثبِّت الله تعالى بها المؤمن عند الحساب والمؤاخذة، يقول جل جلاله: «يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27)» (إبراهيم).
وتأملوا كلمة «ثابت» في قوله تعالى حين وصف الشجرة الطيبة، قال سبحانه: «أصلها ثابت»، وقال سبحانه عن الكلمة الطيبة:«يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت».
الذين يثبتون على كلمة التوحيد ولا يشركون مع الله تعالى شيئًا، هؤلاء يثبتهم الله تعالى في الآخرة كما ثبتهم في الحياة الدنيا، فالثبات إذا هو القاسم المشترك في القول والفعل، وبقدر ثبات المؤمن على كلمة التوحيد، وحرصه الشديد على ألا تشوبها شائبة من شرك جلي أو خفي، فهو -بعون الله تعالى وتوفيقه- مثبت في الآخرة.. «يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)» (الحج).. «يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37)» (عبس).
في ذلك اليوم العظيم لا ينفع المؤمن إلا الكلمة الطيبة التي رعاها واهتم بها كما يهتم المزارع بأشجاره وثماره.
الكلمة الطيبة.. عطاء متجدد.. ونماء لا يشيخ.. وأمل لا يشوبه يأس أو قنوط.

دعوة مبرورة، وخطاب جليل، وثقة عامرة، فحين يدعو الحق تبارك صفوة خلقه، وصفوة رسله إلى الاستقامة، فهذا من باب أولى دعوة موجهة إلى الأمة بأكملها، وحتى لا يستكبر المسلمون على هذه الدعوة ما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو من هو مكانة عند ربه سبحانه مأمور بذلك، فإنّ الحق تبارك وتعالى لم يعفه من هذا الخطاب، وكل تكليف يخاطب به الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو في الواقع تكليف نحن مخاطبون به، ألم يقل الحق سبحانه لرسوله (صلى الله عليه وسلم):«فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون» (الأحقاف/35).
إذًا، فالاستقامة هي جزء من العمل الصالح، أو هي أحد طرفي معادلة العمل الصالح، الطرف الأول هو: التوحيد الخالص، والطرف الثاني هو: الاستقامة أي حسن الإتباع لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كُنتُم توعدون(30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلاً من غفور رحيم(32)» فصلت. فالاستقامة كلمة جامعة مانعة لكل عمل صالح، وكل سعي مبرور، والعمل الصالح شقان: قول وفعل، وحتى يتحقق التفاعل بين الإيمان والاستقامة لا بدَّ من أن يكون الواحد منهما بصحبة الآخر، وألا يغيب أحدهما عن الآخر، وكما سبق وأن قلنا: إن بين الإيمان والأمان والأمن، والأمانة صلة رحم، فكذلك بين الإيمان والاستقامة صلة قرابة ورحم يجب أن تكون موصولة دائمًا.
وأنت أيها الإنسان حتى تكون مستقيمًا في قولك وفعلك لا بدَّ أن تكون مستقيمًا في جميع أحوالك، وأن تحرص قدر استطاعتك على أن تسير على الصراط المستقيم، فاستقامتك لن تتحقق كما يريدها الله تعالى لك ما لم تلزم نفسك بمتطلبات هذا الصراط التي ذكرتها سورة الأنعام في قوله تعالى:«قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(151) ولا تقربوا مال اليتيم حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذَا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون(152) وأن هذا صِرَاطِي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(153)»، فإذا فعلت ذلك وألزمت نفسك بما ألزمك الله تعالى به، فأنت إنسان مستقيم، ويشهد لك الناس بذلك، وسوف تكون ليس مسلمًا عاديًا، بل سوف يشار إليك بالبنان لأنك صرت من أعلام الصراط الذين ذكرتهم سورة النساء في قوله تعالى: «ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» الآية 69.
ذلكم هو عطاء الاستقامة، وبرها بك، ورعايتها لك، فارعها ترعك، واحفظها تحفظك، وداوم على البحث عن كل ما يعينك على الاستقامة من أعمال البر والخير، وارتق بطموحاتك، وحاول أن تحققها وإن عجزت إمكاناتك عن ذلك، فإنك حين تجدد العزم، وتستنهض الهمة، فأنت تستطيع بالقليل تحقيق الكثير، وفي الوقت القصير تنجز الكثير، فإنّ للبركة أثرا فعَّالا في حياتك، وفي تحقيق طموحاتك.

الوفاء بالعهود من كمال الأخلاق عند المسلم، وعلامة من علامات الجودة في أقواله وأفعاله؛ فالمسلم يعرف بوفائه للعهود التي يقطعها على نفسه، ويحرص على عدم نقضها وذلك لأنه من كمال إيمان المسلم أنه يحب لغيره ما يحب لنفسه، وكما أنه يحب إذا عاهده إنسان أن يفي له بعهده، فإنه واجب عليه أن يفي للناس بعهوده لهم.
والعهود في الإسلام شأنها عظيم حتى لو كانت مع الكافرين، عن عمرو بن الحمق (رضي الله عنه)، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «أيما رجل أمَّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرًا» رواه ابن حبان، وأخرجه في صحيحه.
هكذا الإسلام يفي بالعهود، ويحض أتباعه على الوفاء بها، ولا شأن لهم بإيمان أو كفر من يفون له بعهودهم معه، وأما عقيدة المعاهد الذي ألزموا أنفسهم بالعهد معه، فهذه لا تدخل في التكليف وأمره إلى الله تعالى.
ولقد تعرض المسلمون لمواقف كثيرة امْتُحن فيها وفاؤهم بالعهود، والتزامهم بما يلزمون أنفسهم به من عهود ومواثيق، وها هو الصحابي الجليل حُذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) يحدثنا عن موقف من هذه المواقف، فيقول: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل-والد حُذيفة- قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبرناه الخبر، فقال:«انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» رواه مسلم.
أي عظمة وسمو بلغه المسلمون مع خصومهم، لم يقل الرسول (صلى الله عليه وسلم): الحرب خدعة، وأن الكافرين لا عهد لهم، كما خانوا عهدهم معه (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، بل قال صلوات ربي وسلامه عليه: «نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم».
تلك هي أخلاق من قال الله تعالى عنه: «وإنك لعلى خلق عظيم» القلم/4، والذي قال عن الغاية التي بعث لها: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» الإمام مالك.
والوفاء بالعهد من صفات المتقين، يقول تعالى: «بلى من أوفى بعهده واتقى فإنّ الله يحب المتقين» آل عمران/76.
يا لها من شريعة صدق الله تعالى عندما وصفها بالكمال حين قال: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» المائدة/3.
والوفاء بالعهد فعل إسلامي مبرور لأن الطرف الأساسي في هذا العقد هو الله جل جلاله، ومحال أن ينقض المسلم عهده مع الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون» النحل/91.
ومن هنا ندرك أن الرقابة الإلهية الدائمة على أقوال المسلم وأفعاله هي مصدر الجودة، وهي كذلك ضمان استمرارها، وذلك لأن الله تعالى شهيد ورقيب على المسلم، وهو سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، والمسلم لا يبلغ درجة الإحسان حتى يحقق في نفسه وفي أحواله حقيقة الإحسان، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في جوابه لجبريل (عليه السلام) حين سأله عن الإحسان، قال له: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» رواه مسلم، وأخرجه برقم (8).

تحروا الصدق

Posted: يوليو 20, 2016 in خواطر الجمعة

حين يريد الإسلام التأكيد على أمر من الأمور, والحرص على طلبه, فإنه يأمر أتباعه بقوله: تحروا هذا الفعل أو ذاك, فإن في التحري معنى الحرص والمداومة على طلب الشيء والإلحاح في طلبه, فمن ذلك تحري هلال الشهر المرتبط بعبادة من العبادات, أو ركن من الأركان كما هو الحال في تحري هلال رمضان لارتباطه بعبادة الصيام, وتحري هلال شوال للخروج من عبادة الصيام, وتحري هلال العيد, ثم تحري هلال شهر ذي الحجة لارتباط هذا الشهر بعبادة الحج, وهو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي التحري أيضا الاستقصاء، قال صلى الله عليه وسلم: «تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه, فإن فيه النجاة» ابن أبي الدنيا.إسناده جيد.
والصدق صفة عظيمة يجب أن يتصف بها أهل التقوى, يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». (التوبة/119).
وأما أن في الصدق النجاة من المهالك فإن ذلك ما أكّده رسول الله (صلى الله عليه وسلم), حين قال: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة, وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا, وإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (6094), ومسلم برقم (2607).
إذن, فالصدق يهدي إلى البر, والبر يهدي إلى الجنة ومطلوب من المسلم أن يتحرى كل سبيل يؤدي به إلى الجنة, والصدق وتحريه هو السبيل إلى ذلك, وكما سبق وأن قلنا إن هناك جائزة تنتظر الذي يمتنع عن الكذب، هي بيت في وسط الجنة، وإن كان مازحا, وإذا كانت هذه الجائزة الكبيرة لمن يترك الكذب في المزاح، فما بالكم بمن يترك الكذب وهو جاد؟ لا شك أن مكانته عند الله تعالى كبيرة, وجائزته مجزية.
وفي الصدق فوق أنه نجاة من المهالك وسبيل المؤمن إلى الجنة, فإنه كذلك طمأنينة يشعر بها المسلم حين يصدق في أقواله وأفعاله, فعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) قال: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإنّ في الصدق طمأنينة, والكذب ريبة», رواه الترمذي, وقال: حديث صحيح.
وفي الصدق بركة وتوفيق ونماء، فعن أبي خالد حكيم بن حزام (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (2079), ومسلم برقم (1532).
إن أساس العلاقة بين الناس هو الصدق في التعامل, ويكون ذلك في البيع والشراء أوجب لأن في ذلك مصالح العباد, وتيسيرا لحوائجهم, فإذا حرص البائع والمشتري على أن يكون الصدق هو وسيلة التعامل فيما بينهما فإنهما بذلك قد ضمنا البركة والتوفيق كما وعد بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعل من ثمار الصدق في التعامل هو البركة في بيعهما, فالبائع وفق في الحصول على الثمن الذي يريده من المشتري, والمشتري حصل على البضاعة التي يرجوها من البائع مما يعزز الثقة فيما بينهما, ويديم التعامل في صفقات قادمة, وبهذا تستقيم الحياة التجارية وتسود الثقة بين الناس جميعا والذين لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بالبائعين والمشترين, فالمشتري يشتري البضاعة إما لاستعماله الخاص وإما لبيعها إلى أناس آخرين, والبائع يبيع ما عنده من بضاعة ليشتري أخرى هو في حاجة إليها, وهكذا يؤدي المال دورته ويحقق المصلحة الخاصة والعامة لمن يملكه.
أرأيتم ما يؤدي إليه الصدق في التعامل من منافع للناس وشيوع للثقة فيما بينهم، وينشر الأمن والاطمئنان في حياتهم، وذلك من ضمان الجودة في الإسلام وفي الأخلاق.

المساجد بيوت الله تعالى في الأرض باختيار البشر، وهي مصدر الطاقة الإيمانية المتجددة، قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة..} النور.
الترخيص لبناء المساجد له مصدران، ترخيص للمكان، وهذا نحصل عليه من الجهات المختصة كالبلديات وغيرها، وترخيص للمكانة، وهذا إذن نستصدره من الله تعالى.
إذن، فالمساجد لها مكان ولها مكانة، المكانة من الله تعالى، والمكان من الناس، ولهذا لا يصح سؤال الضالة في المسجد لأن هذه لها مكان آخر غير المسجد.
في المساجد التي هي بيوت الله تعالى يتجلى فيها الحق تبارك وتعالى على عباده بالقبول والتوفيق والسداد، وهي مصدر للطاقة الإيمانية المتجددة، وللعمل الصالح، والمصلي حتى يصح نسبه الإيماني لا بد من أن يعمل صالحًا مع الإيمان، ولقد تضافرت النصوص من القرآن الكريم على الحض على الإيمان والعمل الصالح من مثل قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كُنتُم توعدون(30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون(31) نزلاً من غفور رحيم(32)} فصلت.
يا له من عطاء ثرٍ، وآلاء جليلة، ولكن يلزمها حتى تتحقق التفعيل والمزاوجة بين الإيمان والعمل الصالح.
في المسجد حين ترص الصفوف، ويهتف الإمام ب«الله أكبر» تتداعى بين يدي المصلين الدنيا بكل زخارفها ومتعها الزائلة لأن الله تعالى أكبر من ذلك كله، ثم يقف المصلي ليبث مولاه سبحانه شكواه، وغمه وحزنه، ويستمطر منه سبحانه الرحمات، ويسأله المغفرات، ويقدم بين يدي مولاه سبحانه فروض الطاعة والولاءات، ثم يستصغر كل ما يواجهه في هذه الحياة من منغصات وبلاءات، لأنك أيها المصلي تتوكل على الحي الذي لا يموت، وعلى القوي الذي لا يضعف، وعلى الغني الذي لا يفتقر سبحانه.
يشعر المصلي وهو يغادر المسجد بأنه قد تزود بطاقة تعينه على مواصلة حياته بقوة ونشاط، وأنه قد وضع حياته وهمومه بين يد أمينة رحيمة، إنها يد القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلى المصلي الذي خرج من المسجد بعد أن أدى فروض الطاعة والولاء، وتحفّه الأنوار، أنوار الطهر والقبول، عليه ألا يفسد كل ذلك بفعل طائش، أو تصرفٍ شائن، وأن يصحب معه وهو خارج من مصدر الطاقة الإيمانية المتجددة، المناعة الإيمانية التي تجعله محاطًا برعاية مولاه سبحانه وتعالى حتى يحين موعد لقائه الآخر معه سبحانه، وذلك في فريضة أخرى من فرائض الصلوات، والمسلمون في خير ما حافظوا على هذه الصِّلة بالصلاة، ولقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال له: إني قد أذنبت!! فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «هل صليت معنا؟ قال الرجل: نعم، قال: لقد غفر لك»!
وهنا يلزم أن ننبه على أن الذنب الذي تحدث عنه الرجل ليس من الكبائر، لأن الكبائر يلزمها توبة لها شروطها الخاصة بها، وخاصة عندما يكون الذنب في حق أحد من الناس.
إذن، فالمساجد ليست أماكن للتسلية، أو لقضاء أوقات الفراغ، وأن الإنسان حين يدخلها ثم يخرج منها لا تترك فيه أدنى أثر، إنها بيوت الله تعالى في الأرض، من دخلها كان آمنًا، وفيها من الأنوار والهدايات الربانية ما يحتاج إليها الناس ليخرجوا من الضنك الذي يصاحب دائمًا من يشرد عن منهاج الله تعالى، يقول سبحانه وتعالى: {قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123) ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى(124)} طه.
وتؤكد سورة النور هذا المعنى الإيماني، وذلك في قول الحق جل جلاله: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم(35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه يُسبّح له فيها بالغدو والآصال(36) رجال..}، أي أن هذا النور مصدره ومنبعه من هذه البيوت التي أذن الله تعالى لها أن ترفع، وهذا الإذن الإلهي يعني أنها ستظل مصدرًا للعطاء المتواصل، وللنعم المتوالية في حياة الأمة، بل وفي حياة البشرية.

الغراب الباحث

Posted: يونيو 6, 2016 in خواطر الجمعة

أول جريمة قتل حدثت في التاريخ، هي قتل قابيل لأخيه هابيل، ولا يعنينا هنا السبب أو الدافع وراء هذه الجريمة التي ليس لها مثيل إذ هي الأولى من نوعها، ودشن بها قابيل عالم الجريمة، وسن سنة سيئة في قطع الأرحام، وتمزيق شمل الأسرة، وهي وإن لم تكن أسرة كبيرة على اعتبار أنها الأسرة الأولى على وجه الأرض، وهي بداية العمران البشري، المهم لقد استنّ قابيل سنة سيئة سوف يكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين، وقال العلماء: إن كل جريمة قتل حدثت وتحدث بعد ذلك على ابن آدم الأول كِفل منها، وهذا مصداق قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} النحل/25.
وكما أن لرواد الخير نصيبًا من أجور من سار على منهاجهم، وترسم سبيلهم، فكذلك لرواد الشر الذين جعلوا من أنفسهم أسوة سلوكية سيئة لمن جاء بعدهم.
وقصة ابني آدم، وما دار بينهما، والحالة التي كانا عليها، فقابيل كان يخوض صراعًا مريرًا بين نفسه اللوامة ونفسه الأمارة بالسوء، أما هابيل، فهو مطمئن النفس، مرتاح الضمير، رأى فيما يجري له على يد أخيه بلاءً قابله بالصبر والاحتساب، ولقد صور القرآن الكريم هذه المشاعر السلبية والإيجابية أبلغ تصوير، وذلك في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27) لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين(30)} المائدة.
إذن، فقابيل قتل أخاه هابيل في أمر ليس لهابيل يد فيه، فكلاهما تقربا إلى الله تعالى بقربان، والله تعالى تقبل القربان الذي كان خالصًا له سبحانه، وكان ذلك قربان هابيل، وذلك لأن هابيل كان من المتقين، وهذا يعني ضمنًا أن قابيل لم يكن من المتقين، وأنه لم يبلغ هذه الدرجة التي بلغها هابيل.
لقد بلغ قابيل حدًا في الشر دفعه إلى التفكير في الخلاص من أخيه بالقتل، وبدأ يخطط ويرسم لتنفيذ أول جريمة في التاريخ، وبين من؟!! بين أخوين شقيقين، ولم يشعر قابيل ساعة تنفيذ الجريمة بأي مشاعر تجاه أخيه، بل مضى في التخلص من أخيه، وإزاحته من طريقه.
في هذين الانموذجين قدم الحق تبارك وتعالى مثالين على الشر والخير، المثال الأول: هو الطائع المخبت التقي الذي يلهج لسانه بذكر الله تعالى، ولا يفكر إلا في الخير، وإذا نزل به بلاء من ربه سبحانه صبر واحتسب، والمثال الثاني:
هو العاصي الذي بلغ في عصيانه حدًّا دفعه إلى سفك دم أخيه، وتقطيع أواصر الأخوة بينه وبين أخيه، وكأن البشرية سوف تراوح بين هذين المثالين، مثال الخير ومثال الشر، ولكن بقي سؤال مهمّ وهو: ماذا يصنع قابيل بسوءة أخيه، وكيف الخلاص منها؟!
لقد حمل جثة أخيه على ظهره، وأخذ يجوب الصحراء حائرًا ماذا يصنع بها، وشعر بالندم على فعلته، ولم يرد أن يتركها طعامًا للسباع، فبعث الله تعالى له غرابًا يهديه إلى الحل، ولم يكن ذلك من أجل قابيل، فهو لا يستحق ذلك، ولكنه تكريم لهابيل الصابر المحتسب، قال تعالى: {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} المائدة/31.
لقد استوقفتني كلمة «يبحث» في قوله تعالى: {يبحث في الأرض}، وقلت أليس من المناسب والغراب إنما كان يريد دفن الغراب الميت الذي كان يحمله أن تأتي كلمة «يحفر» بدل كلمة «يبحث»، وأخذت أتتبع كلمة «يبحث» ورأيت أنه لما كانت الأرض لا تصلح جميعها للدفن، وإنما هناك أرض تصلح للدفن وأخرى لا تصلح للدفن، فكان الغراب يبحث عن الأرض المناسبة للدفن، من هنا كانت كلمة «يبحث» أنسب للدلالة على ذلك من كلمة «يحفر»، ولما هداه الله تعالى إلى الأرض المناسبة بدأ يحفر، ثم دفن جثة الطائر!
إن هذا الغراب بعثه الله تعالى لمهمة أراد إبلاغها لأبناء آدم، وفي هذا درس بليغ ألا يستنكف الإنسان من أن يأخذ الدرس والموعظة ممن هم دونه في الخلق أم في المكانة.
إنه حقًّا ليس غرابًا عاديًا، بل هو غراب باحث، هداه الله تعالى لاختيار الأرض الصالحة للدفن ليعلم أبناء آدم هذا الدرس البليغ.

في شعبان كان الحدث العظيم حيث انتهت فيه حالة القلق والترقب التي كانت تشغل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يقلب وجهه في السماء يسأل ربه سبحانه وتعالى قبلة يرضاها، قال سبحانه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كُنتُم فولّوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} البقرة/144.
الله سبحانه وتعالى يتلمس لرسوله (صلى الله عليه وسلم) مواطن الرضا، ويعده بأنه سوف يعطيه حتى يرضى، وذلك في موطن المنّ عليه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من نعم، قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} الضحى/5.
وكان النصف من شعبان مناسبة عظيمة ليتجلى فيها رضا الحق سبحانه عن سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم)، وذلك بعد أن علم سبحانه رغبة رسوله (صلى الله عليه وسلم) الشديدة في العودة إلى قبلة أبيه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، والتي انصرف عنها الموحدون عندما ملأها الكفار بالأصنام، ولم يكن من المناسب أن يتوجه إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في صلاته وهي تزدحم بالأصنام، ولو فعل ذلك لقال الكفار إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يؤمن بآلهتنا، ويتوجه إليها في صلاته، وهذا ما قاله اليهود حين توجه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس، فأخذوا يشيعون أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يتبع دينهم، فكان ذلك يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويجعله يدعو ربه سبحانه، ويلح في الدعاء أن يختار له قبلة يرضاها وتطمئن إليها نفسه.
وفي شعبان حدث ذلك كله، وكانت فرحة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بها لا توصف، فكان ذلك عهد جديد للدعوة الإسلامية حين اختار الله تعالى لها قبلة أبينا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، وهي أول بيت عبد الناس فيه الله سبحانه، قال تعالى: {إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين} آل عمران/96.
وما دام وُضع للناس، فواضعوها غير الناس كما يقول إمام العصر الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله تعالى) في خواطره القرآنية.
إذن، فيحق للمسلمين أن يحتفوا بهذا الشهر العظيم، شهر شعبان، وأن يذكروا الناس بآلاء الله تعالى عليهم فيه إذ تم ذلك التحول الذي قاده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون معه من جهة إلى جهة، {ولله المشرق والمغرب}، وهو سبحانه، رب المشارق والمغارب، وأينما يولي المسلمون وجوههم فثم وجه الله سبحانه، قال جل جلاله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} البقرة/115.
ذلكم هو شهر شعبان العظيم الذي تحقق فيه للمسلمين أمنية طالما تطلعوا إليها، ومنوا النفس بها، وسألوا مولاهم سبحانه وتعالى إياها، فلم يضن عليهم بها، وكان في ذلك تأكيد لإخلاص عبوديتهم له سبحانه وتعالى.