Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

صفقات الإسلام

Posted: سبتمبر 11, 2016 in خواطر الجمعة

عطاء الإسلام لا يتوقف عند حد، وثماره اليانعة غير مقطوعة ولا ممنوعة، وأول هذه الثمار، وفي القمة منها عطاء الميلاد الجديد، فالنطق بالشهادتين، وهي الركن الأول من أركان الإسلام، هو بمثابة شهادة ميلاد للإنسان حين يدخل في الإسلام. عن عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: [الإسلام يجبّ ما قبله والتوبة تجبّ ما قبلها]. الشوكاني/ فتح القدير/ الحديث صحيح.
معظم الأركان التي قام عليها بناء الإسلام تؤكد هذا المعنى، فالصلاة مثلاً يمحو الله تعالى بها الذنوب، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، والزكاة تطهر الإنسان وتزكي نفسه وماله.
إذاً، فالصفقات التي يحققها المسلم حين يدخل إلى حمى الإسلام، ويعاهد مولاه سبحانه وتعالى على أن يجده حيث أمره، وأن يفتقده حيث نهاه، وألا يتخلف عن موطن من مواطن البر التي دعاه إليها، وحضّه عليها، وبذل البرّ ليس مقصوراً على المسلمين من أمثالك، بل هو عام لجميع الناس، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين». الممتحنة/8.
هذا من عطاء الإسلام، ومن بره بالآخرين ممن لم يناصروا أعداءه عليه، ولم يرفعوا وسيلة من وسائل الحرب في وجهه، فبره وقسطه يصلان إليهم من دون تأخير، هذا ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين انتصر لليهودي الذي حاول بعض المسلمين إلصاق تهمة السرقة به، وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين رأي يهودياً كفيفاً يسأل الناس، وجعل له راتباً شهرياً، وأسقط عنه الجزية، وقال له: ما أنصفناك، أخذنا منك وأنت قوي، وتركناك وأنت ضعيف. ثم قال لخازن بيت المال: انظر هذا وأضرابه واصنع لهم نفس صنيعنا بهذا. وهذا ما فعله أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حين وجد درعه عند يهودي، فرفع أمره إلى القاضي، فحكم القاضي على أمير المؤمنين لصالح اليهودي لأن الإمام علي لم يكن لديه الدليل على ملكية الدرع، فأكبر اليهودي هذه المعاملة التي لم ير لها نظيراً من حكام زمانه، واعترف للقاضي بأن الدرع للإمام علي سقط منه وهو عائد من إحدى حروبه، ثم أسلم اليهودي، فوهبه الإمام (رضي الله عنه) الدرع.
إن من ضمان الجودة في الإسلام الرقابة الذاتية التي يستشعرها المسلم في حياته، والتي لفتنا إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال لأبي ذَر (رضي الله عنه) حين سأله الوصية، قال له:«اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ابن العربي/ عارضة الاحوذي/ حديث صحيح.
صفقات محروسة بهذا المنهج النبوي الشريف لا بد أن تكون صفقات رابحة مباركة يتنامى خيرها وعطاؤها ولا يتوقف عند حد لمن فعلها، وتبقى في عقبه إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ألم تقرأوا في سورة الكهف قوله تعالى عن الجدار والغلامين اليتيمين: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا». الآية 82.
ثم تأملوا قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يقدم إلينا تعريفاً جامعاً مانعاً للمسلم، فيقول صلوات ربي وسلامه عليه: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..». متفق عليه.
هنا يلفتنا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) إلى ثمرة من ثمرات الإسلام اليانعة، وإلى أثر من آثاره الإيجابية، وذلك حين يرى الناس من آثار العبادات في سلوك المسلم تجاه الناس، لهذا سميت العبادات في الإسلام أركان الإسلام، لأنها بالفعل هي أركان في حياة المسلم لا يسلم له عيش، ولا تطمئن له نفس إلا بها، وأثر العبادات في سلوك المسلم، وفي حسن تعامله مع الناس من بشائر قبول الطاعة، وهي دليل على التوفيق، وهي حجة له أو عليه يوم القيامة.
إذاً، فالإسلام ليس ديناً عادياً كغيره من الأديان، بل هو بمثابة الأكسجين للإنسان، فإذا انعدم هذا العنصر المهم ضاق صدر الإنسان وربما أدركه الهلاك، والهلاك هنا ليس بمعناه المادي أي يموت الإنسان ويوارى الثرى، بل بمعناه القيمي والروحي، وأنه يبقى حياً مع الأحياء لكن حياة كالعدم، يقول سبحانه وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون». الأنعام/125، ومن الحقائق العلمية التي لا يختلف عليها اثنان أن الحياة لا تستغني عن عنصر الاكسجين، فكذلك الحياة الحقيقية ذات القيم والمبادئ لا تستغني عن الإسلام، قال تعالى: «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين». آل عمران/85.
الإسلام ليس علاقة بين الخالق سبحانه والمخلوق فقط، بل هو نظام حياة يرسم معالم الصراط المستقيم للمؤمنين به، الداعين إليه، وهو بمثابة الخريطة الواضحة المعالم التي تبين للمسلم سبل السلام وبغيره يضل الطريق، ويصيبه من الضيق والضنك في حياته الدنيا ما يحول هذه الحياة إلى شقاء دائم، يقول تعالى: «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى». طه/124.
سعادة غامرة وبهجة دائمة بالإسلام، وشقاء مستمر وحزن لا يزول بغيره.. هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وجهنم لا تخبو نارها ولا يهدأ سعيرها لمن عصا وأعرض عن مولاه سبحانه. وعليك أيها الإنسان أن تختار أي الصفقات تريد؟

من عطاء الدعاء

Posted: سبتمبر 11, 2016 in خواطر الجمعة

الدعاء مخ العبادة ولبها، والله تعالى يحب الملحين في الدعاء، ومن المواطن التي يرَغِبْ الرسول (صلى الله عليه وسلم) الدعاء فيها حين يكون العبد ساجداً لله تعالى، لأن العبد في هذا الموطن يكون أقرب ما يكون من مولاه سبحانه، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء] رواه مسلم.
ولقد دعانا الله تعالى إلى أن ندعوه ونلح في الدعاء، ووعدنا سبحانه بالإجابة، فقال سبحانه وتعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} غافر/60.
وقال سبحانه وتعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} البقرة/186، وكان الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: «اللهم إني لا أحمل همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء»، ويشير رضي الله تعالى عنه في هذا إلى قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} وهذا وعد منه سبحانه بالإجابة {.. ومن أصدق من الله قيلا..} النساء/122، {.. ومن أوفى بعهده من الله} التوبة/11.
والدعاء له عطاء وإن لم يظهر للداعي، فإن إجابة الدعاء لها مستويات ثلاث: الأولى أن يتحقق للداعي ما سأل، وهذه أدنى منازل الإجابة، والثانية أن يكفر الله تعالى بالدعاء ذنوب العبد، وهذه منزلة أعلى من الأولى، أما أعلى منازل إجابة الدعاء، فهي أن يدخر الحق سبحانه وتعالى عطاء الدعاء للعبد يوم القيامة لترجح به موازين أعماله، وليحذر الداعي أن يقول: دعوت ولم يُسْتَجب لي، فإن الله تعالى يستجيب للعبد ما لم يستعجل، وإليك عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة بعض عطاء الدعاء، وتدبروا معي هذا الدعاء، وما يحتويه من أمل ورجاء في العطاء، فحين تدعو بقولك: «اللهم ارحمنا فإنك بِنَا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، وألطف بِنَا يا مولانا فيما جرت به المقادير، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا».
هذا الدعاء الجامع والعظيم والعريض الذي استوعب الرحمة، وهي ألا يقع بك ما تكره من البلاء، ويستوعب اللطف، وهو أن ينزل بك البلاء مخففاً، ويستوعب الخاتمة الحسنة التي يتمناها كل مسلم حتى الأنبياء ورسل الله الكرام وفي مقدمتهم إمامهم وخاتمهم محمد (صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً) الذين كانوا يسألون مولاهم سبحانه حسن الخاتمة، ذلك لأن ما يموت عليه المؤمن يبعث عليه يوم القيامة، ومن عطاء هذا الدعاء أن يدرك العبد المؤمن الموت والله تعالى راضٍ عنه، متجاوز لزلاته وهفواته.
سألت السيدة عائشة أم المؤمنين الطاهرة المطهرة (رضوان الله تعالى عنها) رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قالت: إذَا أدركت ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ قال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قولي: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) رواه الترمذي، حديث حسن صحيح.
ودعانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في موطن آخر إلى أن نسأل الله تعالى العفو والعافية، والعفو صحة الروح، وسلامتها من المعاصي، والعافية سلامة البدن من الأسقام، وبهذا وذاك يعين الله تعالى عباده على ذكره وشكره وحسن عبادته، وييسر لهم الالتزام بأوامره ونواهيه، وألا يفتقدهم حيث أمرهم، وألا يجدهم حيث نهاهم.
هذه بعض عطاءات الدعاء، وبعض ما يحققه للعبد المؤمن في الدنيا والآخرة، وإن لم يظهر للعبد أثر دعائه في حياته، فإن الله تعالى يدخره له يوم القيامة، وعلى العبد أن يدعو الله تعالى وهو موقن بالإجابة على أي مستوى من المستويات، شريطة أن يحقق العبد المؤمن في نفسه شروط القبول: أطب مطعمك، أطب مشربك تكن مستجاب الدعاء، وأن يكون وهو يدعو الله تعالى سائراً في الطريق إليه عملاً بقوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} النحل/99.

الكلمة الخبيثة

Posted: سبتمبر 11, 2016 in خواطر الجمعة

تكلمت فيما سبق عن الكلمة الطيبة والحكمة في ربطها بالشجرة الطيبة، وعن الأصول التي تجمعهما، وقلت: إن صفة الثبات هي القاسم المشترك بين الكلمة والشجرة، وإن المثال الذي ضربه الله تعالى للكلمة الطيبة هو الشجرة الراسخة الثابتة جذورها في الأرض، المتنامية فروعها في السماء.
واليوم نتحدث عن الكلمة الخبيثة، وكما أن الإنسان لا يعيش بالطعام والشراب وحدهما, وهما قوام البدن، فإن للكلمة مقاما غير منكور في بناء شخصية الإنسان أو هدمها؛ فالإنسان حين يتناول طعامًا خبيثًا حرمه عليه الإسلام يكون ضرره بالغًا على حياته، وأول هذه الأضرار وأعظمها هي معصية العبد لمولاه سبحانه الذي حرم عليه هذه الأطعمة والأشربة، كذلك يكون للكلام الخبيث، مثل: الغيبة والنميمة والبهتان والكذب، أثر بالغ؛ لأن فيه مخالفة صريحة، ومعصية لأوامر الله تعالى ونواهيه، والله تعالى حين خلق الإنسان خلقه في أحسن تقويم في خَلْقه وخُلُقِه، وليس هذا بأولى من ذاك، يقول تعالى: «ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار» (إبراهيم 26)، نلاحظ هنا أن كلمة «اجتثت» جاءت في هذه الآية في مقابل عبارة «أصلها ثابت» في الآية التي سبقتها من سورة إبراهيم، والبون شاسع جدًّا بين الكلمة الطيبة التي نفعها وعطاؤها دائمان، وبين الكلمة الخبيثة التي لا أصل لها ثابت، وشرها يتنامى بين الناس. وقلت فيما سبق إن ربط الكلمة بالشجرة فيه إشارة واضحة الدلالة إلى النماء والإثمار، سواء في الخير عن طريق الكلمة الطيبة أو في الشر عن طريق الكلمة الخبيثة، ولقد لفت الرسول (صلى الله عليه وسلم) نظر الصحابي معاذ بن جبل (رضي الله عنه) إلى خطورة الكلمة وما تتلفظ به الألسنة في حديث طويل، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
نعم الحصاد قد يكون خيرًا محضًا، وثمارًا طيبة يانعة، وقد يكون شرًّا محضًا، وثمارًا خبيثة مرَّة، ولقد أمرنا الإسلام، وشدد علينا فيما نأخذ وندع من أمور حياتنا، فلا نأكل إلا الطيب من الطعام، ولا نشرب إلا الطيب من الشراب، ولا ننكح إلا الطيبات من النساء، ولا نلبس إلا الحلال من اللباس، ولا نسكن إلا في البيت الحلال الذي لم نغتصبه من أهله، ولم نشتره بالحرام من المال، كل ذلك من أجل أن يبقى الإنسان المؤمن في أحسن تقويم كما خلقه الله تعالى حين تكون كل مقومات حياته من الحلال الطيب، وألا يغادر المؤمن دائرة الحلال في كل شأن من شؤون حياته.
هذه هي الكلمة الخبيثة وما تجلبه لصاحبها من سوء العاقبة في الدنيا والخسران المبين يوم القيامة.

الكلمة الطيبة

Posted: أغسطس 23, 2016 in خواطر الجمعة

حينما أراد الحق تبارك وتعالى أن يتخذ مثالاً على الكلمة الطيبة لم يجد أفضل من الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت راسخ في الأرض، وعطاؤها غير مقطوع ولا ممنوع، فقال سبحانه وتعالى: «ألم تَر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25)» (إبراهيم).
واختيار الشجرة الطيبة من دون باقي الأمثلة المبثوثة في الوجود له علاقة وثيقة بالنماء والرخاء، وأوضح مظهر من مظاهرها أنك تدس البذرة في الأرض، وتتولاها بالعناية والرعاية، وتداوم على الاهتمام بها حتى تتحول هذه البذرة الصغيرة التي قد لا تمثل شيئًا مذكورا في سجل الموجودات، ولكنها تتحول بعد ذلك بقدرة الله تعالى وتوفيقه إلى شجرة عظيمة تتكون منها حدائق ذات بهجة تسر الناظرين، وتأملوا قوله تعالى حين تحدث عن أصل الإنسان وفصله، قال تعالى: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا (1) إنَّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرا (2)» (الإنسان).
هذا الإنسان على عظمته، وعلو شأنه بين المخلوقات، والذي قال الله تعالى عنه: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70)» (الإسراء)، وهو الذي وهبه الله تعالى علمًا لدنيًّا حين علم آدم الأسماء كلها وابتلى الملائكة بذكرها، فعجزت عن ذلك، هذا الإنسان كان أصله نطفة قد تستقذرها النفوس، فإذا قدَّر الله تعالى لها الحياة خلق منها إنسانًا ذَا مواهب وقدرات، ولذلك حين تواصل قراءة سورة الإنسان تكشف لك هذه السورة كيف صارت هذه النطفة إنسانًا سويًّا في أحسن تقويم، يحافظ على العهود والمواثيق، ويجد في كنفه أصحاب الحاجات ما يسد حاجاتهم، وكذلك تشبيه الحق سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في بدايتها ونمائها مثال يلفت إليه الحق سبحانه الأبصار والبصائر إلى أن مبدأ الأمور العظيمة أمور صغيرة.
وحين نستعرض الكلم الطيب نجد في القمة منه كلمة التوحيد التي ينطقها الإنسان فتدخله دائرة المعية مع الله تعالى، وتضفي على أقواله وأفعاله وأحواله القبول الحسن عند الله تعالى وعند رسوله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين.
إنها الكلمة العظيمة الجليلة التي لا يقبل عمل ولا يثاب عليه إلا حين يكون خالصًا لله تعالى، صوابًا على سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
إنها الكلمة التي يُثبِّت الله تعالى بها المؤمن عند الحساب والمؤاخذة، يقول جل جلاله: «يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27)» (إبراهيم).
وتأملوا كلمة «ثابت» في قوله تعالى حين وصف الشجرة الطيبة، قال سبحانه: «أصلها ثابت»، وقال سبحانه عن الكلمة الطيبة:«يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت».
الذين يثبتون على كلمة التوحيد ولا يشركون مع الله تعالى شيئًا، هؤلاء يثبتهم الله تعالى في الآخرة كما ثبتهم في الحياة الدنيا، فالثبات إذا هو القاسم المشترك في القول والفعل، وبقدر ثبات المؤمن على كلمة التوحيد، وحرصه الشديد على ألا تشوبها شائبة من شرك جلي أو خفي، فهو -بعون الله تعالى وتوفيقه- مثبت في الآخرة.. «يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)» (الحج).. «يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37)» (عبس).
في ذلك اليوم العظيم لا ينفع المؤمن إلا الكلمة الطيبة التي رعاها واهتم بها كما يهتم المزارع بأشجاره وثماره.
الكلمة الطيبة.. عطاء متجدد.. ونماء لا يشيخ.. وأمل لا يشوبه يأس أو قنوط.

دعوة مبرورة، وخطاب جليل، وثقة عامرة، فحين يدعو الحق تبارك صفوة خلقه، وصفوة رسله إلى الاستقامة، فهذا من باب أولى دعوة موجهة إلى الأمة بأكملها، وحتى لا يستكبر المسلمون على هذه الدعوة ما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو من هو مكانة عند ربه سبحانه مأمور بذلك، فإنّ الحق تبارك وتعالى لم يعفه من هذا الخطاب، وكل تكليف يخاطب به الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو في الواقع تكليف نحن مخاطبون به، ألم يقل الحق سبحانه لرسوله (صلى الله عليه وسلم):«فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون» (الأحقاف/35).
إذًا، فالاستقامة هي جزء من العمل الصالح، أو هي أحد طرفي معادلة العمل الصالح، الطرف الأول هو: التوحيد الخالص، والطرف الثاني هو: الاستقامة أي حسن الإتباع لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كُنتُم توعدون(30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلاً من غفور رحيم(32)» فصلت. فالاستقامة كلمة جامعة مانعة لكل عمل صالح، وكل سعي مبرور، والعمل الصالح شقان: قول وفعل، وحتى يتحقق التفاعل بين الإيمان والاستقامة لا بدَّ من أن يكون الواحد منهما بصحبة الآخر، وألا يغيب أحدهما عن الآخر، وكما سبق وأن قلنا: إن بين الإيمان والأمان والأمن، والأمانة صلة رحم، فكذلك بين الإيمان والاستقامة صلة قرابة ورحم يجب أن تكون موصولة دائمًا.
وأنت أيها الإنسان حتى تكون مستقيمًا في قولك وفعلك لا بدَّ أن تكون مستقيمًا في جميع أحوالك، وأن تحرص قدر استطاعتك على أن تسير على الصراط المستقيم، فاستقامتك لن تتحقق كما يريدها الله تعالى لك ما لم تلزم نفسك بمتطلبات هذا الصراط التي ذكرتها سورة الأنعام في قوله تعالى:«قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(151) ولا تقربوا مال اليتيم حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذَا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون(152) وأن هذا صِرَاطِي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(153)»، فإذا فعلت ذلك وألزمت نفسك بما ألزمك الله تعالى به، فأنت إنسان مستقيم، ويشهد لك الناس بذلك، وسوف تكون ليس مسلمًا عاديًا، بل سوف يشار إليك بالبنان لأنك صرت من أعلام الصراط الذين ذكرتهم سورة النساء في قوله تعالى: «ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» الآية 69.
ذلكم هو عطاء الاستقامة، وبرها بك، ورعايتها لك، فارعها ترعك، واحفظها تحفظك، وداوم على البحث عن كل ما يعينك على الاستقامة من أعمال البر والخير، وارتق بطموحاتك، وحاول أن تحققها وإن عجزت إمكاناتك عن ذلك، فإنك حين تجدد العزم، وتستنهض الهمة، فأنت تستطيع بالقليل تحقيق الكثير، وفي الوقت القصير تنجز الكثير، فإنّ للبركة أثرا فعَّالا في حياتك، وفي تحقيق طموحاتك.

الوفاء بالعهود من كمال الأخلاق عند المسلم، وعلامة من علامات الجودة في أقواله وأفعاله؛ فالمسلم يعرف بوفائه للعهود التي يقطعها على نفسه، ويحرص على عدم نقضها وذلك لأنه من كمال إيمان المسلم أنه يحب لغيره ما يحب لنفسه، وكما أنه يحب إذا عاهده إنسان أن يفي له بعهده، فإنه واجب عليه أن يفي للناس بعهوده لهم.
والعهود في الإسلام شأنها عظيم حتى لو كانت مع الكافرين، عن عمرو بن الحمق (رضي الله عنه)، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «أيما رجل أمَّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرًا» رواه ابن حبان، وأخرجه في صحيحه.
هكذا الإسلام يفي بالعهود، ويحض أتباعه على الوفاء بها، ولا شأن لهم بإيمان أو كفر من يفون له بعهودهم معه، وأما عقيدة المعاهد الذي ألزموا أنفسهم بالعهد معه، فهذه لا تدخل في التكليف وأمره إلى الله تعالى.
ولقد تعرض المسلمون لمواقف كثيرة امْتُحن فيها وفاؤهم بالعهود، والتزامهم بما يلزمون أنفسهم به من عهود ومواثيق، وها هو الصحابي الجليل حُذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) يحدثنا عن موقف من هذه المواقف، فيقول: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل-والد حُذيفة- قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبرناه الخبر، فقال:«انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» رواه مسلم.
أي عظمة وسمو بلغه المسلمون مع خصومهم، لم يقل الرسول (صلى الله عليه وسلم): الحرب خدعة، وأن الكافرين لا عهد لهم، كما خانوا عهدهم معه (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، بل قال صلوات ربي وسلامه عليه: «نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم».
تلك هي أخلاق من قال الله تعالى عنه: «وإنك لعلى خلق عظيم» القلم/4، والذي قال عن الغاية التي بعث لها: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» الإمام مالك.
والوفاء بالعهد من صفات المتقين، يقول تعالى: «بلى من أوفى بعهده واتقى فإنّ الله يحب المتقين» آل عمران/76.
يا لها من شريعة صدق الله تعالى عندما وصفها بالكمال حين قال: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» المائدة/3.
والوفاء بالعهد فعل إسلامي مبرور لأن الطرف الأساسي في هذا العقد هو الله جل جلاله، ومحال أن ينقض المسلم عهده مع الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون» النحل/91.
ومن هنا ندرك أن الرقابة الإلهية الدائمة على أقوال المسلم وأفعاله هي مصدر الجودة، وهي كذلك ضمان استمرارها، وذلك لأن الله تعالى شهيد ورقيب على المسلم، وهو سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، والمسلم لا يبلغ درجة الإحسان حتى يحقق في نفسه وفي أحواله حقيقة الإحسان، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في جوابه لجبريل (عليه السلام) حين سأله عن الإحسان، قال له: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» رواه مسلم، وأخرجه برقم (8).

تحروا الصدق

Posted: يوليو 20, 2016 in خواطر الجمعة

حين يريد الإسلام التأكيد على أمر من الأمور, والحرص على طلبه, فإنه يأمر أتباعه بقوله: تحروا هذا الفعل أو ذاك, فإن في التحري معنى الحرص والمداومة على طلب الشيء والإلحاح في طلبه, فمن ذلك تحري هلال الشهر المرتبط بعبادة من العبادات, أو ركن من الأركان كما هو الحال في تحري هلال رمضان لارتباطه بعبادة الصيام, وتحري هلال شوال للخروج من عبادة الصيام, وتحري هلال العيد, ثم تحري هلال شهر ذي الحجة لارتباط هذا الشهر بعبادة الحج, وهو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي التحري أيضا الاستقصاء، قال صلى الله عليه وسلم: «تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه, فإن فيه النجاة» ابن أبي الدنيا.إسناده جيد.
والصدق صفة عظيمة يجب أن يتصف بها أهل التقوى, يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». (التوبة/119).
وأما أن في الصدق النجاة من المهالك فإن ذلك ما أكّده رسول الله (صلى الله عليه وسلم), حين قال: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة, وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا, وإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (6094), ومسلم برقم (2607).
إذن, فالصدق يهدي إلى البر, والبر يهدي إلى الجنة ومطلوب من المسلم أن يتحرى كل سبيل يؤدي به إلى الجنة, والصدق وتحريه هو السبيل إلى ذلك, وكما سبق وأن قلنا إن هناك جائزة تنتظر الذي يمتنع عن الكذب، هي بيت في وسط الجنة، وإن كان مازحا, وإذا كانت هذه الجائزة الكبيرة لمن يترك الكذب في المزاح، فما بالكم بمن يترك الكذب وهو جاد؟ لا شك أن مكانته عند الله تعالى كبيرة, وجائزته مجزية.
وفي الصدق فوق أنه نجاة من المهالك وسبيل المؤمن إلى الجنة, فإنه كذلك طمأنينة يشعر بها المسلم حين يصدق في أقواله وأفعاله, فعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) قال: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإنّ في الصدق طمأنينة, والكذب ريبة», رواه الترمذي, وقال: حديث صحيح.
وفي الصدق بركة وتوفيق ونماء، فعن أبي خالد حكيم بن حزام (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (2079), ومسلم برقم (1532).
إن أساس العلاقة بين الناس هو الصدق في التعامل, ويكون ذلك في البيع والشراء أوجب لأن في ذلك مصالح العباد, وتيسيرا لحوائجهم, فإذا حرص البائع والمشتري على أن يكون الصدق هو وسيلة التعامل فيما بينهما فإنهما بذلك قد ضمنا البركة والتوفيق كما وعد بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعل من ثمار الصدق في التعامل هو البركة في بيعهما, فالبائع وفق في الحصول على الثمن الذي يريده من المشتري, والمشتري حصل على البضاعة التي يرجوها من البائع مما يعزز الثقة فيما بينهما, ويديم التعامل في صفقات قادمة, وبهذا تستقيم الحياة التجارية وتسود الثقة بين الناس جميعا والذين لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بالبائعين والمشترين, فالمشتري يشتري البضاعة إما لاستعماله الخاص وإما لبيعها إلى أناس آخرين, والبائع يبيع ما عنده من بضاعة ليشتري أخرى هو في حاجة إليها, وهكذا يؤدي المال دورته ويحقق المصلحة الخاصة والعامة لمن يملكه.
أرأيتم ما يؤدي إليه الصدق في التعامل من منافع للناس وشيوع للثقة فيما بينهم، وينشر الأمن والاطمئنان في حياتهم، وذلك من ضمان الجودة في الإسلام وفي الأخلاق.