Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بكل ما يعينه على أداء الدور المنوط به، وإنجاز المهمة التي اصطفاه الله تعالى لها، وجعل العقل أداة للتبصرة والاختيار بين البدائل، يتلمس به الإنسان مواضع أقدامه حتى لا يتعثر ويسقط في هاوية الهوى والشهوات، وقد يضل الإنسان بالرغم مما يملكه من عقل بصير، ربما لهوى في نفسه، أو سلطان من غيره، أو لغفلة ألمت به، والله تعالى من رحمته بعباده وكمال فضله عليهم لم يتخل عن الإنسان وهو يواجه مصيره من دون عون أو مساعدة، بل أرسل إليه المبشرين والمنذرين وهم الرسل الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم) لينبه الغافل، ويذكر الناسي، ويرفع الأغلال عن كواهلهم، فصدرت بيانات كثيرة عن الله تعالى إلى الناس تذكرهم وتنبههم، وترفع الحرج عمن يخطئ من دون قصد منه، أو من يخطئ بسبب ضعف في نفسه، أو بسبب قوة قاهرة لا يستطيع لها دفعًا، ولا يستطيع منها فكاكًا.
افتتح الله تعالى سورة الأنبياء بقوله تعالى: «اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون» الآية (1).
هذا البيان العظيم المحذر، والمنذر لأصحاب الغفلات، يدعوهم وينبههم إلى اليقظة التامة، إذ لم يبق على وقوفهم للحساب أمام مولاهم سبحانه وتعالى إلا وقتًا يسيرا، وعليهم أن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم ورضوان، وأن ينتهزوا هذه الفرصة العظيمة التي يذكرهم الله تعالى بها، فإنه آخر موعد للدخول في المسابقة العظيمة التي أعدها وأعلنها الله تعالى لعباده المؤمنين، التي جاء إعلانها منذ بزوغ فجر الإسلام، وظل باب القبول مفتوحًا، وها هو موعد قفله قد اقترب، قال تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)» آل عمران.
هذا بيان للناس؛ فالمؤمنون الصادقون لن يتخلفوا عن المشاركة في هذه المسابقة، بل والمسارعة إلى الانضمام إلى ركب المتسابقين لأن الجميع في سباق ليس مع بعضهم البعض، فهذا يعتمد على قدراتهم الذاتية، إنما السباق في هذه المسابقة مع الزمن، وليس مطلق زمن، بل هو مع عمر الإنسان المحدود مهما امتد، والقصير مهما طال، وهناك عديد من الفرص التي يعجز القلم عن حصرها، وتضيق الصفحات عن تسجيلها، فقليل العبادة يستطيع أن يزيد في موازين حسناته، وذلك بالعمل الصالح الذي يبدأ بـ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وينتهي بإماطة الأذى عن الطريق، فشعب الإيمان كثيرة لا حصر لها، وسبل الهداية متعددة الوسائل، فتبسمك في وجه أخيك صدقة لأنه يوثق العلاقات الاجتماعية بين الناس، وصلة الأرحام عمل مبرور، والبر بالوالدين رفعه الله تعالى مكانًا عليًّا حيث جعله في المنزلة بعد توحيده سبحانه، وشكرهم على ما أسدوه إليك من رعاية وحنان، يلي شكرك لله تعالى، ورد السلام على من عرفت ومن لم تعرف خلق يرضاه الإسلام ويثيب عليه، وكف جوارحك عما نهاك الله تعالى عنه صيانة لها عن الوقوع في المعاصي.
وبعد، فهذا بيان للناس، فإياكم والغفلة مع طول الأمل، فإن موعد الحساب قد اقترب، فداوموا على قراءة قوله تعالى: «اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون».. صدق الله العظيم.

منهاج النبوة

Posted: نوفمبر 14, 2016 in خواطر الجمعة

لم يغادرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى بيَّن لنا ما ينفعنا في حياتنا، وحذرنا مما يضرنا، وذلك من رحمته بأمته، بل بالبشرية جميعها، وذلك لأنه صلوات ربي وسلامه عليه بعث رحمة للعالمين: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء/107، وإذا كان هذا شأنه مع العالمين وفيهم من لم يؤمن بنبوته صلى الله عليه وسلم، فما بالكم بأمته التي آمنت به ونصرته واتبعت النور الذي أنزل معه، فلا شك أنه أكثر رحمة بهم، وأكثر نصيحة لهم.
كان صلى الله عليه وسلم لا يترك فرصة أو مناسبة إلا وينتهزها ليذكر أصحابه (رضوان الله تعالى عليهم) ومَنْ وراءهم من أجيال الأمة الإسلامية المتعاقبة، يذكرهم بالفرص المتاحة، والتي يجب عليهم ألا يضيعوها لأنها إذا فاتتهم فلن تعود إليهم مرة أخرى، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الصحابي الجليل عبدالله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك] المحدث: المنذري. المصدر: الترغيب والترهيب. الحديث إسناده صحيح أو حسن.
هذه فرص خمس قد تتهيأ للإنسان كلها أو بعضها فلا تفرط فيها أيها الإنسان، وسارع إلى الاستفادة منها أقصى ما تكون الاستفادة، فإنها إذا ذهبت فلن تعود، ولن تحقق لك الأماني ما ترغب فيه إن لم تستعن بالفرص المتاحة لك.
الشباب مرحلة من مراحل حياة الإنسان لن تدوم معه، وأن تقدمه في العمر سوف يجعله يغادر مرحلة الشباب، وهي فرصة يجب على الإنسان أن ينشط فيها قدر استطاعته، وأن يغتنمها حتى لا يندم على فواتها حين يدركه الهرم، وتعجز جوارحه عن الاستجابة لسعيه وتحقيق ما يتمنى.
والصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه الأصحاء أنفسهم، ولكن المرضى هم من يراه ويتمنى أن يلبسه ويتزين به.
إذن، فالصحة مهما طال بقاؤها معك فلا بد لها من يوم تغادرك فيه، فلا تضيعها واغتنم سلامة جسمك من الأمراض والأوجاع، واعمل قدر ما تستطيع لتستثمر صحتك قبل سقمك، ولا تركن إلى الكسل والخمول.
والغنى طارئ على الإنسان، ولن يبقى معك طويلا وعليك أن تستفيد من حلوله ضيفًا عليك، وتستثمره قدر ما تستطيع، وأن تعمل فيه وبه بما أمرك مولاك سبحانه حين قال: {وأمَّا بنعمة ربك فحدّث} الضحى/11، فإن شكر النعمة ضمان لاستدامة بقائها بين يديك، قال سبحانه: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}إبراهيم/7.
والفراغ من الأشغال نعمة لا تضيعها، فإنها إذا ذهبت، فلن تعود، قال صلوات ربي وسلامه عليه:[نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] رواه الإمام البخاري في صحيحه.
أيها الإنسان، بين يديك نعم جليلة فلا تضيعها، وسارع إلى اقتناصها، واجعلها مصدرًا من مصادر الخير والعطاء، فإن نفسك الأمَّارة بالسوء إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن أرخيت لها العنان، وألقيت حبلها على غاربها قادتك إلى النفس الفاجرة التي تعين الشيطان عليك، فاحذر أن يجد الشيطان في فراغك مرتعًا خصبًا، فيبذر فيه بذور الشر، ويتعهدها بالرعاية والعناية، فتصير شجرة ملعونة تصطلي بنارها يوم الدين حيث لا ظل إلا ظل الله سبحانه.
وآخر هذه الفرص الخمس التي يحضنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على اغتنامها هي أن تغتنم حياتك قبل موتك، فإنك أيها الإنسان ضيف على هذه الحياة، وأنك سوف تغادرها وإن طال فيها بقاؤك، فعليك ألا تبخس هذه الفرصة الجليلة حقها، ولا تهدرها في السيئ من الأقوال والأفعال والأحوال، واستثمر كل لحظة من لحظات عمرك في فعل الخير، وقول المعروف، فأنت لا تدري متى يأتيك الموت، واعمل بمقتضى قوله سبحانه لنبيه ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم): {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} الحجر/99، والعبادة هنا ليست هي أركان الإسلام فقط، بل هي كل قول، وكل فعل يرضى الله تعالى عنه، ويثقل موازين حسناتك يوم القيامة.
هذه فرص تستوعب حياة الإنسان: شبابًا، وصحة، وغنى، وفراغًا، وحياة.
هي فرص ثمينة لا يقدرها كثير من الناس، خطرها جليل، وأثرها عظيم حتى إذا ذهبت ندم الإنسان على فواتها حيث لا ينفع الندم.

عانى المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشد أنواع العذاب والتنكيل على يد مشركي مكة، وكان الصراع محتدمًا بين الفئة المؤمنة، المصدقة بما جاء به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) من ربه سبحانه، وبين الفئة الكافرة التي استماتت في الدفاع عن مصالحها، هذه المصالح التي تعتبر بالنسبة إليها حياة أو موتا، وكان أشد ما واجهته قريش من الدعوة الجديدة هي أنها جعلت الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا، قال تعالى:{ أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} سورة ص/5.
نعم لقد كان الخطب جليلاً، هم يعتاشون على هذه الآلهة، وتؤمن لهم طرق التجارة في رحلتي الشتاء والصيف، لأن لكل قبيلة من هذه القبائل التي تتعامل معها قريش إلهًا تعبده من دون الله تعالى، فإذا اعتدت قبيلة من هذه القبائل على قوافل قريش منعتها قريش من زيارة إلهها، لهذا كانت هذه الآلهة بمثابة الضمان لأمن قوافلها التجارية.
إذن، فالعامل الاقتصادي، وتهديد تجارة قريش التي هي شريان الحياة بالنسبة لقريش، كان ذلك وراء الحرب الضروس التي تشنها قريش ضد الدعوة الجديدة، والتعرض لأتباعها بالتعذيب الشديد، وبقدر تنامي أعداد المسلمين الداخلين في الإسلام، وبقدر التفاف المسلمين حول صاحب الدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تشتد الحرب، وتتعدد وسائلها من أجل القضاء على الدعوة في مهدها، وعلى صاحب الدعوة وأتباعه قبل أن يشتد عودهم، وتقوى شوكتهم، لهذا كانت الهجرة من مكة إلى المدينة هي الخيار الأنسب، بل هي الخيار الوحيد أمام القلة المؤمنة، حيث يجدون الأمان والحريّة في ممارسة شعائر دينهم وشرائعه، وبالتالي صارت الهجرة هي الحل العملي الوحيد الذي يفتح أمام المسلمين الطريق لنشر الدين الجديد.
لقد كانت الهجرة المباركة عملاً إيمانيًّا مبرورًا حيث فرق القرآن الكريم بين المؤمنين المهاجرين قبل الفتح والمهاجرين بعد الفتح، فقال تعالى: «وما لكم ألا تُنفِقُوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير» الحديد/10.
الإسلام لا يساوي بين من تجشم عناء الهجرة وترك الأهل والولد والمال، وبين من لم يهاجر في سبيل الله تعالى، لا شك أن المهاجرين قبل الفتح أعظم درجة عند الله تعالى، ولكن الإسلام من عدله ورحمته لم يحرم من لم يهاجر لأسباب خارجة عن إرادته من الأجر، ولقد نصت الآية الجليلة (10) من سورة الحديد على ذلك، غير أن الإسلام يريد دائمًا من أتباعه والذين نالوا شرف الانتماء إليه أن يكونوا شامة بين الناس في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم.
والسؤال الآن هو: لقد نال المهاجرون الأولون عظيم الأجر بهجرتهم إلى الله تعالى، وتحملوا في سبيل ذلك الصعاب، ترك الأهل والولد، فما ذنب من لم يتح له هذا الشرف العظيم؟ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) لم يحرم المسلمين الذين فاتهم شرف الهجرة الأولى من الأجر، فجعل جهادهم ونيتهم الصادقة يعدل أجر تلك الهجرة، يقول صلوات ربي وسلامه عليه (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه، أخرجه مسلم برقم(1864)، والبخاري برقم(3080).
وإذا كانت الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة قد توقفت بعد الفتح، وهي لا شك عظيمة، فإن الهجرة إلى الله تعالى ستظل مستمرة ولن تتوقف، فالمهاجرون في ميزان الإسلام، وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) متفق عليه، فالمسلم بهذا الوصف في هجرة دائمة، إذا صدقت نيته، فهو يغالب هواه ونفسه الأمارة بالسوء لينال شرف الهجرة التي لم يسعده الحظ في نيلها مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

العيد الأكبر

Posted: نوفمبر 14, 2016 in خواطر الجمعة

جاء يهودي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فقال له: في كتابكم آية لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا اليوم الذي نزلت فيه عيدًا!!، قال له عمر (رضي الله عنه): أعرف هذه الآية، وأعرف اليوم الذي نزلت فيه، ونحن نتخذها عيدًا، إنها قوله تعالى: «..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا». (المائدة/3).
نزلت هذه الآية يوم عرفة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع، ومنذ ذلك اليوم والمسلمون يتخذون من ذلك اليوم عيدًا أكبر، وهو عيد الأضحى المبارك، وهو العيد الأكبر عند المسلمين، وحق له أن يكون كذلك أولاً: لعظمة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية، وثانيًا: لكونها ختامًا لهذا الدين، وبها أكمل الله تعالى الدين للأمة الإسلامية، بل لا نبالغ إذا قلنا للبشرية كلها لأن الدين عند الله هو الإسلام، وهو الذي بشريعته ختم الله تعالى الشرائع كلها، وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) ختم الله تعالى به الأنبياء والرسل الكرام، وبمعجزته وهي القرآن الكريم ختم الله تعالى به المعجزات التي أنزلها على الأنبياء جميعًا، وبأمته ختم الله تعالى بها الأمم كلها، فهي الأمة الوحيدة التي جعلها الحق سبحانه وتعالى الأمة الشهيدة على الأمم جميعها لا نقول هذا تفاخرًا وتباهيًا، بل نقوله إحساسًا بالمسؤولية العظيمة التي جعلها الله تعالى في أعناقنا، وهي الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها الأمة الإسلامية على عاتقها، إنها أمانة التكليف التي تنوء بها الجبال الرواسي، والأرض على اتساعها وثباتها، والسموات على علوها وتماسكها.
إنه العيد الأكبر الذي ختم الله تعالى به الشرائع كلها، وهي الشريعة التي حفظ الله تعالى مصادرها حين قال سبحانه:«إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر/9).
إنه العيد الأكبر الذي حفظ الله تعالى كتابه من أي تحريف أو تبديل، فقال سبحانه: «..وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)» (فصلت).
إنه العيد الأكبر الذي يسر الحق سبحانه كلامه للخلق، قال تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» (القمر)، كررها سبحانه أربع مرات في الآيات: 15،22،32،40 من سورة القمر، وربما يكون من أسرار هذا التيسير وتكراره أن القرآن بخلاف جميع الكتب المنزلة على أنبياء الله تعالى ورسله (على رسولنا وعليهم الصلاة والسلام)، إنه ليس كتابًا عاديًا يتقرب المسلمون إلى الله تعالى بتلاوته، بل هو منهاج حياة، قال تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا» (الإسراء/9)، وقال عنه سبحانه: «قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى(124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بَصِيرا (125) قال كذلك أتتك آيَاتِنَا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126)» (طه)، ولو كانت هذه الآيات لمجرد التلاوة والتقرب إلى الله تعالى بها لما ربط الله تعالى الهداية باتباعها، والإضلال والضنك بالإعراض عنها، ولهذا أمرنا الله تعالى بالجهاد بالقرآن، فقال سبحانه: «فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرا» (الآية 52)، والجهاد بالقرآن ليس مقصورًا على تلاوته في المساجد والمناسبات وتبقى أقوالنا وأعمالنا مخالفة له، بل حقيقة الجهاد بالقرآن أن نٌفَعِلْ أوامره ونواهيه في حياتنا، وأن نتخلق بأخلاقه التي أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالتمسك بها حين قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الإمام مالك.
ذلكم هو العيد الأكبر الذي يذكر الأمة الإسلامية كل عام بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، والتي نالت بها شرف الخاتمية على الأمم جميعها وسوف تسأل عنها يوم القيامة حفظتها أم ضيعتها؟!

بين قوله تعالى: «إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم» التوبة /40.
وقوله جل جلاله في سورة النصر حين قال تبارك اسمه وتقدست صفاته: «إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2)» النصر
بين هذه السورة التي بشر الله تعالى فيها رسوله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين من بعده بأن انتصارات المسلمين ستتوالى،وسوف يتضاعف عددهم ليبلغ المليار ونصف مليار، وسوف يقوون بعد ضعف، ويكثرون بعد قلة، وأنهم اليوم مطاردون من أعدائهم، ولكنهم في الغد سوف تقبل عليهم الأمم تطلب ودهم،ويغرفون من فيض علمهم، وسوف تكون لهم دولة عالية البنيان، شديدة الأركان، يهابها الأعداء،ويسعى في طلب صداقتها الأصدقاء وهذا ما تحدثنا به سورة النصر التي جاءت لتبشر المسلمين بأن الله تعالى قد أخذ العهد على نفسه أن ينصرهم، ويؤيدهم إذا استقاموا على الجادة.
إذاً، فبين الآية التي ذكرناها في بداية حديثنا وبين سورة النصر مفازات قطعها المسلمون وهم ملتزمون بما أمرهم الله تعالى، منتهون عما نهاهم عنه.
في قوله تعالى: «إلا تنصروه فقد نصره الله..» إعجاز قرآني جمع الله تعالى في الآية بين الفعلين الماضي والمضارع، فقوله سبحانه: «إلا تنصروه..» فعل مضارع يفيد الحال والاستقبال أي: أنكم أيها الكفار لن تنصروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا الآن ولا في المستقبل، وهو صلوات ربي وسلامه عليه في غير حاجة إلى نصركم لأن الله تعالى قد نصره في الماضي، وذلك حين قال سبحانه:«فقد نصره الله..» أي أن الله تعالى قد أخذ العهد على نفسه بأن ينصر رسوله (صلى الله عليه وسلم) ليبلغ رسالة ربه، وتتفق سورة النصر مع الآية (40) من سورة التوبة في التعبير بالفعلين: الماضي والمضارع في قوله تعالى: «إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا(2)»، فمجيء النصر قديم وقد تحقق في الماضي الذي عبرت عنه السورة بـ(جاء)، وأما عن دخول الناس في دين الله، أي في الإسلام، فعبرت عنه السورة بقوله تعالى: بـ(يدخلون)، إذاً فالدخول في الإسلام بدأ وهو مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والعجيب أننا حين نربط الآية التي ذكرناها من سورة التوبة بسورة النصر سوف نجد أن هناك واقعاً يوافقهما، وهو نجاح الرسول (صلى الله عليه وسلم) في إقامة دولة الإسلام العظيمة في المدينة المنورة، وتنامي أعداد المسلمين من ثلاثمائة وأربعة عشر مسلما في غزوة بدر إلى مائة وعشرين ألفا في حجة الوداع إلى ما يربو على المليار ونصف المليار مسلم في القرن الرابع عشر الهجري.
وبعد، فإن الهجرة العظيمة التي يتجلى هلالها في السماء كل عام، ويستعيد فيها المسلمون ذكريات المجد والعزة والكرامة كانت البداية العظيمة الجليلة لنصرة الإسلام، وبلوغ المسلمين الغايات التي أرادها الإسلام لهم، وستظل الهجرة فعلا إيجابيا وليس فعلاً سلبياً يراه بعض الناس من الذين أسرفوا على أنفسهم ويرون في الهجرة هروباً عن مواجهة واقع عانى منه المسلمون طويلاً، وعلى الرغم من أن الهجرة قد توقفت بعد فتح مكة إلا أنها بقيت في معناها، قال صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه، والأمة الإسلامية سوف تظل بخير ما بقيت هجرتها إلى الله تعالى، وما استعادت وعيها الحضاري الذي أنشأت بموجبه حضارة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، حضارة تحرسها القيم، ويسوسها العدل،وترعاها الرحمة.

متى يستحق المسلم أن يقول: بملء فيه أنا مسلم؟ هل بمجرد نطقه بالشهادة إذا كان داخلاً لتوه في الإسلام، أو أن يكون ابناً لوالدين مسلمين ورث الإسلام عنهما أم هناك استحقاقات لا بد من أن يقدمها المسلم لتصح نسبته إلى الإسلام؟!.
سؤال يفرض نفسه علينا في هذا العصر الذي كثر فيه المدعون نسبتهم إلى الإسلام، ثم لا نرى لهم في واقع حياتهم ما يؤيد هذا الادعاء ويعضده، وسنجد أن القرآن الكريم لم يغفل عن هذه القضية المهمة، بل أفرد لها بعض آياته الدالة عليها، والمبينة لحقيقتها، يقول تعالى: «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين» فصلت/ 33، وانظروا إخوتي وأخواتي كيف أخر الحق تبارك وتعالى التعريف ونسبة المسلم إلى جماعة المسلمين، وقدم القول الحسن والعمل الصالح، وذلك ليدلل سبحانه وتعالى على أهمية العمل الصالح والقول الحسن في حياة الناس، وأن الإسلام يشدد النكير على من يخالف قوله فعله قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)» الصف.
إذاً، فالشرطان الأساسيان على صدق ادعاء المسلم أنه ينتمي إلى جماعة المسلمين هما: القول الحسن والعمل الصالح.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي قدم لنا فيه تعريفاً جامعاً مانعاً للمسلم، فقال فيما رواه الشيخان في صحيحيهما: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..).
إذاً، فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) يربط صحة الانتساب إلى الإسلام بما يصدر عن الشخص من سلوك يعود على الناس، المسلمين منهم وغير المسلمين بالنفع، وبقدر ما يحقق المسلم بسلوكه السلام لغيره يكون مسلماً صحيح الإسلام، لأن جميع من يعيش في البلاد الإسلامية مواطنون دائمون أو غير دائمين لهم كامل الحقوق التي يتمتع بها المسلمون لأن الجميع تجمعهم صفة المواطنة.
والسؤال الذي يحضرنا الآن هو: ما نفع القيم الإسلامية التي جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لإكمالها كما قال في الحديث المشهور الذي رواه الإمام مالك، وهو قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)؟ ما نفع هذه القيم مهما عظمت إذا لم يكن لها تجسيد حي على أرض الواقع؟! بل إن الإسلام يدعونا إلى مخالفة مشاعرنا وأحاسيسنا إذا كانت هذه الأحاسيس وتلك المشاعر سوف تحول دون وصول الحق إلى أهله، ويطلب منا، بل يفرض علينا أن نسمو على مصالحنا الخاصة، ونخلفها وراءنا غير نادمين عليها، فيقول سبحانه وتعالى: «.. ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» المائدة/8.
والآية الجليلة واضحة الدلالة، ولا تحتاج إلى مزيد من البيان، وهي تقول: لا تجعلوا بغضكم لقوم وكراهيتكم لهم سبباً يمنعكم من أن تعدلوا وتعطوا أصحاب الحقوق حقوقهم، بل يجب أن يكون الحق، والحق وحده، هو رائدكم في تعاملاتكم مع الآخر حتى وإن كُنتُم تضمرون له الكراهية والبغضاء، والإسلام يقدم لنا نماذج من سلوك المسلمين مع أصحاب الملل الأخرى، فها هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينصف يهودياً حاول بعض المسلمين تلفيق تهمة السرقة له، فنزل قرآن يبرئه، والصديق أبوبكر (رضي الله عنه) أراد أن يمنع عطاءه الذي اعتاد بذله إلى أحد أقاربه لما علم أن لهذا القريب يدا في إشاعة مقالة السوء عن ابنته الصدِّيقة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم)، فنزل قرآن ينهاه عن ذلك، ويرغّبه في استمرار البر بهذا القريب على الرغم مما صدر عنه، فاستجاب الصديق لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، بل زاد في عطائه!
والفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنصف أحد المسلمين من نفسه حين دفع إليه الدرة، وطلب منه أن يقتص منه لوخزة وخزه إياها في السوق، فأبى الرجل ذلك، ووكله إلى الله تعالى، والإمام علي (رضي الله عنه) حاكم اليهودي الذي وجد درعه عنده إلى القاضي، وكيف حكم القاضي لصالح اليهودي، وخضع الإمام (رضي الله عنه) لحكم القاضي الذي كان في صالح اليهودي، وكان الإمام علي (رضي الله عنه) في ذلك الوقت أميراً للمؤمنين!
إنها نماذج باهرة لا يزال التاريخ الصادق يحتفي بها، وينوه بسمو القيم التي كانت ترسم للمسلمين طريق العدالة والسمو، فإذا تحقق كل ما ذكرناه، يحق للإنسان بعد ذلك أن يفاخر بأنه مسلم صحيح الإسلام، ويواجه من يشكك في إسلامه بما يفعله في حياته، وفي سلوكه اليومي مع الناس.

ربما يتساءل البعض: ما الداعي إلى تجديد الحديث في قضية الإفك التي حسمها القرآن الكريم في سورة النور، ووضع فيها النقاط على الحروف، واستبان الحق فيها، ووضحت الحجة بالأدلة والبراهين القاطعة على براءة الطاهرة المطهرة أم المؤمنين عائشة (رضوان الله تعالى عليها)؟
نقول لهؤلاء: الموجب الذي اقتضى إعادة الحديث في هذه القضية هو أن أعداء الإسلام، وأعداء رسوله (صلى الله عليه وسلم) ما فتئوا يجددون الحديث في هذه القضية، ويُثيرون الشبهات حول طهر أم المؤمنين رضوان الله تعالى عنها، ووجدنا أنه من الواجب علينا الذي قد يصل إلى أن يكون فرض عين على كل مسلم أن يدافع عن الصدِّيقة الطاهرة، ويفعل ذلك تقربا إلى الله تعالى، ونصرة لرسوله ومصطفاه (صلوات ربي وسلامه عليه)، ودفاعًا عن أمهاتنا، أمهات المؤمنين(رضوان الله تعالى عليهم)، كان فرضًا عينيًا أن نجدد قراءة الأدلة التي قدمتها سورة النور، ونتدبر دلالاتها، وهذه السورة الجليلة بدأت الحديث عن القضية التي سوف تشغل المجتمع المسلم، فنصت السورة في بدايتها على تحريم الزنا الذي سوف يكون له شبه علاقة بالقضية التي طرحتها السورة الجليلة، يقول تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون(1) الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين(2)} سورة النور.
والسؤال الذي يفرض نفسه، ولا مجال لرده أو إنكاره هو: إذا كانت السيدة الطاهرة المطهرة عائشة زوج النبي(صلى الله عليه وسلم)، ورضي الله تعالى عنها قد ارتكبت الفاحشة وحاشاها أن تفعل ذلك، فلماذا لم يطلقها الرسول(صلى الله عليه وسلم) وظلت في عصمته حتى وفاته صلوات ربي وسلامه عليه؟ بل المشهور إلى حد التواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات في حجرها، ورأسه الشريفة إلى نحرها، فهل هذه معاملة زوج لزوجة حامت حولها مثل هذه الشبهات فضلا عن أنها وقعت في المعصية كما يدعون؟ هذه واحدة، وأما الثانية فهي: لِمَ لًَمْ يُقم عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حد الزنا، وهو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم؟ وهو القائل لأسامة بن زيد(رضي الله عنه) وتعلمون من هو أسامة، إنه الحب بن حب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عندما جاءه يتشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، غضب صلى الله عليه وسلم على أسامة، وقال له: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم صعد المنبر خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الذين قبلكم، أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (رواه مسلم في صحيحه)، وحاشاها رضوان الله تعالى عليه أن تفعل ذلك، ولكنه أراد صلى الله عليه وسلم أن يؤكد أنه لا شفاعة في الحدود، وإذا كان هذا شأنه مع ثمرة فؤاده الزهراء رضوان الله تعالى عليها، فإنه لا شك سوف يعامل زوجه نفس المعاملة، ولا يقبل شفاعة أحد فيها حتى ولو كان صاحبه وخليله الصديق أبوبكر رضي الله تعالى عنه، والتاريخ الصادق يشهد أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم حد الزنا على زوجه ولم يأمر به.
أيضًا فإن السورة العظيمة تقرر فيما لا مجال فيه للرد أو الطعن أن الطيبات للطيبين، والطَّيِّبُون للطيبات، وأن الخَبِيثَات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، فيقول تعالى وهو يقرر هذه الحقائق: {الخَبِيثَات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطَّيِّبَات للطيبين والطَّيِّبُون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} النور/26.
والسؤال هو: هل هناك مؤمن فيه ذرة من الإيمان يقول أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) ليس من الطيبين الذي يستحقون الطيبات من النساء؟ وهذا دليل آخر أيضًا على طهارة وعفة أم المؤمنين سيدتنا عائشة(رضوان الله تعالى عليها)، ومحال أن يختار الله تعالى لرسوله ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم) زوجًا تحوم مجرد حولها الشبهات فضلاً عن أن تقع في المعصية، ونلاحظ أن حديث القرآن عن زوجتي نبي الله نوح، ونبي الله لوط(عليهما الصلاة والسلام) ووصفهما بالخيانة لم تكن الخيانة بمعناها الذي يخدش الشرف، بل بمعنى الكفر ومظاهرة الكفار، يقول تعالى: {وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} التحريم/10، فالآية الجليلة هنا ضربت مثلا للذين كفروا وليس للذين زنوا، وبالتالي فالخيانة هنا هي الخيانة الكبرى كما يصفونها في القوانين والدساتير الوضعية وليست لها علاقة من قريب أو من بعيد بجريمة الزنا وما يدور حولها من شبهات، فالله تعالى يصطفي لأنبيائه ورسله الأطهار من النساء لأن هن هم الأسوة لنساء العالمين، وينبغي أن يكن في أعلى وأطهر منزلة، ولقد أثبت الله تعالى لزوجات الرسول (صلى الله عليه وسلم) الطهر والعفاف، فقال تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفًا(32) ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(33)} الأحزاب.
وحينما أراد الحق تبارك وتعالى أن يعلي من منزلة أم المؤمنين عائشة، ويجعل ذكرها في الخافقين أنزل ذكرها في سورة يتعبد المسلمون بتلاوتها في الصلوات وخارجها، وربما العاقون من الذين يزعمون أنهم مسلمون يتجنبون تلاوة هذه السورة الجليلة لأنها تذكرهم بجنايتهم على أمنا عائشة رضوان الله تعالى عليها.
ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على حقيقة لا يمكن أن يتطرق إليها الشك، وهي أن سورة النور هي صك البراءة للصديقة بنت الصديق (رضي الله تعالى عنهما)، وأن الله تعالى فرض علينا تدبرها والعمل بما جاء فيها من أحكام، إذن، فهي سورة محكمة يجب تحقيق مقاصدها، والسمع والطاعة لأوامرها ونواهيها، وأن نقول في بدء قراءتها أو في ختامها «سمعنا وأطعنا» لنتهيأ لما تفرضه علينا من طاعات، وتنهانا عنه من معاصٍ.