Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

تحروا الصدق

Posted: يوليو 20, 2016 in خواطر الجمعة

حين يريد الإسلام التأكيد على أمر من الأمور, والحرص على طلبه, فإنه يأمر أتباعه بقوله: تحروا هذا الفعل أو ذاك, فإن في التحري معنى الحرص والمداومة على طلب الشيء والإلحاح في طلبه, فمن ذلك تحري هلال الشهر المرتبط بعبادة من العبادات, أو ركن من الأركان كما هو الحال في تحري هلال رمضان لارتباطه بعبادة الصيام, وتحري هلال شوال للخروج من عبادة الصيام, وتحري هلال العيد, ثم تحري هلال شهر ذي الحجة لارتباط هذا الشهر بعبادة الحج, وهو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي التحري أيضا الاستقصاء، قال صلى الله عليه وسلم: «تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه, فإن فيه النجاة» ابن أبي الدنيا.إسناده جيد.
والصدق صفة عظيمة يجب أن يتصف بها أهل التقوى, يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». (التوبة/119).
وأما أن في الصدق النجاة من المهالك فإن ذلك ما أكّده رسول الله (صلى الله عليه وسلم), حين قال: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة, وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا, وإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (6094), ومسلم برقم (2607).
إذن, فالصدق يهدي إلى البر, والبر يهدي إلى الجنة ومطلوب من المسلم أن يتحرى كل سبيل يؤدي به إلى الجنة, والصدق وتحريه هو السبيل إلى ذلك, وكما سبق وأن قلنا إن هناك جائزة تنتظر الذي يمتنع عن الكذب، هي بيت في وسط الجنة، وإن كان مازحا, وإذا كانت هذه الجائزة الكبيرة لمن يترك الكذب في المزاح، فما بالكم بمن يترك الكذب وهو جاد؟ لا شك أن مكانته عند الله تعالى كبيرة, وجائزته مجزية.
وفي الصدق فوق أنه نجاة من المهالك وسبيل المؤمن إلى الجنة, فإنه كذلك طمأنينة يشعر بها المسلم حين يصدق في أقواله وأفعاله, فعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) قال: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإنّ في الصدق طمأنينة, والكذب ريبة», رواه الترمذي, وقال: حديث صحيح.
وفي الصدق بركة وتوفيق ونماء، فعن أبي خالد حكيم بن حزام (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه, أخرجه البخاري برقم (2079), ومسلم برقم (1532).
إن أساس العلاقة بين الناس هو الصدق في التعامل, ويكون ذلك في البيع والشراء أوجب لأن في ذلك مصالح العباد, وتيسيرا لحوائجهم, فإذا حرص البائع والمشتري على أن يكون الصدق هو وسيلة التعامل فيما بينهما فإنهما بذلك قد ضمنا البركة والتوفيق كما وعد بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعل من ثمار الصدق في التعامل هو البركة في بيعهما, فالبائع وفق في الحصول على الثمن الذي يريده من المشتري, والمشتري حصل على البضاعة التي يرجوها من البائع مما يعزز الثقة فيما بينهما, ويديم التعامل في صفقات قادمة, وبهذا تستقيم الحياة التجارية وتسود الثقة بين الناس جميعا والذين لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بالبائعين والمشترين, فالمشتري يشتري البضاعة إما لاستعماله الخاص وإما لبيعها إلى أناس آخرين, والبائع يبيع ما عنده من بضاعة ليشتري أخرى هو في حاجة إليها, وهكذا يؤدي المال دورته ويحقق المصلحة الخاصة والعامة لمن يملكه.
أرأيتم ما يؤدي إليه الصدق في التعامل من منافع للناس وشيوع للثقة فيما بينهم، وينشر الأمن والاطمئنان في حياتهم، وذلك من ضمان الجودة في الإسلام وفي الأخلاق.

المساجد بيوت الله تعالى في الأرض باختيار البشر، وهي مصدر الطاقة الإيمانية المتجددة، قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة..} النور.
الترخيص لبناء المساجد له مصدران، ترخيص للمكان، وهذا نحصل عليه من الجهات المختصة كالبلديات وغيرها، وترخيص للمكانة، وهذا إذن نستصدره من الله تعالى.
إذن، فالمساجد لها مكان ولها مكانة، المكانة من الله تعالى، والمكان من الناس، ولهذا لا يصح سؤال الضالة في المسجد لأن هذه لها مكان آخر غير المسجد.
في المساجد التي هي بيوت الله تعالى يتجلى فيها الحق تبارك وتعالى على عباده بالقبول والتوفيق والسداد، وهي مصدر للطاقة الإيمانية المتجددة، وللعمل الصالح، والمصلي حتى يصح نسبه الإيماني لا بد من أن يعمل صالحًا مع الإيمان، ولقد تضافرت النصوص من القرآن الكريم على الحض على الإيمان والعمل الصالح من مثل قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كُنتُم توعدون(30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون(31) نزلاً من غفور رحيم(32)} فصلت.
يا له من عطاء ثرٍ، وآلاء جليلة، ولكن يلزمها حتى تتحقق التفعيل والمزاوجة بين الإيمان والعمل الصالح.
في المسجد حين ترص الصفوف، ويهتف الإمام ب«الله أكبر» تتداعى بين يدي المصلين الدنيا بكل زخارفها ومتعها الزائلة لأن الله تعالى أكبر من ذلك كله، ثم يقف المصلي ليبث مولاه سبحانه شكواه، وغمه وحزنه، ويستمطر منه سبحانه الرحمات، ويسأله المغفرات، ويقدم بين يدي مولاه سبحانه فروض الطاعة والولاءات، ثم يستصغر كل ما يواجهه في هذه الحياة من منغصات وبلاءات، لأنك أيها المصلي تتوكل على الحي الذي لا يموت، وعلى القوي الذي لا يضعف، وعلى الغني الذي لا يفتقر سبحانه.
يشعر المصلي وهو يغادر المسجد بأنه قد تزود بطاقة تعينه على مواصلة حياته بقوة ونشاط، وأنه قد وضع حياته وهمومه بين يد أمينة رحيمة، إنها يد القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلى المصلي الذي خرج من المسجد بعد أن أدى فروض الطاعة والولاء، وتحفّه الأنوار، أنوار الطهر والقبول، عليه ألا يفسد كل ذلك بفعل طائش، أو تصرفٍ شائن، وأن يصحب معه وهو خارج من مصدر الطاقة الإيمانية المتجددة، المناعة الإيمانية التي تجعله محاطًا برعاية مولاه سبحانه وتعالى حتى يحين موعد لقائه الآخر معه سبحانه، وذلك في فريضة أخرى من فرائض الصلوات، والمسلمون في خير ما حافظوا على هذه الصِّلة بالصلاة، ولقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال له: إني قد أذنبت!! فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «هل صليت معنا؟ قال الرجل: نعم، قال: لقد غفر لك»!
وهنا يلزم أن ننبه على أن الذنب الذي تحدث عنه الرجل ليس من الكبائر، لأن الكبائر يلزمها توبة لها شروطها الخاصة بها، وخاصة عندما يكون الذنب في حق أحد من الناس.
إذن، فالمساجد ليست أماكن للتسلية، أو لقضاء أوقات الفراغ، وأن الإنسان حين يدخلها ثم يخرج منها لا تترك فيه أدنى أثر، إنها بيوت الله تعالى في الأرض، من دخلها كان آمنًا، وفيها من الأنوار والهدايات الربانية ما يحتاج إليها الناس ليخرجوا من الضنك الذي يصاحب دائمًا من يشرد عن منهاج الله تعالى، يقول سبحانه وتعالى: {قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123) ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى(124)} طه.
وتؤكد سورة النور هذا المعنى الإيماني، وذلك في قول الحق جل جلاله: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم(35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه يُسبّح له فيها بالغدو والآصال(36) رجال..}، أي أن هذا النور مصدره ومنبعه من هذه البيوت التي أذن الله تعالى لها أن ترفع، وهذا الإذن الإلهي يعني أنها ستظل مصدرًا للعطاء المتواصل، وللنعم المتوالية في حياة الأمة، بل وفي حياة البشرية.

الغراب الباحث

Posted: يونيو 6, 2016 in خواطر الجمعة

أول جريمة قتل حدثت في التاريخ، هي قتل قابيل لأخيه هابيل، ولا يعنينا هنا السبب أو الدافع وراء هذه الجريمة التي ليس لها مثيل إذ هي الأولى من نوعها، ودشن بها قابيل عالم الجريمة، وسن سنة سيئة في قطع الأرحام، وتمزيق شمل الأسرة، وهي وإن لم تكن أسرة كبيرة على اعتبار أنها الأسرة الأولى على وجه الأرض، وهي بداية العمران البشري، المهم لقد استنّ قابيل سنة سيئة سوف يكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين، وقال العلماء: إن كل جريمة قتل حدثت وتحدث بعد ذلك على ابن آدم الأول كِفل منها، وهذا مصداق قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} النحل/25.
وكما أن لرواد الخير نصيبًا من أجور من سار على منهاجهم، وترسم سبيلهم، فكذلك لرواد الشر الذين جعلوا من أنفسهم أسوة سلوكية سيئة لمن جاء بعدهم.
وقصة ابني آدم، وما دار بينهما، والحالة التي كانا عليها، فقابيل كان يخوض صراعًا مريرًا بين نفسه اللوامة ونفسه الأمارة بالسوء، أما هابيل، فهو مطمئن النفس، مرتاح الضمير، رأى فيما يجري له على يد أخيه بلاءً قابله بالصبر والاحتساب، ولقد صور القرآن الكريم هذه المشاعر السلبية والإيجابية أبلغ تصوير، وذلك في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27) لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين(30)} المائدة.
إذن، فقابيل قتل أخاه هابيل في أمر ليس لهابيل يد فيه، فكلاهما تقربا إلى الله تعالى بقربان، والله تعالى تقبل القربان الذي كان خالصًا له سبحانه، وكان ذلك قربان هابيل، وذلك لأن هابيل كان من المتقين، وهذا يعني ضمنًا أن قابيل لم يكن من المتقين، وأنه لم يبلغ هذه الدرجة التي بلغها هابيل.
لقد بلغ قابيل حدًا في الشر دفعه إلى التفكير في الخلاص من أخيه بالقتل، وبدأ يخطط ويرسم لتنفيذ أول جريمة في التاريخ، وبين من؟!! بين أخوين شقيقين، ولم يشعر قابيل ساعة تنفيذ الجريمة بأي مشاعر تجاه أخيه، بل مضى في التخلص من أخيه، وإزاحته من طريقه.
في هذين الانموذجين قدم الحق تبارك وتعالى مثالين على الشر والخير، المثال الأول: هو الطائع المخبت التقي الذي يلهج لسانه بذكر الله تعالى، ولا يفكر إلا في الخير، وإذا نزل به بلاء من ربه سبحانه صبر واحتسب، والمثال الثاني:
هو العاصي الذي بلغ في عصيانه حدًّا دفعه إلى سفك دم أخيه، وتقطيع أواصر الأخوة بينه وبين أخيه، وكأن البشرية سوف تراوح بين هذين المثالين، مثال الخير ومثال الشر، ولكن بقي سؤال مهمّ وهو: ماذا يصنع قابيل بسوءة أخيه، وكيف الخلاص منها؟!
لقد حمل جثة أخيه على ظهره، وأخذ يجوب الصحراء حائرًا ماذا يصنع بها، وشعر بالندم على فعلته، ولم يرد أن يتركها طعامًا للسباع، فبعث الله تعالى له غرابًا يهديه إلى الحل، ولم يكن ذلك من أجل قابيل، فهو لا يستحق ذلك، ولكنه تكريم لهابيل الصابر المحتسب، قال تعالى: {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} المائدة/31.
لقد استوقفتني كلمة «يبحث» في قوله تعالى: {يبحث في الأرض}، وقلت أليس من المناسب والغراب إنما كان يريد دفن الغراب الميت الذي كان يحمله أن تأتي كلمة «يحفر» بدل كلمة «يبحث»، وأخذت أتتبع كلمة «يبحث» ورأيت أنه لما كانت الأرض لا تصلح جميعها للدفن، وإنما هناك أرض تصلح للدفن وأخرى لا تصلح للدفن، فكان الغراب يبحث عن الأرض المناسبة للدفن، من هنا كانت كلمة «يبحث» أنسب للدلالة على ذلك من كلمة «يحفر»، ولما هداه الله تعالى إلى الأرض المناسبة بدأ يحفر، ثم دفن جثة الطائر!
إن هذا الغراب بعثه الله تعالى لمهمة أراد إبلاغها لأبناء آدم، وفي هذا درس بليغ ألا يستنكف الإنسان من أن يأخذ الدرس والموعظة ممن هم دونه في الخلق أم في المكانة.
إنه حقًّا ليس غرابًا عاديًا، بل هو غراب باحث، هداه الله تعالى لاختيار الأرض الصالحة للدفن ليعلم أبناء آدم هذا الدرس البليغ.

في شعبان كان الحدث العظيم حيث انتهت فيه حالة القلق والترقب التي كانت تشغل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يقلب وجهه في السماء يسأل ربه سبحانه وتعالى قبلة يرضاها، قال سبحانه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كُنتُم فولّوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} البقرة/144.
الله سبحانه وتعالى يتلمس لرسوله (صلى الله عليه وسلم) مواطن الرضا، ويعده بأنه سوف يعطيه حتى يرضى، وذلك في موطن المنّ عليه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من نعم، قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} الضحى/5.
وكان النصف من شعبان مناسبة عظيمة ليتجلى فيها رضا الحق سبحانه عن سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم)، وذلك بعد أن علم سبحانه رغبة رسوله (صلى الله عليه وسلم) الشديدة في العودة إلى قبلة أبيه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، والتي انصرف عنها الموحدون عندما ملأها الكفار بالأصنام، ولم يكن من المناسب أن يتوجه إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في صلاته وهي تزدحم بالأصنام، ولو فعل ذلك لقال الكفار إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يؤمن بآلهتنا، ويتوجه إليها في صلاته، وهذا ما قاله اليهود حين توجه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس، فأخذوا يشيعون أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يتبع دينهم، فكان ذلك يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويجعله يدعو ربه سبحانه، ويلح في الدعاء أن يختار له قبلة يرضاها وتطمئن إليها نفسه.
وفي شعبان حدث ذلك كله، وكانت فرحة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بها لا توصف، فكان ذلك عهد جديد للدعوة الإسلامية حين اختار الله تعالى لها قبلة أبينا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، وهي أول بيت عبد الناس فيه الله سبحانه، قال تعالى: {إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين} آل عمران/96.
وما دام وُضع للناس، فواضعوها غير الناس كما يقول إمام العصر الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله تعالى) في خواطره القرآنية.
إذن، فيحق للمسلمين أن يحتفوا بهذا الشهر العظيم، شهر شعبان، وأن يذكروا الناس بآلاء الله تعالى عليهم فيه إذ تم ذلك التحول الذي قاده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون معه من جهة إلى جهة، {ولله المشرق والمغرب}، وهو سبحانه، رب المشارق والمغارب، وأينما يولي المسلمون وجوههم فثم وجه الله سبحانه، قال جل جلاله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} البقرة/115.
ذلكم هو شهر شعبان العظيم الذي تحقق فيه للمسلمين أمنية طالما تطلعوا إليها، ومنوا النفس بها، وسألوا مولاهم سبحانه وتعالى إياها، فلم يضن عليهم بها، وكان في ذلك تأكيد لإخلاص عبوديتهم له سبحانه وتعالى.

قلنا عند حديثنا عن الصبر: إن الإيمان شطران، شطره صبر، وشطره شكر، ونحن اليوم بصدد الحديث عن الشطر الآخر وهو الشكر، ومقام الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، ولن يبلغ العبد درجة الشاكر لله تعالى حتى يكون شاكرًا للناس، ولم أجد تحفيزًا وتشجيعًا لأداء واجب الشكر إلى الناس كقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (57)، ومسلم برقم (56).
والإنسان كما يحب أن يشكره الناس على ما يسديه إليهم من معروف، فكذلك الناس يحبون ذلك منه، بل هناك من يحب أن يحمد على شيء لم يفعله، فما بالكم إذا صدر عنه ما يستوجب الشكر وغمطه الناس هذا الحق، فلا شك أنه سوف يتألم، ثم قد يصرفه هذا الجحود عن فعل المعروف إلى الناس، والشكر عبادة جليلة تأتي دائمًا في أعقاب تذكير الله تعالى لنا بنعمه الجليلة، وآلائه الكثيرة، وذلك مثل قوله سبحانه:{ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ الله غني حميد}(لقمان/12).
وعاقبة الشكر حميدة، ومردوده عائد علينا، ألم تقرؤوا قوله تعالى: «وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد» (إبراهيم/7).
إن مفتاح زيادة النعم بيدك أيها المسلم، وإن مفتاح النقصان أيضًا بيدك، فإن أردت أن تتوالى عليك النعم وتفيض على من حولك فعليك بشكرها وأداء حقها عليك، ألم تَر كيف صنع الله تعالى بالقرية الآمنة المطمئنة حين بدل أمنها واطمئنانها جوعًا وخوفًا، قال تعالى: «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون» (النحل/112).
هذه القرية الجاحدة لم تحسن استقبال نعم الله تعالى عليها، ولم تنجح في الابتلاء، فقد ابتلاها سبحانه بالغنى والاستغناء إلا عنه جل جلاله، فطغت واستكبرت وظنت أن ما بها من نعمة هو من عند أنفسها، ولم تتعظ بما حصل لقارون الذي آتاه الله تعالى من الكنوز ما إن مفاتحه تنوء بالعصبة أولي القوة، ونقل خبره الله تعالى وما حصل له في كتاب معجز يتعبد المسلمون بتلاوته، قال تعالى: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتَيْنَاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» (القصص/76).
وكما رسب قارون في الامتحان رسبت القرية المطمئنة فيه، وانقلبت حياتها من رغد العيش، وهناءة الحياة إلى أن ألبسها الله تعالى لباس الجوع والخوف، وكان ذلك بسبب سوء أدبها مع مولاها سبحانه وتعالى، وفشلها في إدارة هذه النعم، وسوء استثمارها لها بما يعود عليها وعلى المسلمين بالزيادة والدوام، ولهذا فعلى العبد ألا يفرح بالنعم تتوالى عليه إذ قد يكون ذلك استدراج له من دون أن يعلم، ولكن حق له أن يفرح ويسعد حين يوفقه الله تعالى إلى توظيف هذه النعم والتعرف على سبل زيادتها ودوام بقائها عنده، فإن كان من الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله تعالى ولا يخشون الفقر، بل يعلمون أنه ما نقص مال من صدقة، فهو الرابح الموفق، أما إن كان من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله تعالى، فهؤلاء هم الراسبون في الامتحان الذين سيعضون على أصابع الندم في وقت لا ينفع فيه الندم، ولا يمكن فيه الاستدراك على ما فات، قال الله تعالى عن الفريق الأول:{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} البقرة/261.
وأما عن الفريق الثاني، فقد قال الله تعالى: «..والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم(34) يوم يُحمَى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون(35)» (التوبة).
والعجيب أن هاتين الآيتين جاءتا في سورة التوبة مع آية الصدقات التي يحض الله تعالى فيها المؤمنين على دفع زكاة أموالهم، وهي قدر يسير من المال هو حق معلوم للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، قال تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» (التوبة/60).
الحق سبحانه وتعالى يعرض على المؤمنين قائمة بالمشاريع الخيرة التي يعود نفعها على المؤمن في الدنيا والآخرة فضلاً عن أن هذه المشاريع فيها نفع عظيم للمسلمين بل وغير المسلمين الذين يعيشون في دولة الإسلام كما صنع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين جعل لليهودي الكفيف راتبًا تقاعديًّا يفي بحاجاته، بالإضافة إلى أنه رضي الله عنه أعفاه من دفع الجزية، وقال كلمته المشهودة التي صارت منهاجًا يسير عليه من جاء بعده، قال: «ما أنصفناك، أخذنا منك في شبابك وضيعناك في شيخوختك»، وكذلك فعل حفيده عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه) حين فاضت أموال الزكاة، فإنه أعطى منها النصارى واليهود.
ومع قائمة المشاريع الخيّرة جعل معها ملحقا بالمشاريع الفاشلة الكاسدة حتى يحذرها المسلم فلا يدخل فيها بل يتجنبها، وهو محاسب على حسن اختياره أو سوئه.

الشجاعة

Posted: مايو 10, 2016 in خواطر الجمعة

لقد ضرب المسلمون أروع الأمثلة في الشجاعة وعدم الجبن في المواقف التي تحتاج منهم إلى المواجهة والثبات، وليس من أخلاق المسلم الجبن والخور والتولي يوم الزحف، بل المؤمن الحق هو الذي يصدع بالحق أمام السلطان الجائر، يقول صلى الله عليه وسلم:[لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا رَآه أو شهده، فإنه لا يقرّب من أجل ولا يباعد من رزق أو يقول بحق أو يذكر بعظيم] المحدث: الألباني في السلسلة الصحيح. صحيح الإسناد.
والأصل في المسلم أنه لا يخشى في الله تعالى لومة لائم، وأن الخشية تكون فقط من الله تعالى، وصدق الله العظيم
{.. إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور} فاطر/28.
وها هو القرآن العظيم يؤكّد أن من صفات المؤمنين الموحدين أنهم لا يخافون في الله تعالى لومة لائم، يقول تعالى:
{.. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم..} المائدة/54.
وحين يمدح الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بمثل هذه الصفات، فإنه سبحانه يقر لهم بالتميز والتفرد على من دونهم من الأمم، وأنه جل جلاله إنما اصطفاهم لهذه المهمة الجليلة، وحمل هذه الرسالة العظيمة لأنهم أهلاً لها، وأقدر على حمل تبعاتها، وهي مسؤولية عظيمة ناءت بحملها السماوات والأرض والجبال، وأبين أن يحملنها وأشفقن من حملها، قال تعالى: {إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا} الأحزاب/72.
لقد اصطفى الحق تبارك وتعالى أمة العرب لحمل رسالة التوحيد التي ختم الله تعالى بها الرسالات السماوية، فقال جل جلاله:{.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا..} المائدة/3.
إذن، فالأمة العربية هي الأمة المختارة والمصطفاة لحمل الرسالة الخاتمة، والاضطلاع بهذه المهمة العظيمة، بل إن تميزها وخِيريتها مستمدة من هذه المهمة العظيمة قال تعالى:{كُنتُم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..} آل عمران/110.
وهذا يعني أن مكانتها وثيقة الصلة بأداء مهمتها والحرص عليها، فإذا فرطت في هذه المهمة فإنه سوف يحتل هذه المكانة قوم آخرون، ومعلوم أن القيام بهذه المهمة، وتحقيق الغايات التي جاء من أجلها الإسلام إنما مرهون بالتزام المسلمين بما أوجبه الله تعالى عليهم، ومن أوجب الواجبات على الأمة الإسلامية أن تنشر عقيدة التوحيد، وتدافع عنها، والرد على دعاوى المبطلين، والدفاع عن راية الحق، وكل هذه المهمات الجليلات تحتاج من الأمة إلى شجاعة نادرة، ذكر شيئًا منها القائد الملهم خالد بن الوليد (رضي الله عنه) حين خاطب قائد الروم قائلاً: «جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة».
وهذا توصيف للجندية في الإسلام ليس له نظير في أجناد الأرض، فالجندي المحارب في الأمم الأخرى قد يكون شجاعًا إلى حد التهور، ولكن أن يحب الموت حب غيره للحياة، هذا لون من الشجاعة لم يتحقق إلا في الجندي المسلم الذي يرنو ببصره وبصيرته إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين من عُبَّاد الله الصالحين، قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} آل عمران/ 169.
ولما قال أحد الجنود المسلمين: ما أكثر الروم، وما أقل المسلمين!! قال له سيدنا خالد (رضي الله عنه): «بل قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم، فإن الجيش يكثر بالنصر ويقل بالهزيمة!!».
صدقت يا سيف الله المسلول، فالعبرة ليست بكثرة العدد، وكثرة العدة، ولكن العبرة بنتيجة المعركة، فإذا غلبت الفئة القليلة الفئة الكثيرة، فهي الكثيرة، وإذا انهزمت الكثرة أمام القلة، فهي القليلة.
دروس بليغة في العسكرية الإسلامية يعلمنا إياها سيف الله المسلول خالد بن الوليد (رضي الله عنه) وهو الذي لم ينتسب إلى كلية عسكرية، ولم يتلق دروس الجندية على يد أستاذ في الاستراتيجية العسكرية، ولنستمع إليه وهو يضرب المثل للقائد المنتصر دومًا، الموفق أبدًا، يقول رضي الله عنه وهو على فراش الموت: «دخلت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي إلا ضربة سيف، أو طعنة رمح، أو رمية سهم، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء!!».
كانت هذه هي آخر كلماته الخالدات قبل أن يودع الدنيا غير آسف عليها، بعد أن سطر في سجل الخلود صفحات مجيدات يتيه التاريخ بها، ويقدمها دروسًا بالغة الروعة، عظيمة الشأن.
وها هي الأمة المنتصرة المظفرة تخلفها الأمم الأخرى وراءها ظهريًا بعد أن تخلت عن رسالتها العظيمة، وصانعت أعداءها، ووالت من أمرها مولاها سبحانه وتعالى بألا تواليهم، قال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} المائدة/51.

في شهر رجب المعظم تتجدد الذكرى العظيمة حيث كان شهر رجب ظرفًا زمانيًّا لحدث من أعظم الأحداث، وهو حدث «الإسراء والمعراج» الذي جعله الله تعالى مهرجانًا عظيمًا لتكريم رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتطييبًا لخاطره صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه في الطائف من سوء أدب، بل لقد بلغوا من سوء أدبهم حدًّا حملهم على أنهم أغروا صبيانهم وسفهاءهم، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فأراد الله تعالى أن تشهد البشرية كلها على مكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه سبحانه وتعالى، فكانت معجزة «الإسراء والمعراج»، ونحن حين نتأمل هذه المعجزة الخارقة للنواميس نجد فيها العجب العجاب، وفيها تتجلى الهبات والعطايا التي منحها الله تعالى لرسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأعظم هذه الهبات أنه سبحانه وتعالى استدعاه إليه ليكرمه ويشعره بمكانته عنده ومكانته بين رسله وأنبيائه (عليهم صلوات الله وسلامه جميعًا)، فأعدّ له مهرجانًا عظيمًا لم يحظ بمثله من قبل لا ملك مقرب ولا رسول مرسل، وقبل أن ينال تلك الهبة العظيمة جعل الأنبياء في استقباله اعترافًا بمكانته بينهم، وكانوا ينتظرونه في شوق ليستقبلوا هذا النبي الكريم الذي بلغ هذه المنزلة العظيمة عند ربه سبحانه، وعند الملائكة حيث يقوم زعيمهم جبريل (عليه السلام) بمرافقته حيث جاءه بالراحلة، وهي البراق التي نقلته من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله، ولقد اخترق الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) حجب الزمان وحجب المكان، ورأى أنبياء الله ورسله الكرام الذين حدثه القرآن العظيم عنهم، وها هو يراهم رأي العين، ويتحدث إليهم ويتحدثون إليه، ويسمع من ثنائهم عليه ما يهدئ من روعه، ويطمئن قلبه.
كان هذا المهرجان العظيم احتفالية لم ولن يشهد التاريخ لها مثيلاً، وتحققت للرسول (صلى الله عليه وسلم) أمنية لم تتحقق لنبي أو رسول قبله، حيث التقى بآبائه آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل، وإخوانه من الأنبياء والمرسلين.
وحين حان وقت الصلاة قدموه ليصلي بهم إمامًا، وفي هذا إشارة واضحة الدلالة على مقامه بينهم، ومكانته التي أرادها الله تعالى له في أن يكون إمامًا للأنبياء والمرسلين، ولقد تحققت له هذه المنزلة، ولما انتهت مراسم الاستقبال عاد كل نبي إلى السماء التي كان فيها ليستقبل كل واحد منهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استقبالاً خاصًّا يليق بمنزلته عند ربه سبحانه وتعالى.
لم يتخلف جبريل (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بل صحبه في عروجه حتى إذا انتهى إلى السماء السابعة، وعندما أراد أن يتجاوزها تخلف عنه جبريل ليبلغها وحده، وفي هذا تعزيز لمكانته عند مولاه سبحانه التي لم يبلغها أحد قبله، وكان جبريل (عليه السلام) في رحلة المعراج كان يطرق كل سماء ليستأذن في الدخول، فيجيبه كل نبي: من الطارق؟ فيقول: جبريل، فيقول من في السماء: ومن معك؟ يقول: محمد، فيقول: هل أُذِن له؟ فيقول جبريل: نعم، فيؤذن لهما، وهكذا إلى السماء السابعة، ثم إلى سدرة المنتهى، قال تعالى: «إذ يغشى السدرة ما يغشى(16) ما زاغ البصر وما طغى(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى(18)» النجم.
وفي هذا الحدث العظيم تم الفصل في قضايا كانت محل نزاع بين الأمم منها: خاتمية الرسالة، وخاتمية الرسول، وملكية المسجد الأقصى وما حوله، والإمامة العظمى، والأمة المصطفاة التي آلت إليها مواريث الأنبياء، وصارت مسؤولة عن البلاغ وعن الشهادة.
أما عن خاتمية الرسالة، فقد تقرر ذلك في قوله تعالى: «..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا..» المائدة/3.
وأما عن خاتمية الرسول، فقد أعلنها نبي الله عيسى (عليه السلام) حين جاء في القرآن على لسانه قوله تعالى: «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين» الصف/6.
وأما ملكية المسجد الأقصى وما حوله فقد تحقق بالوثيقة الربانية، وهي سورة الإسراء التي سجل فيها الحق تبارك وتعالى أن ملكية المسجد الأقصى وما حوله ملكية خالصة للمسلمين، وهم مسؤولون عن حمايته وصيانته حيث كان محطة النهاية لرحلة الإسراء الأرضية، ومحطة البداية لرحلة المعراج السماوية، وهو كذلك محطة العودة من السماء إلى الأرض، ثم إلى المسجد الحرام بمكة، وأما الدليل على الأمة المصطفاة، فنجده في قوله تعالى: «كُنتُم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..» آل عمران/110.
وبذلك انتهت مراسم الاحتفال بالنبي الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، والذي تقررت له الزعامة والإمامة في السماوات والأرض، وصارت أمته هي الأمة الوحيدة التي استأمنها الله تعالى على المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء والرسل الكرام.