Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

الشعر ديوان العرب حيث يسجلون فيه تاريخهم الاجتماعي، والسياسي، والأدبي، ولما جاء الإسلام لم يغمط الشعراء حقهم في الإبداع والتنويه بهذا الإبداع، وأثنى عليهم فيما وافق فيه شعرهم  العقيدة والقيم والمثل العليا، وحدد القرآن الكريم الحد الفاصل بين الشعراء الملتزمين وغير الملتزمين في سورة سميت باسمهم، وهي سورة الشعراء التي قال الله تعالى فيها: «والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تَر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)».
هذه الآيات الجليلات قيدت المطلق، فالحكم بالنسبة إلى الشعراء أنهم يتبعهم الغاوون، واستثنى القرآن الكريم فئة آمنت بالله تعالى، وعملت صالحاً، وذكرت الله كثيراً، فهؤلاء تجنبوا ما يشين إيمانهم، ونحن مدعوون للقيام بجولة في رياض الشعر، وسوف نحاول أن ننتقي من ثمار الشعر اليانعة قدر ما نستطيع، ونأخذ الصالح للأكل وندع الفاسد، والشعر كالغناء حسنه حسن، وقبيحه قبيح كما قال الشيخ محمد الغزالي رداً على من سأله عن الحلال والحرام في الغناء، والشاعر الملتزم بإمكانه أن يعتزل الغَاوِين ويكون من فئة المؤمنين الذين أثنى عليهم الله تعالى.
في هذه المقالة سوف نقوم بقراءة لنصوص شعرية ملتزمة تناولت عدة أغراض ليست بعيدة عما يدعو إليه الإسلام ويحرض عليه.
في العقيدة، وبيان صحيحها من سقيمها نقابل أحد الشعراء العرب النابهين، وهو لبيد بن ربيعة العامري وقصيدته الرائعة التي قال فيها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
والشطر الأول من البيت صحيح لا شك فيه، فكل عقيدة مهما علت باطلة إلا عقيدة التوحيد الخالص في أنه لا إله الله الواحد الذي لا شريك له، الذي له الخلق والأمر، أما الشطر الثاني من البيت فقد رد عليه كثير من العلماء في أن نعيم الجنة لا يزول، فهو خالد بأمر الله تعالى وتقديره.
كلنا يحتاج إلى الأمن، ويشتاق إليه، والأمن من الإيمان، قال تعالى: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب» (الرعد/28). وها هو شاعر الإسلام الفيلسوف محمد إقبال ورائعته المغناة «حديث الروح» التي يقول فيها:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يحي ديناً
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا
حقاً صدقت أيها الفيلسوف الشاعر ما نفع الحياة بغير دين، وأين نجد الأمن والأمان في ظل مجتمعات تتصارع على جيفة نتنة ألا وهي الدنيا حين تكون هي الغاية التي يعيش من أجلها الإنسان.
والعدل هو الحلم الذي يتشوق إليه المظلومون، ويطمحون أن يستظلوا بظله، ويتنسمون عبيره، نلتقي مع أحد الشعراء الذين أرقهم غياب العدل وانتشار الظلم في حياة الناس، فاشتعلت قريحته بهذه الأبيات الرائعة:
الصبر والإيمان
ذول جنة المظلوم
والحر في الأوطان
حاكم ولو محكوم
لو صام سنة عطشان
عمر العطش ما يدوم
افتكري يا جدران.
يا أوفى من الإنسان
صوتي مع الأذان
بيقول في كل أوان يا ظالم لك يوم
هذه المعاني الجميلة والجليلة تغنى بها الشاعر، بل تغنى بها كل مظلوم تعرض للظلم ولم يجد من ينصفه، فجاء الشاعر ومن واقع التزامه بهموم أمته فطمأنه على أن العاقبة الحسنة للمظلومين وإن طال ليل الظلم، فهو إلى زوال.
والحب منه العفيف ومنه غير ذلك، وها هو شاعرنا عزيز أباظة في رائعته «همسة حائرة» يقدم لنا وصفاً للحب العفيف، فيقول:
لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا
وكم تعانق روحانا وقلبانا
نغضي حياءً ونغضب عفة وتقى
إن الحياء سياج الحب مُذ كانا
والشاعر فيما يصدر من معاني العفة والطهارة ليس بعيداً عما قرره الإسلامِ ودعا إليه، وهو أن الحياء من الإيمان، ولن يكون المحب حيياً ما لم يكن مؤمناً صادق الإيمان، يرعى حدود الله تعالى في الحلال والحرام.
والإنسان الذي نراه في بعض صوره جباراً مستبداً هو إنسان لا يكاد أن يكون له وجود عند شاعرنا جبران خليل جبران في قصيدته الرائعة «أعطني الناي وغني» والتي قال في آخرها بيتاً يلخص فلسفة الشاعر المبدع، ورؤيته للإنسان في حقيقة وجوده:
أعطني الناي وغني وأنت داء ودواء
إنما الناس سطور كتبت لكن بماء
لقد بهرني هذا البيت، والحكمة العميقة التي سطرها الشاعر بيراعه، وأبدعتها قريحته، فالإنسان قد يكون وهماً لا أثر له في هذه الحياة ما لم يثبت وجوده بإيمان وثيق، وعمل صالح متقبِل، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى في سورة الإنسان: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا» الآية 1 وكأن الشاعر قد استلهم رؤيته الفلسفية من هذا النص المقدس الذي يتدرج فيه الإنسان من حالة الوهم إلى حالة الحقيقة ليصبح هذا الإنسان بعد ذلك من الأبرار.
فيا أيها الإنسان بإمكانك أن تتحول من سطور على الماء سرعان ما تأتيها موجة، فتطمس معالمها الإنسانية لتكون إنساناً كامل النمو، متكامل الصفات، بل تنال أرفع الأوسمة، وأعلى النياشين، فتصبح من الأبرار الذين يتلقون الشكر وحسن الجزاء على أفعالهم من الله تعالى.
من الشعراء الذين نلتقي بهم في هذه الجولة المباركة أبا القاسم الشابي، وهو شاعر شاب لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره المبارك، لكنه رغم قصر هذا العمر، فإنه ترك آثاراً شعرية جعلته حاضراً في قلوب محبيه وعاشقي شعره، نلتقي به وبرائعته الشعرية «إرادة الحياة التي قال فيها مؤكداً أن إرادة الشعوب» لا بد أن تنتصر، يقول الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
كذلك قالت لي الكائنات
وحدثني روحها المستتر
ثم يقول في عقيدة راسخة، وقناعة كاملة:
ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إنها إرادة الشعب التي هي من إرادة الله تعالى، ولقد عاصرنا ما سمي الربيع العربي، وهي ثورات قام بها الشباب على الأوضاع المأزومة ورغم أنها أثبتت أن للشعوب إرادة لا تقهر إلا أنها لم تحقق ما تطمح الشعوب إليه وهو الإصلاح، وعادت الأوضاع في البلاد التي ثار فيها الشباب إلى ما كانوا عليه وربما أشد من ذلك وأسوأ.
هذه بعض القراءات لنصوص شعرية ملتزمة جمعناها لك من هنا وهناك ونحن نتجول في رياض الشعر، ونلتقي مع هذا الشاعر أو ذاك، فنرجو أن نكون قد وفقنا في هذه القراءة الملتزمة لشيء من الشعر الملتزم.

http://www.aalbinfalah.

من أهم الاستراتيجيّات التي يعتمدها العدو معنا، استراتيجية «فَرِّقْ تَسُدْ»، وهذه الاستراتيجية تحتل مكان الصدارة في تفكير العدو وتكتيكه، لأنها من أنجح الوسائل لإضعاف الأمة، وتحقيق النصر عليها، وفي كتابه «33 استراتيجية للحرب» يقول روبرت غرين مؤلف الكتاب: «حين تنظر إلى أعدائك لا يخيفك مظهرهم العام، بل انظر إلى الأجزاء التي تكون الكل عبر فصل الأجزاء عن بعضها وزرع بذور الفرقة والانقسام من الداخل، يمكنك أن تضعف وأن تهزم حتى أقوى الأعداء. حين تواجه مشكلات أو أعداء، حوِّل المشكلة الكبيرة إلى أجزاء صغيرة يمكن أن تُهزم» ص11.
هذه الاستراتيجية، وإن بدت للنظرة المتعجلة بسيطة وسهلة فإنها من أهم الاستراتيجيّات التي اعتمد عليها أعداء الأمة في تفريق شملها، وتفتيت وحدتها، وتحويلها إلى فتات يتساقط من موائد الخيانة والعمالة التي ساهم فيها بعض الحكام حرصاً على كراسيهم، ودعماً لسلطانهم.
وحين ننظر إلى أحوال الأمة العربية، بل حتى الإسلامية نجد هذه الاستراتيجية تعمل عملها، وتؤتي ثمارها، والتاريخ الإسلامي حافل بمثل هذه النماذج التي تؤكد هذه الإستراتيجية من أمثال دول الطوائف التي كانت كل دولة أو دويلة منها تستعين بحكام الإفرنج على شقيقتها من الدولة أو الدويلة المسلمة، وتكون النتيجة المتوقعة والمؤكدة أن العدو بعد أن يخلص هذه الدولة من تسلط تلك الدولة، والدولتان مسلمتان، يعود لينقض على الدولة التي استعانت به ضد شقيقتها، فيسلب حريتها ومقدراتها، ويضعف من قوتها حتى تصبح دولة أو دويلة تابعة له تأتمر بأمره، وتنتهي بنهيه، ولا تعقد عقداً إلا بإذنه وبعد مشورته.
ولأن هذه الإستراتيجية لا تزال فاعلة فهي سوف تبقى من الإستراتيجيّات المعتمدة عند العدو، ولن يفرط فيها تحت أي ظرف من الظروف، وخاصة أن كثيرا من مكونات الأمة العربية والإسلامية قابلة للتفاعل مع أي دعوة للانفصال والتمزق، وهذه المكونات قد تكون طائفية كالسنة والشيعة، وقد تكون قومية كالعرب والأكراد، وقد تكون دينية كالمسلمين والنصارى، وكل هذه المكونات الإثنية أو الثلاثية ألغام مبثوثة في الأرض العربية والإسلامية، وهي قابلة للانفجار والتدمير في أي لحظة، والخريطة التي تعين وتشير إلى مواقعها ليست في أيدينا، بل هي في يد العدو، يعرف مواقعها، ويعلم متى يستعملها بحيث تؤدي الهدف المرسوم لها، ومؤلف هذا الكتاب «33 استراتيجية للحرب» روبرت غرين يؤكد نجاح هذه الإستراتيجية، وصلاحيتها لكل زمان ولكل مكان، ولكل أمة لأنها تستمد بقاءها وفاعليتها من الواقع الذي يهيئ الأرضية الصالحة لمثل هذه الشجرة الملعونة، شجرة الفتنة والعصبيات.
هذه الاستراتيجية حقيقة لا يمكن أن ننكرها، وقابليتها للفعل والتفاعل أمر لا يمكن الشك فيه، أما من ناحية أنها حقيقة لا شك فيها، فهذا ما يؤكده الواقع التاريخي لهذه المكونات، وأما عن قابليتها للفعل والتفاعل، فهذا تُسأل عنه التجارب التي مرت بها الأمة، والحروب التي وقعت بين هذه المكونات، ونحن نعلم من قراءتنا المستبصرة للتاريخ الاستعماري كيف قام الاستعمار بتعزيز هذا الانشطار في وحدة الأمة من خلال القوانين التي سنها، وتعمد أن تكون مفرقة لا موحدة، وممزقة وليست جامعة لشمل الأمة، وجعلها بكل هذه المواصفات كفيلة عند تفعيلها بتفجير الألغام التي تحدثنا عنها، وأسهبنا في الحديث عنها، وإليكم مثالا صارخا على ذلك في الدستور الذي وضعه المستعمر لدولة لبنان، وكيف عزز المستعمر من خلاله التقسيمات الطائفية، والقومية، والدينية، بحيث جعل رئيس الجمهورية مسيحيا، ورئيس الوزراء مسلما، وقسم بقية المناصب العليا في الدولة على بقية الطوائف والقوميات والديانات، ودستور بهذه الكيفية، وعلى هذا النسق سوف يعزز الانقسامات، بل سوف يجذرها، وسوف يبقي هذه المكونات منفصلة لا يجمعها جامع، ولا يربطها رابط، ولن تقوى المواطنة المشتركة على أن تتغلب عليها، أو تحد من شراستها، وهذا ما يسعى إليه المستعمر الذي يغيظه أي تقارب بين مكونات الأمة، وإمعاناً من المستعمر في تكريس الفرقة بين طوائف وقوميات وأديان الأمة فإنه يحرص على أن يزرع في نفوس وضمائر أبناء الأمة بذور الشقاق والفرقة، ويجعل مفاتيحها كلها في يده هو وحده دون سواه، وهذا ما يؤكده المؤلف حين يقول: «حين تنظر إلى أعدائك لا يخيفك مظهرهم العام، بل انظر إلى الأجزاء التي تكون الكل» ص11 من المصدر نفسه.
وهذه هي الخطوة الأولى المهمة بأن تدرس عدوك دراسة مستوعبة، وتتعرف على أسباب قوته وضعفه، وتعمل على إذكاء روح الانقسام والفرقة بين صفوفه، فتحرك الساكن، وتفعل الخامل، فإذا نجحت في هذا كانت لك السيادة على الأمة، وصرت أنت الحاكم والآمر الناهي في كل شؤونها، وكتاب ربنا سبحانه وتعالى يحذرنا من هذا المظهر الخادع الذي يراه الرائي فيظنه حقيقة، فإذا خبره وجده وهماً خادعاً، يقول تعالى: {لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} الحشر/14.
وأخطر ما تواجهه الأمة هو مظهرها الخادع في أنها أمة قوية متماسكة، فإذا واجهت أعداءها، انكشفت سوأتها، وظهر ضعفها، ولم تكن عند حسن ظن الله تعالى بها الذي أمرها بوحدة الصف والكلمة، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص (4)} الصف.
إن هذه الاستراتيجية التي أشار إليها روبرت غرين مؤلف كتاب «33 استراتيجية للحرب»، وهي: استراتيجية «فَرِّقْ تَسُدْ».. لا تزال فاعلة في أمتنا العربية والإسلامية، ولا تزال آثارها باقية ومؤثرة في وحدة الأمة وتماسكها، فهل آن لنا أن نصحو من غفلتنا، ونستيقظ من نومنا، ونفوت على العدو أهدافه وطموحاته؟!!

http://www.aalbinfalah.wordpress.com

فرعون الميت بروحه وبوجوده الدنيوي، الحي ببدنه ليكون لمن خلفه آية تتردد بين جنبات المساجد، ويتلوها المسلمون صباح مساء في غدوهم ورواحهم.
إنه الرمز الطاغي للطغيان، والمثال القبيح للاستبداد، جعله الله تعالى رمزًا للطغيان والفساد، لقد بلغ فرعون الغاية القصوى في استبداده، فقال في عتو وكبر: «.. يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري..» القصص/38.
اغتر فرعون بقوته، وبما هيأه الله تعالى له من أسباب الملك والسلطان، «فقال أنا ربكم الأعلى» النازعات/2، ورغم ذلك، وحتى يسقط الله تعالى حجته، وتعلله بالأعذار أرسل إليه رسولين كريمين، هما موسى وهارون (عليهما الصلاة والسلام) يحاولان معه المحاولة الأخيرة لإنقاذه من المصير المحتوم لأمثاله، ولإنقاذ أيضًا من غرر بهم من شعبه المغلوب على أمره، قال تعالى: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى(43) فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى(44)» طه.
هل تذكر فرعون أو هل خشي من غضب الله تعالى عليه، وانتقامه منه لأنه بلغ الغاية القصوى في العلو والاستكبار؟!
لم ينفع معه القول اللين، ولم تنفع معه الآيات التي أظهرها الله تعالى على يدي نبيه موسى (عليه الصلاة والسلام)، بل عاند واستبد، وبالغ في الطغيان، فكان مصيره الذي ينتظر أمثاله أن أخذه الله تعالى بالعذاب العظيم، قال سبحانه: «فحشر فنادى(23) فقال أنا ربكم الأعلى(24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى(25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى(26)» النازعات.
هذه الصورة الحية للطغيان التي جسدها القرآن الكريم للنموذج الأعظم والأكبر للطاغية المستبد الذي شاقَّ الله تعالى في ملكه، وظن أن الله تعالى لن يقدر عليه، وأنه خرج عن سلطان الله تعالى، فكان مصيره ما تحدثت عنه آيات القرآن الكريم في قوله تعالى: «وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين(90) ءالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين(91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرًا من الناس عن آيَاتِنَا لغافلون(92)» يونس.
هذا المصير الذي خلده الله تعالى في قرآنه آيات تتلى إلى يوم القيامة هو ما ينتظر كل طاغية، وما حل بأمم عتت عن أمر الله تعالى، فأنزل الله تعالى بهم العذاب، قال سبحانه: «ألم تَر كيف فعل ربك بعاد(6) إرم ذات العماد(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد(8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد(9) وفرعون ذي الأوتاد(10) الذين طغوا في البلاد(11) فأكثروا فيها الفساد(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب(13) إن ربك لبالمرصاد(14)» الفجر.
إنه سجل حافل بالطغيان والاستبداد والعلو في الأرض، وهذا السجل كما تضمن الطغيان والاستبداد، فإنه كذلك تضمن العقوبات التي أنزلها الله تعالى بهؤلاء الطغاة المستبدين، وختم الآيات الجليلات من سورة الفجر بقوله سبحانه: «إن ربك لبالمرصاد»، وذلك حتى لا يطمع طاغية أو مستبد في النجاة من المصير الذي يستحقه أمثاله، وأن هذا العذاب الذي أنزله الله تعالى بقوم عاد وثمود وفرعون ليس مقصورًا على هذه الأمم وحدها، بل يشترك معهم فيه كل طاغية مستبد، وما نجاة فرعون ببدنه عن الغرق ألا ليبقى رمزًا للمصير الذي سوف يؤول إليه كل طاغية، وفضحًا لأكاذيبهم، ولدعواتهم الباطلة.
فرعون ادعى أنه رب، وأنه إله، بل قال لملئه: «ما علمت لكم من إله غيري» ولم يرض هذا الطاغية المستبد أن يشارك الله تعالى في ملكه، بل أراد أن ينفرد بالملك وحده، وهذا قمة الطغيان والاستبداد، فكان لا بد أن يكشف الله تعالى كذبه بأن يخضعه سبحانه لسننه في الخلق، فـ«كل نفس ذائقة الموت»، و«كل شيء هالك إِلا وجهه» سبحانه، ولو كان فرعون إلهًا حقًا أو ربًا كما كان يزعم لتأبى على الخضوع للسنن الإلهية، ولأنقذ نفسه وجيشه من الغرق والهلاك المحتم، ولأستعصى على الموت والفناء، ولما صار آية لمن خلفه من الطغاة يتلوها المسلمون صباح مساء ليتعظ من يريد الموعظة، ويعتبر من يشاء العبرة.
إن فرعون يجسد الرمز الميت الحي، الميت بروحه وبوجوده الحي في الحياة الدنيا، والحي ببدنه وبكونه رمزًا للطغيان والاستبداد لعل من يجيء بعده يستفيد من قراءة سيرته، ويخشى المصير الذي آل إليه، ومن فاته المشهد الفرعوني القديم، ومن لم يكن حاضرًا عند ساحل البحر، ولم ير بأم عينه بدن فرعون (الإله المزعوم) وهو مسجى على الشاطئ بعد أن نجى الله تعالى بدًنه، فإن العصر الذي نعيشه قدم لنا نماذج من الفراعين الصغيرة الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب على بعضهم ربك سوط عذاب، ولا يزال لمن سيأتي بعدهم بالمرصاد.
مات فرعون الروح، وبقي فرعون الرمز، ماتت الروح وبقي البدن آية لمن خلفه من الطغاة والمستبدين، إنه بحق الميت الحي، ميت الروح والوجود الدنيوي، وحي الرمز والمثال.
http://www.aalbinfalah.wordpress.com

طاعة مُبصرة!

Posted: مارس 20, 2017 in خواطر الجمعة

يعلمنا الإسلام الحنيف من خلال عباداته على الطاعة المبصرة، فليس كل أمر أو كل نهي قابلين للتنفيذ والطاعة، بل فيهما ما يوجب الطاعة، وفيهما ما يوجب عدمها، يضبط ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه»، وكما هو معروف في الفقه الإسلامي العظيم أن الطاعة في المعروف، أي فيما تعارف عليه إجماع الأمة شريطة ألا يخالف أمرًا أو نهيًا جاء بهما الشرع الحنيف، والأمة لا تجتمع على باطل.
قال تعالى: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا» الأحزاب/36، ونحن معاشر المسلمين نمارس هذه الطاعة خمس مرات في اليوم والليلة حين نقف خلف الإمام في الصلاة، ومعلوم أنه ما جُعل الإمام إلا ليؤتم به، فعلينا ألا نسبق الإمام في تكبير أو ركوع أو سجود أو سلام بغض النظر عمن يقف خلف الإمام، فقد يكون الإمام من عامة الناس إلا أنه أكثرهم حفظًا للقرآن وفقهًا في أمور الصلاة، وقد يكون المأموم وزيرًا أو رئيسًا للوزراء أو حتى ملكًا، فهؤلاء لهم تقديرهم واحترامهم، ومطاعون كل في منصبه خارج الصلاة، أما داخل المسجد، فهم مأمورون بطاعة الإمام لا يكبرون إلا إذا كبَّر، ولا يركعون إلا إذا ركع، ولا يسجدون إلا إذا سجد، ولا يسلمون عند انتهاء الصلاة إلا إذا سلم.
ولكن هذه الطاعة الصارمة هل هي على إطلاقها، أي أن المأمومين ليس لهم أن يخالفوها مهما حصل من الإمام؟
إن طاعة الإمام كأي طاعة في الإسلام لها ضوابط، ومن هذه الضوابط ما يوجب التصحيح والتنبيه، فإذا أخطأ الإمام في القراءة، أي قراءة القرآن، فيجب على المأمومين أن يستدركوا عليه، وأن يصححوا له قراءته، وعلى الإمام أن ينصاع لهم، ويطيعهم كما أطاعوه، وقد يسهو الإمام في الصلاة فينسى أن يأتي بركن من أركان الصلاة، أو يزيد أو ينقص في ركعات الصلاة، فعندها يجب على المأمومين أن ينبهوه إلى ذلك بقولهم: «سبحان الله» فيصحح خطأه أو سهوه، فيجبر سهوه بالسجود سجدتين للسهو في آخر الصلاة وقبل التسليم.
هذه إذن، هي الطاعة المبصرة التي يلتزم بها المسلم أيًا كان مقامه أو منصبه وفق تعاليم الإسلام الواضحة، فهو يطيع في المعروف، وفيما لا يخالف أمرًا أو نهيًا جاء بهما الإسلام، وشدد عليهما أما حين تنتهي الصلاة، ويخرج المصلون من المسجد، ويعود كل مسلم إلى حياته الدنيا التي يتفاضل فيها الناس بحسب مقاماتهم ومناصبهم يصير الإمام المطاع في الصلاة طائعًا لمن هو فوقه منصبًا وأيضًا في المعروف، وليس في الإسلام طاعة عمياء من دون تبصر، وله أن يناقش، بل ويجادل ليعرف الحق فيتبعه، ويتبين له الباطل فيجتنبه، لأنه محاسب على كل ذلك، لأنه سبحانه إذا أعطى نعمة حاسب عليها، وإذا سلبها أسقط ما أوجب على صاحبها بسببها، مثلاً إذا أعطاك الله تعالى عقلاً راشدًا، وبصيرة نافذة حاسبك على كيفية توظيفهما في الخير أو في الشر.
وإذا أعطاك نعمة المال، فسوف يحاسبك على التصرف فيها، وهل أديت الحقوق إلى اَهلها، هل زكيت أو تصدقت، وهل أصلحت به أم أفسدت؟
وإذا وهبك السلطان، فاحذر.. ثم احذر أن تتطاول به على عباد الله تعالى، وتظن أنك وحدك الآمر الناهي في الدنيا، وأن لك سلطانا مطلقا على العباد، وتذكر أن الذي أعطاك السلطان قادر سبحانه على أن يسترده منك، واقرأ قوله تعالى بتدبر: «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير» آل عمران/26، وانظر وتأمل، بل وتدبر قوله سبحانه: «وتنزع الملك ممن تشاء» أي أن إرادة الله سبحانه غالبة دائمًا، وبيده سبحانه الملك والملكوت وبيده العزة والذل، يهب كل واحد منها إلى من يستحق من عباده.
إذن، فالطاعة في الإسلام طاعة مُبصرة فيما يأمر الله تعالى وينهى، ولا طاعة لمخلوق مهما علا في معصية الخالق سبحانه وتعالى.

انتصر المسلمون في بدر وكانوا أذلة، حيث أعانهم الله تعالى، وأمدهم بمدد من عنده، فانتصروا رغم قلة عددهم وعُدتهم، ولكنهم انهزموا في أحد رغم كثرة عددهم وعدتهم، وكانت هزيمتهم في أحد انتصارًا للرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي أمر الرماة أمرًا صارمًا بألا يغادروا الجبل تحت أي ظرف، ومهما كانت نتيجة الحرب، حتى لو رأوهم يتبعون العدو إلى مكة، أو حتى لو اتبعهم الأعداء إلى المدينة، وهذا أمر عسكري صارم لا مجال فيه للاجتهاد أبدًا، ورغم كل ذلك اجتهد بعضهم فنزلوا عن الجبل لينضموا إلى إخوانهم الذين بدؤوا في جمع الغنائم.
لقد تأوَّل بعض الرماة الأمر حين رأوْا الكفار يفرون من المسلمين صوب مكة، فظنوا أن المعركة قد حسمت لصالح المسلمين، فلا ضرر من أن ينزلوا من فوق الجبل، وينهوا المهمة التي ندبهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليها، ولكنهم قصَّروا في أداء المهمة، وكانوا السبب في هزيمة المسلمين، وذلك حين انتهز خالد بن الوليد -وكان وقتها في معسكر الكفر- خلو الجبل من الرماة، فكرَّ راجعًا وأخذ يرمي المسلمين بالنبل، فكان النصر حليفه، وأصيب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذه الجولة من المعركة وكسرت رباعيته، وفرح الكفار بهذا النصر غير المتوقع، وقالوا هذه بتلك؛ أي انتصارهم في أحد بدل هزيمتهم في بدر، وما كان لهم أن يحققوا هذا النصر لولا تقاعس بعض المسلمين عن الالتزام بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
صحيح أن نتيجة مواجهة المسلمين مع قريش لم تكن في صالح المسلمين، ولكن كانت نصرًا من لون آخر ربما لا يدركه كثير من الناس، ويتساءلون متعجبين مستعجلين، فيقولون: كيف تكون الهزيمة نصرًا؟! ونقول لهؤلاء: إن هزيمة المسلمين في أحد لأنهم خالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعدم النزول من فوق الجبل، ولو انتصروا على الرغم من مخالفتهم أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهان عليهم أمره صلى الله عليه وسلم، ولقالوا: خالفناه وانتصرنا، فيصير أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك لا قيمة له عندهم، ولهذا كانت الهزيمة في أحد نصرًا مؤزرا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، تعلم منه المسلمون ألا يخالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحت أي ظرف من الظروف، وأن يقولوا له صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أو نهاهم: سمعنا وأطعنا!!
إذن، فقد انهزم المسلمون في أحد رغم كثرة عددهم وعدتهم، بينما انتصروا في بدر على الرغم من قلة عددهم وعدتهم، ووجدوا من مدد الله تعالى لهم ما جعل نتيجة المعركة غير المتكافئة في صالحهم، والسر وراء ذلك كما بينا أنهم لو انتصروا في أحد رغم معصية الرماة أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهان أمر رسول الله ونهيه عليهم، لهذا لم يتدخل الحق سبحانه وتعالى ليقف معهم وينصرهم في أحد كما نصرهم في بدر؛ لأن معنى ذلك أن ينصرهم على الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهذا محال، ولهذا حق علينا دونما أن نتهم بالمبالغة أو التعسف أن نقول أن المسلمين في أحد رغم هزيمتهم انتصروا بنصر أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكان هذا درسًا بليغًا وموجعًا يجب على المسلمين ألا ينسوه أبدًا، وعليهم أن يستحضروا دائمًا قوله تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا» (النساء: 80)، وقوله تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما» (النساء: 65).
وهكذا انتصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أحد، وانهزم المسلمون!!

حين تدعو صديقا من الأصدقاء إلى مجلس علم، أو لقاء ثقافي يتبادل فيه الحضور المعارف والعلوم في محاولة لإثراء التحصيل العلمي والمعرفي، وفي الغالب يعتذر أمثال هؤلاء عن المشاركة في مثل هذه اللقاءات بحجة عدم توفر الوقت عندهم لمثل هذه الاجتماعات، ويرون أن ما هم فيه من أمور أولى بعنايتهم واهتمامهم، وهؤلاء يَرَوْن أن الانشغال بالثقافة قضية ليس وراءها أية جدوى.
والحجج التي يحتج بها هؤلاء في غالبها حجج غير مقنعة، وذلك أننا حين نعمل جردا لأوقات هؤلاء نجد أنهم يضيعون الأوقات الكثيرة فيما لا نفع فيه، وأن أغلب مشاغلهم التي يتعللون بها هي في لقاءات لهو، وكثيرا ما نسمع من هؤلاء قولهم لبعضهم البعض تعالوا نقتل الوقت، وما علموا أن قتل الوقت جريمة وإن لم يضع المشرع لها عقوبة في القانون، حيث يقوم هؤلاء بقتل جزء من حياتهم، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
والعمر الذي سوف يسأل عنه الإنسان هو الزمن الذي قدره الله تعالى لهذا الإنسان في هذه الحياة، وهو رأس ماله الذي سوف يحاسب على كيفية إنفاقه، وهذه المحاسبة، وذلك السؤال سؤال مصيري لأنه يرتبط بالجواز على الصراط، فإن أفنى عمره في طاعة الله تعالى، وفي العمل الصالح الذي يعود عليه وعلى أمته بالخير، فإن ذلك هو جواز مروره على الصراط، وسوف ينال المكافأة على ذلك جنة عرضها السموات والأرض، وإن لم يفعل ذلك فأمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه.
نعود الآن إلى من يشغله اللهو عن تحصيل المنافع له ولأمته بحجة أنه لا يملك الوقت لذلك، وهؤلاء نقول لهم، بل نقترح عليهم أن يضعوا ما يشبه الميزانية لحياتهم كما يفعل أصحاب المشاريع الاستثمارية، وهذه الميزانية ليست الميزانية التي تعارف عليها الناس، وبشكل أخص أصحاب المال، وإنما هي ميزانية تتعلق بالوقت الذي يملكه الإنسان وكم يدخر منه وكم ينفق منه، وهذا الذي ينفقه هل ينفقه فيما يعود عليه بالنفع له ولمن حوله من الذين جعلهم الله تعالى تحت رعايته من زوج وولد وأقرباء، أم أنه يسرف في إنفاقه في اللهو حتى ولو كان بريئا ومباحا؟.
على الإنسان أن يسجل في هذه الميزانية ما يملكه من وقت، وما ينفقه منه، وعليه أن يدقق في الوقت الذي ينفق وألا يضيعه فيما لا فائدة فيه، بل قد يؤول إليه بالخسران المبين في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله تعالى بعمل صالح متقبل، وسعي مبرور مقبول، والوقت الذي يملكه الإنسان ينقسم قسمين عاجل وآجل، أما العاجل فهو اليوم والليلة التي يتقلب فيهما الإنسان، وعليه أن يضع لهما ميزانية محدودة، وعليه أن يقسم عدد ساعات اليوم والليلة، وهي أربع وعشرون ساعة على الأعمال التي يجب عليه أن يؤديها فيها من عبادة وعمل ومدارسة العلم، ومعايش، وأن ينظم هذا الوقت بحيث يستوعب حركته بالليل والنهار فيما يعود عليه وعلى من هم في رعايته بالخير، وكما قال سلمان الفارسي لأخيه أبي الدرداء، حين زاره ووجده يبالغ في العبادة حتى يفرط في حقوق أهله، قال له: (إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق، حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان) رواه البخاري.
إذًا، فعلى المسلم أن يراعي حقوق ربه سبحانه وتعالى وحقوق نفسه وأهله، وفي رواية أخرى وزوره أي ضيوفه، هذا التنظيم العجيب للوقت وللحقوق يؤكد على عظمة الشريعة الإسلامية، وواقعيتها،وأنها تأخذ بعين الاعتبار مصالح العباد، ومشاعرهم، وحين ينظم المسلم أوقاته على مراعات هذه الحقوق، والوفاء بها، فإن الله تعالى سوف يبارك له في الوقت، وسوف يعينه على الاستفادة منه، وبالتالي فلن يتعلل حين يدعى إلى خير أنه مشغول ولا وقت لديه، لأنه حين ألزم نفسه بهذا التنظيم،فإنه قد وفر كثيرا من الوقت الذي كان يذهب سدى في أعمال لا فائدة منها، بل قد تكون وبالا عليه في عاجله وآجله.
والخلاصة التي علينا أن نعيها هي أن الإنسان يستطيع أن يجعل يومه كله عبادة وتقربا إلى مولاه سبحانه وتعالى إذا فقه معنى العبادة، وأنها كل عمل يعود بالنفع عليه في دنياه وأخراه،ولقد كتبت مقالا بعنوان «24 ساعة عبادة» وحذرت من أن يُفهم مقالي على غير الوجه الذي أردته حين يتعجل قارئ المقال، فيظن أني بهذا العنوان أدعو إلى الانشغال بالعبادة المشهورة عند كثير من الناس، وهي الصلاة والحج والعمرة، وقراءة القرآن فقط، وهذا ما أخشاه، فيضيقوا ما كان واسعا في الإسلام، وكنت أعني بقولي: 24 ساعة عبادة هي أن تمارس حياتك بالكامل بما فيها من عبادة، وعمل، وَلهْو مباح، وما يحتاج إليه الإنسان من أكل وشراب، وزواج، وما شابه ذلك ، وتكون كلها عبادة وذلك حين تجعل النية فيها خالصة لله تعالى، وخلاصة الأمر: أن العادة إذا دخلتها النية لله تعالى صارت عبادة، والعبادة حين تنزع عنها النية الخالصة لله تعالى تصبح عادة، وبهذا يستطيع المسلم أن يحول حياته طوال الأربعة والعشرين ساعة إلى عبادة دائمة من دون أن يشعر بأي نقص في أي جانب من جوانبها.

اتهم بعض المستشرقين والمبشرين رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) بأنه قد استقى معارفه من الأمم السابقة، وزعموا أن أحد الرهبان قد قام بتعليمه هذه المعارف التي لم يكن لقومه عهد بها، وهؤلاء المستشرقون والمبشرون لم يأتوا بجديد، فقد سبقهم إلى هذا القول كفار قريش الذين زعموا أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) كاذب فيما ادَّعاه أنه رسول مرسل من الله تعالى -وحاشاه أن يقول ذلك- وأنه قد جمع هذه العلوم والمعارف من أخبار الأمم السابقة وكان للعرب في الجزيرة صلة بهذه الأمم، بل كان بعضهم يدين بالنصرانية، وفي المدينة كان هناك اليهود، وهم من أهل الكتاب، وليس مستبعدًا في زعمهم أن مصدر هذه العلوم والأخبار من هذه الأمم وليس من الله تعالى.
ولقد رد القرآن الكريم على هؤلاء وأولئك في قوله تعالى: «ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين» النحل/103.
قالوا: إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) قد استقى هذه العلوم والمعارف من بحيرا الراهب الذي التقاه لما ذهب مع عمه أبي طالب في تجارة قريش، وكان عمره يومئذ لا يتجاوز الثانية عشرة سنة، فزعموا أنه في هذه السفرة القصيرة قد استقى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جميع معارفه من هذا الراهب، وغاب عنهم أن القرآن الكريم قد حوى مع أخبار الأمم السابقة، علومًا وأنباءً عن الغيب، وما يدري بحيرا بهذه العلوم التي لم يأتِ أوانها بعد، وأيضًا فإن القرآن العظيم قد أكد بما لا يدع مجالاً لأدنى شك على أمية الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأنه لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يعرف قومه نشاطا أدبيا له، أو شارك في المحافل الأدبية التي تقيمها قريش للشعراء والخطباء، فلم يشترك صلى الله عليه وسلم في واحدٍ منها، قال تعالى: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون(48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون(49)» العنكبوت.
الآية الجليلة تؤكد أمية الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأنه ليس بدعًا بين الرسل الذين سبقوه، والقرآن الكريم ليس أمرًا شاذا عما سبقه من الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله من قبل مثل: التوراة والإنجيل والزبور.
في سورة هود، وفي حديث القرآن الكريم عن نبي الله نوح (عليه الصلاة والسلام) وهو من أقدم الرسل، وهو عند الكثير من العلماء الأب الثاني للبشرية، يقول تعالى: «قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم(48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين(49)».
إذن، فهذه الأنباء المغرقة في القدم عن نبي الله نوح (عليه الصلاة والسلام) هي من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد ممن عاصر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنزلها الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) وليست معلومات ومعارف يتداولها الناس، ثم تصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبر من يقابلهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أو يتصل بهم بأي شكل من أشكال التواصل، أو معلومات يزعم أنه يعلمها من تلقاء نفسه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يزعم ذلك، وهو الذي أجمعت قريش على صدقه وأمانته، ومحال أن يدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى.
إن العلماء الثقاة الذين رائدهم البحث عن الحق والحقيقة قد شهدوا على صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنه نبي مرسل من الله تعالى، قال العالم الأمريكي مايكل هارت: «إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.. إن هذا الاتحاد الفريد الذي لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معًا يخوله أن يعتبر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية» وغير هذا الكثير من العلماء الذين أبى عليهم حيادهم العلمي إلا أن يعترفوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنه أعظم العظماء في تاريخ البشرية في القديم والحديث.