Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

الأمة المنصورة

Posted: يونيو 30, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٧ يونيو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

العنوان قد يشجع بعض المتشائمين على الاعتراض، وربما على السخرية مما ذهب إليه الكاتب، فأي نصر يتحدث عنه بعض الكتاب الإسلاميين والأمة الإسلامية ترزح تحت نير الاستعمار السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي؟.
وقد يتساءل سائل متعجل ويقول: عرفنا الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي، فماذا عن الاستعمار الاجتماعي، وهل في الاجتماع استعمار؟
ونقول لهذا المتعجل: نعم في الاجتماع استعمار حين ترزح الأمة تحت عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان جاءت مع فلول المستعمر، فصارت بتقادم الزمن عادات وتقاليد للأمة الإسلامية لا تستطيع منها فكاكاً.
والآن نعود إلى حديثنا عن الأمة المنصورة الذي قد يحسبه بعض المتشائمين من المسلمين أمنية تداعب خيال الكاتب وأمثاله ممن ينحو هذا المنحى، وإلا فكل المعطيات على الأرض وفي واقع المسلمين تؤكد أن الأمة الإسلامية أمة مهزومة لا منصورة، ومتخلفة لا متقدمة، فمن أين جاء الكاتب بهذا القدر من التفاؤل؟!
أسئلة يحق لمن لا يرى رأينا، ولا ينحى منحانا أن يطرحها، فهي أسئلة مباحة بل مشروعة من أجل المساهمة في نهضة الأمة، والبحث لها عن حلول لما تعاني منه من مشاكل.
يوزن النصر عادة بما تحققه الأمة في المجالات المختلفة العسكري منها والاقتصادي والحضاري، فالأمة المنصورة هي: الأمة المتقدمة علمياً وحضارياً وسياسياً واقتصادياً، أما أمتنا في وضعها الراهن، فهي أمة مهزومة متخلفة في كل هذه المجالات.
ولكن هل هذه المقاييس هي وحدها التي نستدل بها على تقدم الأمة أو تخلفها، أم أن هناك مقاييس أخرى يمكن أن تدلنا على حظ الأمة من التقدم والبقاء، نقول وبالله التوفيق: إن بقاء الأمة الإسلامية كل هذا الزمن الطويل وهي تواجه الأعداء من كل جانب، حتى من داخلها إذ ظاهر بعض حكامها أعداءها وناصروهم عليها ورغم كل ذلك فإنها بقيت مستعصية على الزوال، أبية على الطاعة لغير الله تعالى، وغير خاضعة لغير شريعته الغراء، ومن أدلة أنها منصورة: أن الإسلام الذي تدين به ومنذ أن بزغ فجره الصادق وهو في تقدم وانتشار لا يصده عن غايته الشريفة صاد، ولا يعطل مسيرته أحد من البشر، ورغم ما يشاع عنه من أنه دين العنف والإرهاب فإن ذلك يزيد في انتشاره، ويؤكد ذلك ما قال الله تعالى عنه من أنه سيظهر على الدين كله ولو كره المشركون، قال تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» سورة التوبة/33.
وكان كثير من الناس يتوقعون، بل يؤكدون أن الإسلام سوف يخسر كل يوم أرضاً جديدة، ويخرج منه أفواج جديدة حتى لا يصيبهم ما أصاب المسلمين، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً، فرغم ما تعاني منه الأمة الإسلامية من ضعف وتخلف وهوان على الناس فإن الاسلام يتقدم تقدماً حثيثاً، والأمة في تخلف مستمر، وفي ضعف دائم، ولا نجد لذلك تفسيراً إلا أن تقدم الإسلام وقوة انتشاره ذاتية فيه وليست مرتبطة بأهله، ولو كان انتشاره وتقدمه متوقف على تقدم أهله وقوتهم لما دخل في الإسلام أحد، ولوقف انتشاره منذ زمن بعيد، منذ أن بدأ المسلمون يتخلفون عن ركب الحضارة الإنسانية، وتدب بينهم الصراعات، ويبطش قويهم بضعيفهم، ويمنع غنيهم عطاءه وبذله عن فقيرهم، وأخذ كل حاكم مسلم يستعين بأعداء دينه على إخوانه، ورغم ذلك فقد علمنا ديننا ألا نيأس ولا نقنط من رحمة الله تعالى، قال تعالى:« قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم» سورة الزمر/53.
إذاً، فالأمة الإسلامية، أمة منصورة، وهي ليست أمنية نتمناها، بل لأن الله تعالى أراد لها أن تنتصر، وأن تبقى حتى نهاية الحياة، فهي أمة القيامة بمعنى أن القيامة سوف تقوم عليها بعد أن تؤدي مهمتها التي وكلت إليها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله تعالى، ومن مهماتها أيضاً الشهادة على الناس يوم القيامة، وتخلفها الآن لا يعني أنه مصير لا رجاء في تغييره، بل هو حالة أصابت الأمة ولها أسبابها، فإذا انتفت هذه الأسباب عادت الأمة إلى ما كانت عليه من النهضة والتقدم، وهي تملك أسبابهما.
نعم الأمة الإسلامية، أمة منصورة بكل هذه المعطيات وإن تأخر هذا النصر وإن شابه ما شابه من شكوك عند بعض المسلمين لأنهم لا ينظرون إلى الأفق البعيد، ولا إلى نبوءات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي تحدث عن دورات الزمن، وأن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة قادمة لا محالة ذلك لأن النبع الصافي لتعاليم السماء لم يعكره ولم يلوثه من يبذلون جهدهم، ويستفرغون وسعهم من أجل تعطيل مسيرة الإسلام المظفرة.
الأمة الإسلامية، أمة منصورة لأن الله تعالى كتب لها الخلود حين كتب الخلود لكتابه ووحيه المعجز، فقال سبحانه:« إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» سورة الحجر/9. وإلا كيف نفسر تداعي الأمم عليها منذ أزمان بعيدة من أجل القضاء عليها، ووقف حركة الإسلام، بل حتى مِنْ بعض مَنْ هم محسوبون عليها مِمِنْ يلون أمورها، ورغم كل ذلك فهي باقية، ودينها ينتصر كل يوم حتى في أحلك ساعات الليل والنهار، لأن الله تعالى تعهد بإظهاره، وإتمام نوره في ثلاث آيات وهي: الآية (33) من سورة التوبة والآية (28) من سورة الفتح، والآية (9) من سورة الصف، في هذه الآيات الثلاث تعهد الحق سبحانه وتعالى بإظهار الدين، ونصر الشريعة، ولن تقف قوة في الأرض مهما عظمت لكي تعطل هذا النصر، وذلك الظهور، وأما الأمة الإسلامية وما هي فيه من تخلف عن ركب الإسلام، فإن هذه حالة طارئة وسوف تلحق الأمة بركب الإسلام إن عاجلاً أو آجلاً.

تاريخ النشر :٢٠ يونيو ٢٠١٤

في شعبان تغيرت القبلة التي يتجه إليها المسلمون في صلاتهم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة، وكانت تلك أمنية غالية طالما تمناها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ربه سبحانه وتعالى، فلم يخيب الله تعالى رجاء نبيه ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم)، فحقق له ما تمنى، كان ذلك حدث عظيم له ما بعده أثبت الحق سبحانه من خلاله من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وسجل الحق سبحانه ذلك في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: «.. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم» سورة البقرة/143
كان اتجاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس في فلسطين في بداية فرض الصلاة لحكمة يريدها الله تعالى، ويحقق من خلالها طاعة المسلمين لله ولرسوله، فلما تحقق ذلك بتوجههم في صلاتهم إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف رغم ما صاحب ذلك من أقاويل اليهود ومزاعمهم التي أخذوا يشيعونها بين المسلمين، ويستدلون بتوجه المسلمين إلى قبلتهم على أن دينهم هو الدين الحق، وأنه الدين الأولى بالاتباع، وأنه خاتم الرسالات، عندها أذن الله تعالى لرسوله(صلى الله عليه وسلم) بالتوجه إلى البيت الحرام في مكة المكرمة لتكون هي قبلة المسلمين إلى قيام الساعة، وبذلك أنهى الحق تبارك وتعالى الجدل حول هذه المسألة التي طال الجدل حولها، وشغلت الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ردحاً من الزمن وأراد الله تعالى أن يترك علامة مادية على سماحة الإسلام، وتدرج التشريع فيه، وذلك حين وصل إلى المسلمين خبر تغيير القبلة وهم يصلون صلاة العصر، وقد أدوا ركعتين من صلاتهم متجهين إلى بيت المقدس أداروا وجوههم إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، فسمى ذلك المسجد الذي صلى فيه المسلمون إلى قبلتين بالمسجد ذي القبلتين، وصار من السنّة أن يصلي فيه الحجاج ركعتين تخليداً لهذه المناسبة العظيمة، واعترافاً بصحة ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم حين توجهوا إلى بيت المقدس في فجر الإسلام طاعة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم).
وكان من الحكم الجليلة كما أشرنا سابقاً هو إدخال القبلة الأولى في بيت المقدس ضمن مقدسات المسلمين وهذا يعني مسؤوليتهم عن رعايته والدفاع عنه، وأن اعتراف المسلمين بالمسجد الأقصى كقبلة للمسلمين يدخل ضمن إيمان المسلمين بالأنبياء والرسل السابقين، وبالكتب المنزلة عليهم قبل أن تطالها يد التحريف، مصداق ذلك قوله تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» سورة البقرة/285.
إذاً، فقد تم للمسلمين إيمانهم الحق، وصاروا الأمة الوحيدة المؤهلة لقيادة ركب البشرية إلى صراط الله المستقيم، فهي صاحبة الرسالة الخاتمة التي تعترف بجميع الأنبياء والرسل الكرام وبما أنزل عليهم من كتب، كما أنهم يتوجهون إلى جميع الجهات التي كانت قبلة لكل نبي من أنبياء الله ورسله (صلوات الله وسلامه عليهم).
هذه بعض حكم تحويل القبلة في النصف من شهر شعبان المعظم، وفيه دليل على طاعة المسلمين لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) كما نص القرآن الكريم على ذلك في محكم تنزيله.

تاريخ النشر :١٣ يونيو ٢٠١٤

في شعبان المعظم حدث انقلاب عظيم تحققت فيه أمنية غالية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) طالما شغلته وأقضت عليه مضجعه، وكان دائم التطلع إلى السماء يسأل مولاه عز وجل أن يحقق له هذه الأمنية الغالية، وأن يتحول في صلاته إلى قبلة أبيه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، إلى الكعبة المشرفة، البيت المعظم الذي وضع للناس، وهو أقدم بيت عبُد الله تعالى فيه، قال سبحانه وتعالى: {إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين} سورة آل عمران/96.
ولكن لحكمة جليلة لا يعلمها إلا الله تعالى أمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يتجه في صلاته أول مرة إلى بيت المقدس، وكان اليهود يشيعون بين الناس: أن محمداً ما توجه إلى قبلتنا إلا لأنه يعرف أن ديننا هو الحق، ولو كان دينه هو الحق لما اتبع قبلتنا، وكانت هذه المقولة تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يقلب وجهه في السماء راجياً مولاه عز وجل أن يرد على هؤلاء، ويحسم الأمر، فحقق الحق تبارك وتعالى لنبيه ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم) ما كان يتمناه، وأمره أن يتوجه إلى الكعبة المشرفة في صلاته، ونزل قوله تعالى:{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} سورة البقرة/144.
بهذا التنزيل المبارك حسم الحق تبارك وتعالى الجدل حول هذه القضية، ورد على ادعاءات اليهود، وأكد لهم أن الجهات كلها لله تعالى ولا يملكها أحدٌ من الناس، قال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} سورة البقرة/142.
وندرك بعض الحِكَمْ من خلال هذا الحدث العظيم، منها: أن الله تعالى حين أمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) بالتوجه في صلاته إلى المسجد الأقصى كان سبحانه يريد أن يظهر لأهل الديانات الأخرى مدى سماحة الإسلام، وأيضاً يريد أن يجمع لرسوله (صلى الله عليه وسلم) جميع الجهات التي يتوجه إليها الناس في صلواتهم، ثم ليجعل المسجد الأقصى ضمن المقدسات الإسلامية، وأن المسلمين مسؤولون عن حمايته والدفاع عنه، ولقد سبق للحق سبحانه وتعالى أن سجل ذلك في حدث الإسراء والمعراج حين جعل المسجد الأقصى واسطة العقد في رحلتي الإسراء والمعراج، والمحطة التي انتهت إليها رحلة الإسراء وابتدأت منها رحلة المعراج.
إذن، فقد تحققت للمسلمين ملكية بيت المقدس، والمسجد الأقصى حتى من قبل أن يصير مسجداً بمفهوم الإسلام للمساجد.
وبعد، فهذه شذرات من عطاء شهر شعبان المعظم الذي جعله الله تعالى شهراً يتذكر فيه المسلمون عناية الله تعالى بأمة الإسلام التي اصطفاها من بين الأمم جميعها لتكون صاحبة الرسالة الخاتمة، والرسول الخاتم، والمعجزة الخاتمة، وأمة البلاغ، وأمة الشهادة على الأمم جميعها يوم القيامة.

تاريخ النشر :٦ يونيو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

لله عباداً أخلصوا لله باختيارهم، فصاروا مُخْلَصين باختيار الله تعالى لهم.
الطريق مفتوح لبلوغ القمة، والخطوة الأولى على هذا الطريق هي حسن الاختيار، والتصميم على التجاوز، تجاوز العقبات، وتذليل الصعوبات، والإيمان بوعد الله تعالى: «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (سورة النحل/128).
وأن الله تعالى لن يترنا من أعمالنا شيئاً، وأن لكل مجتهد نصيبًا من سعيه واجتهاده.
وبيدك أيها المؤمن أن تكون من المُخْلَصين إذا أنت أخلصت في عملك، واتقيت الله تعالى فيما تأخذ وتدع من أمور دينك ودنياك.
فالمُخْلَصون قوم أحبوا الله تعالى فأحبهم، ومشوا في الطريق الذي دلهم عليه لإثبات محبتهم له سبحانه، وذلك حين قال لهم: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم» سورة آل (عمران/31).
فالقول: إنكم تحبون الله ادّعاء تنقصه البيِّنة، ومن رحمة الله تعالى أنه سبحانه لم يتركهم يتعثرون وهم يبحثون عن البينة التي تؤكد حبهم لله تعالى، بل دلهم عليها سبحانه، وقال لهم: إذا أردتم أن تثبتوا محبتكم لي، فأمامكم طريق واحد لا غير هو: اتباع رسولي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي اخترته لكم واخترتكم له، فطريقه هو الطريق الوحيد الذي يؤكد محبتكم لي، وإخلاصكم لرسولي الذي أرسلته إليكم.
ومعلوم أن الإسلام منذ اللحظة الأولى لإشراقة شمسه وبزوغ فجره للعالمين جعل الاختيار الحر هو السبيل إليه، والوسيلة لبلوغ أعلى الدرجات، وربط الجزاء على حسن الاختيار، كما جعل العقوبة على سوء الاختيار.
وعندما سقط إبليس في الامتحان في مادة التواضع رغم أنه نجح في جميع المواد حتى صار في عداد الملائكة باختياره الطاعة على المعصية حتى سموه «طاووس الملائكة» لاختياله وتكبره، ولكن حين ابتلاه ربه
لم يصبر ولم يحتسب بل قال في صلف وغرور واستكبار: «…أأسجد لمن خلقت طيناً» (سورة الإسراء/61)، ولهذا طرده ربه من رحمته. وأما آدم (عليه السلام) فقد تاب عليه ربه واصطفاه، وجعله خليفة في الأرض، بل وأسجد له الملائكة أجمعين.
لقد ظنّ إبليس أن الأفضلية بالمادة التي خلق منها وهي النار، وفاته أن الأفضلية اصطفاء يصطفي الله تعالى لها من خلقه من يشاء، وأن المهمة التي خلق من أجلها آدم (عليه السلام) والعلم الذي علمه الله تعالى هما اللذان جعلا آدم في هذه المنزلة العظيمة.
وهكذا صور لنا القرآن الكريم ذلك المشهد تصويراً رائعاً حين أمر الله تعالى الملائكة -وكان إبليس معهم- أن يسجدوا لآدم تعظيماً وتكريماً له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين، ولهذا استحق الطرد واللعن من رحمة الله تعالى، ولأن إبليس زعيم الأشرار وقائدهم إلى النار أبى عليه ذلك أن يطرد وحده من رحمة الله تعالى، فأراد أن يضل قدر ما يستطيع من عباد الله تعالى، فسأل ربه سبحانه أن يمد في أجله ليكون آخر من يقضى عليه بالموت، ولهذا: «قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38)» (سورة الحجر).
ثم أعلن في صراحة عداوته البينة لأبناء آدم (عليه السلام) بعد أن حاول مع أبيهم آدم (عليه السلام) وفشل حيث تاب عليه ربه ثم اجتباه وكرمه، وهذا مما زاد في بغض إبليس لآدم (عليه السلام) وأقسم على أن يقعد لأبناء آدم صراط الله المستقيم: «قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم (16) ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)» (سورة الأعراف).
ولكن الله تعالى غفر لآدم واصطفاه، وفوّت على إبليس ما كان يطمح إليه، وهكذا لما أفلت آدم (عليه السلام) من قبضة إبليس قرر إبليس أن يضل أبناء آدم، وأن يعمل جاهداً على صرفهم عن طاعة الله تعالى.
هذا هو إبليس، وهذه هي عداوته المسبقة لآدم (عليه السلام) ولأبنائه من بعده، ولقد كشف النقاب عن خططه ومؤامراته مع تأكيد أنه ليس له سلطان عليهم، لا سلطان القهر ولا سلطان العقل، وإنما هم يقعون في المعاصي بإرادتهم، صحيح أنه يزيَّن لهم المعاصي، ولكنه لا يستطيع أن يحملهم على الوقوع فيها بسلطانه لأن كيد الشيطان كان وسيظل ضعيفا، وها هو يعلن ذلك صراحة: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» (سورة إبراهيم/22).
هذا هو إبليس، وهذا هو شأنه معكم، يزين لكم المعصية في الدنيا ويتبرأ منكم يوم القيامة، ويعلنها صريحة أنه ليس له سلطان عليكم وأنكم أتيتم إليه بإرادتكم، وبمحض اختياركم، فأنتم وحدكم المسئولون عن صلاحكم وفسادكم، وهدايتكم وضلالكم.
فكونوا من المُخْلَصين باختياركم لتكونوا من المُخْلَصين باختيار الله تعالى لكم.

أسرى بك الله

Posted: يونيو 3, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٣٠ مايو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

إن حدث الإسراء والمعراج، حدث كوني لم تشهد البشرية مثله من قبل، ولن تشهد مثله من بعد، فإن عصر النبوات قد انتهى، وكان ختامه نبوة رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومعجزات الأنبياء (عليهم السلام) قد انتهت وختمت بأعظم معجزة على الإطلاق، وهي القرآن الكريم الذي تعهد الله تعالى بحفظه، فقال سبحانه:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} سورة الحجر/9.
كما تكفل سبحانه بصيانته عن التحريف بالإضافة أو الحذف، فقال جل جلاله:{..وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)} سورة فصلت.
إنه كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية، ويحق للأمة الإسلامية أن تفخر على الأمم الأخرى بأنها الأمة الوحيدة على الإطلاق التي تملك الدليل والبرهان على صدق نبوة رسولها (صلى الله عليه وسلم)، وأنها الأمة الوحيدة من بين الأمم قاطبة التي تستطيع أن تقول، وهي على ثقة ويقين: أنها وحدها التي تملك المعجزة الباقية من معجزات الله تعالى التي أنزلها على رسله وأنبيائه، ولكن لا يعني هذا أن تكتفي الأمة بالفخر، وتترك العمل الصالح، بل عليها أن تبادر إلى العمل بكل طاقاتها، وأن تقدم الدليل على استحقاقها لهذه المنزلة التي اختارها الله تعالى لها.
وكما تفخر الأمة بالقرآن، فهي كذلك تفخر بحدث الإسراء والمعراج الذي جعله الله تعالى مهرجان تكريم لرسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد أن قلاه أهل الأرض، فكرمه أهل السماء من أنبياء الله وملائكته الكرام، ولقد حقق الحق سبحانه لرسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) أمنية غالية، وهي أن يلتقي بأجداده وآبائه وإخوانه ومن الأنبياء والرسل الذين سبقوه بأزمان بعيدة، فكان ذلك في رحلة الإسراء حين قدموه إماماً ليصلي بهم عندما حان وقت الصلاة، ثم التقى بهم كل في السماء التي هو فيها، فجمع الحق سبحانه وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) احتفاء الأرض واحتفاء السماء، وذلك لتأكيد مكانته صلى الله عليه وسلم بين من سبقه من الأنبياء والمرسلين، ومقامه الكريم في الملأ الأعلى فيما وراء سدرة المنتهى، ولله در أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
حتى بلغت سماءً لا يطار لها
على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل كل نبي عند رتبته
ويا محمد هذا العرش فاستلم
نعم لقد بلغ صلى الله عليه وسلم مرتبة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحاز بذلك السبق في ميدان لم ولن يشاركه فيه أحد، فهو إمام الأنبياء والمرسلين باعترافهم له بذلك، وبوقوفهم خلفه في الصلاة، وكان بينهم من هو أحق منه سناً وسابقة لو كان الأمر بالسن أو السابقة، ولكن الله تعالى أراد بذلك أن يشهد جميع الأنبياء، بل حتى الملأ الأعلى من الملائكة على مقام هذا النبي الكريم، وأنه بحق صاحب الدين الكامل، والنعمة التامة، وأنه وأمته شهداء على الناس يوم القيامة.
وكان من معاني إمامته للأنبياء والرسل الكرام في الصلاة إمامة شريعته لكل الشرائع، وإمامة كتابه على كل الكتب، وأيضاً إمامة أمته على كل الأمم، إذن، فالصلاة التي أمَّ فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إخوانه وآباءه وأجداده من الأنبياء والمرسلين لم تكن صلاة عادية، أو نافلة من النوافل، بل هي صلاة تقررت فيها قضايا عظيمة، وتحددت فيها مقامات كثيرة، وعرف -كما قال شوقي- كل نبي رتبته في موكب الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام).
في يوم الإسراء تسلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لواء الزعامة، وتقدم ركب أولي العزم من الرسل الكرام وسار الجميع خلفه مقرين له بالإمامة، ومعترفين له بالفضل طاعة لمولاهم سبحانه وتعالى الذي أمرهم بذلك، وجمعهم في هذا المكان الطاهر الذي كان ومكة المكرمة والمدينة المنورة أماكن ثلاثة تشرفت بأقدام أولي العزم من الرسل الكرام.
وفي يوم المعراج ختمت المعجزة حين بلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منزلة تتقطع دونها الأعناق، وصار في مقام كريم لم يبلغه-كما قلنا- ملك مقرب، ولا نبي مرسل، واختص الله تعالى رسوله محمدا (صلى الله عليه وسلم) دون باقي الأنبياء جميعاً بهذه المعجزة الفريدة التي لم تكن لنبي قبله، واستحق بذلك أن يكون عن جدارة إمام الأنبياء والمرسلين، وخاتمهم، فهو مسك الختام للأنبياء والمرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم).

الشاهد الفريد

Posted: مايو 27, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٣ مايو ٢٠١٤

كانت المحنة التي تعرضت لها السيدة مريم ابنة عمران (عليها السلام) محنة شديدة جعلت الألسنة تنطلق بمقالات السوء، وتتهمها اتهامات باطلة لم تجد من يدافع عنها ويقف إلى جوارها، فها هي تحمل وليداً لا يعرف له أب، وهي الطاهرة المطهرة، لم تكن بغِّياً ولم يمسسها بشر، فكيف لها أن تدفع هذه التهمة عنها، وأن تفند أقوال قومها فيها، وظن القوم لا يتسع : أن الله تعالى على كل شيء قدير، وها هم يكيلون لها الاتهامات، ويثيرون حولها الأقاويل، وهي عاجزة عن أن ترد عليهم، أو أن تفند شكوكهم، أو تبطل حججهم حتى أوحى الله تعالى إليها بوسيلة الإنقاذ.
أمرها أولاً: بأن تصوم عن الكلام، لأن أي كلام سوف تقوله لن يجدي نفعاً مع قومها، فقد أجمعوا على اتهامها بشتى الإتهامات وخاصة مع صمتها وعدم دفاعها عن نفسها، فأمرها مولاها سبحانه وتعالى أن توجه أنظارهم إلى وليدها الذي سوف يتولى أمر الدفاع عنها بوحي من الله تعالى، ولأنها تعلم أنهم لن يصدقوا أبداً أن وليدها قادر على الكلام فضلاً عن أن يقدم الحجج والبراهين على براءتها لأنهم يعلمون علماً أكيداً أن الوليد في مهده لا يمكن أن يتكلم، ولقد صور القرآن الكريم حالة السيدة مريم وهي في محنتها أبلغ تصوير قال تعالى: «فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا(29)» سورة مريم.
إنها في وضع لا تحسد عليه ولن ينجيها من محنتها إلا كلام الوليد الذي حكم القوم في ثقة باستحالة نطقه فضلاً عن الحديث معه، كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد منهم حين تكلم الوليد بكلام فيه من الحكمة والمنطق وسداد الرأي ما يفوق حديث العلماء والحكماء وكبار القوم!.
نعم لقد تكلم الوليد وهو «في المهد صبيا» ولم يتحدث عن براءة أمه فقط، كما أنه لم يتحدث عن الحال التي هو فيها، بل تحدث عن مستقبله الموعود!.
إذاً، فهو لم يبرئ أمه الطاهرة من التهمة الشنيعة التي رموها بها وهي بريئة منها فحسب، بل لقد أنبأهم بما سيكون من أمره في قابل أيامه، إنه حقاً لشاهد فريد لم تحظ ساحات القضاء بمثله، ولن يجود الزمان بمثله أبداً، إنها معجزة من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يديه لإثبات أولاً: براءة أمه، وثانياً: ارهاصاً من إرهاصات نبوته (عليه السلام).
تكلم الصبي الوليد وسط دهشة القوم وعدم تصديقهم لما يشاهدون ويسمعون، وقال لهم: «إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ ولداً سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36)» سورة مريم.
وهكذا أنقذ الوليد، وهو الشاهد الفريد سمعة أمه، واستعاد لها كرامتها، ولم ينس المهمة الجليلة التي خلق من أجلها، وهي دعوة قومه إلى التوحيد، واعترافه هو بأنه عبدالله، وليس ابن الله كما يزعمون، وهو أصغر نبي دعا قومه إلى التوحيد، وأن ما حدث له، والمعجزة التي تمت بولادته من أم دون أب أمر لا يعجز الله تعالى لأن أمره سبحانه بين الكاف والنون «.. إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» (يس/82) مهما كان هذا الشيء صعباً أو مستحيلاً في تصور الناس، ثم لا ينسى عيسى (عليه السلام) وهو ينهي دفاعه عن أمه أن يدعو الناس إلى التوحيد، ويعلنها واضحة صريحة، وفيها رد قاطع على من ينسب إليه (عليه السلام) أنه قال للقوم: اتخذني وأمي إلهين من دون الله.
إنها شهادة فريدة من شاهد فريد، ومعجزة بدأ بها الله تعالى معجزات نبيه عيسى (عليه السلام) الموعود بها لما يشتد عوده ويبلغ العمر الذي سوف يبعث فيه للناس.

صك البراءة

Posted: مايو 19, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٦ مايو ٢٠١٤

اُمتحن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في أهله حين انطلقت ألسنة السوء والفحشاء لتنال من زوجه الطاهرة العفيفة أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر(رضي الله عنهما) ولقد قاد رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول حملة التشهير مع جماعة من المنافقين الذين كشف الله تعالى عن باطلهم، وطهَّر المجتمع المسلم من أرجاسهم، وصدق الله العظيم حين قال: {.. لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم..} سورة النور/11.
نعم هو خير للأمة لأنه فصل فسطاط النفاق عن فسطاط الإيمان، وكشف للمسلمين مصدر هذه الإشاعة الخسيسة التي حاولت أن تدمر المجتمع الإسلامي، وتنقض عرى المودة فيه.
وأبى الله تعالى إلا أن يكرِّم رسوله (صلى الله عليه وسلم) وزوجه الطاهرة المطهرة بأن ينزل سورة كاملة محكمة يبرئ فيها زوج النبي(صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى في مفتتح السورة المباركة: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} الآية 1.
وجاء فيها أحكام الزنا والعقوبات المترتبة عليه، وبيَّن فيها الحق تبارك وتعالى حكم زواج الزاني والزانية، فالزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين، وهذا حكم واضح في الشريعة الإسلامية.
أيضاً قررت السورة الجليلة حكما خاصا بالخبيثين والخبيثات، والطيبين والطيبات، فقال تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} الآية 26.
وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحاشا زوجه أن يكونوا من هؤلاء، بل هم من الطيبين والطيبات، وهذا دليل آخر على براءة السيدة عائشة (رضي الله عنها) وطهرها.
كذلك لم يُقِمْ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحدَّ عليها ولو ثبت له جرمها لما تردد في إقامة الحدَّ عليها ألم يقل صلى الله عليه وسلم: [..وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها..] متفق عليه، رواه البخاري برقم(6788)، ورواه مسلم برقم (1688) جزء من حديث.
وحاشا لفاطمة (رضي الله عنها) أن تسرق، لكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يؤكد أنه ليس هناك إنسان مهم علا قدره فوق الشريعة، أو يُعْفى من العقوبة، فكذلك لو ثبت على السيدة عائشة (رضي الله عنها) ما اتهموها به لأقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليها الحدَّ، ولم تأخذه في الله تعالى لومة لائم، وكونه لم يفعل ذلك، فذلك دليل قاطع على أن التهمة باطلة، وأنها رضوان الله تعالى عليها بريئة مما نسب إليها، وأيضاً فإنه لو ثبتت عليها المعصية لطلقها صلى الله عليه وسلم ولم تبق زوجة له وأماً للمؤمنين.
ودليل آخر وهو أن مصدر هذه الإشاعة الباطلة هو رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول وزمرة من المنافقين عندها ندرك أن ذلك إفك مبين.
هذه هي قصة الإفك التي تولى كبرها رأس المنافقين، وظاهره عليها فريق من الخبثاء الفاسقين الذين أرادوا أن يعيثوا في الأرض فساداً، ويسيئوا إلى بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحطوا من قدر زوجه الطاهرة أم المؤمنين عنده، كما أرادوا أن يسيئوا إلى بيت صاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) لكن الله تعالى أبى عليهم ذلك، وفضحهم وأنزل قرآناً يتلى إلى يوم القيامة يبرئ فيه أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) ويرد سهام الخائنين إلى نحورهم، ويظل المسلمون يتلون هذه السورة العظيمة في صلواتهم وخارج صلواتهم ويرددون من خلالها براءة السيدة الطاهرة عائشة زوج النبي(صلى الله عليه وسم).
وبقي أن نقول للخائنين والمنافقين: موتوا بغيظكم فإن الله تعالى هو الذي يدافع عن الذين آمنوا.

صفقة خاسرة

Posted: مايو 13, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٩ مايو ٢٠١٤

قال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)} سورة التوبة.
من رحمة الله تعالى بالناس أنه سبحانه إذا أعطى حاسب، وإذا سلب ما وهب أسقط ما وجب، وأنه جل جلاله إذا أعطى عبده القليل لم يطالبه بالكثير رغم أنه لا يوجد كثير في جنب الله تعالى، فكل عمل يتقرب به العبد من ربه تعالى قليل.
وأن العبد قد يسأل ربه تعالى ما لا يستطيع الوفاء معه عند الابتلاء، وهذا حال من تحدثت عنهم هذه الآية الجليلة من سورة التوبة، لذلك قرر الحق تبارك وتعالى حقيقة لا مجال لردها وهي قوله تعالى:{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} سورة الشورى/27.
هذه الجماعة من الناس امتحنهم الله تعالى بأن فتح لهم كنوز عطائه، فنسوا أو تناسوا حقوق الله تعالى في هذا المال، وحقوق الفقراء والمساكين فيه، وحرصوا على كنزه وعدم إنفاقه في وجوه الخير، ولم يستثمروا هذه النعمة في المجالات التي دلهم عليها مولاهم سبحانه وتعالى.
إن الإنسان لن يؤخذ على غرة، ولن يفاجأ بثمرة ما جنته يداه، وسولت له نفسه الأمَّارة بالسوء، بل لقد بلغه العلم بذلك، وقال سبحانه محذراً العصاة، والشاردين عن صراطه المستقيم:{من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} سورة الإسراء/15.
لقد بيَّن الحق سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين الجزاء على الطاعة وعلى المعصية، كما دلهم على سبل النجاة في كل أمر من أمورهم، وكرر في القرآن الكريم التحذير منه سبحانه، قال تعالى:{يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} سورة آل عمران/30. (واقرأ أيضاً الآية 28 من نفس السورة).
وما يتعلل به العصاة من أن الشيطان هو السبب فيما اقترفوه من معاصٍ إنما هي علل كاذبة لأن الشيطان أعلن أنه ليس له سلطان على العصاة، وأنهم كانوا على استعداد لأن يستجيبوا لأي داعٍ يدعوهم إلى المعصية، فالشيطان لا يملك سلطان القهر ولا سلطان الإقناع، وهو يحذرهم بقوله: فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!
ولهذا، فعلى المسلم العاصي أن يعد لذلك اليوم حجته، وألا يجعل الشيطان مشجباً يعلق عليه أخطاءه ومعاصيه.
فهؤلاء القوم الذين أنعم الله تعالى عليه بالذهب والفضة لم يطلب منهم في مقابل ذلك الكثير، بل طلب اليسير، أن يدفعوا زكاة هذه الأموال حتى لا تعتبر أموالاً مكنوزة يحاسب المسلم عليها يوم القيامة.
ورغم هذا الوضوح في التكاليف الشرعية، ورغم هذا البيان المعجز الذي أنزله الله تعالى في قرآنه، فإن كثيراً من الناس يقعون في المعاصي، ويضنون بشيء يسير من المال يدفعونه إلى أهل الحاجة من الفقراء والمساكين، فيعرضون أنفسهم لعقاب الله تعالى يوم القيامة.
الله تعالى أعطى المال للطائعين وللعصاة، وجعلهم قادرين على الطاعة وعلى المعصية، وترك لهم حرية الاختيار من دون إكراه، فهو سبحانه وتعالى لم يجبر الطائعين على الطاعة، كما أنه لم يجبر العصاة على المعصية وترك لهم جميعاً حرية الطاعة وحرية المعصية.
وبعد، فإن الآية الجليلة التي صدرنا بها حديثنا بمثابة إعلان تحذيري لمن أنعم الله تعالى عليهم بنعمة من نعمه الكثيرة فلم يتحدث بها، ولم يوفيها حقها من الشكر، فصار حاله مثل من يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله من الذين توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم، فعليهم أن يحذروا ويقوا أنفسهم ناراً وقودها الناس والحجارة عافانا الله تعالى منها، ونسأله تعالى أن يجعلنا من المنفقين المتصدقين.
ونداء محب لأهل المال والثراء من الذين يكنزون الذهب والفضة لا تعيشوا عيشة الفقراء لأنكم يوم القيامة سوف تحاسبون حساب الأغنياء الواجدين، فالحساب يكون على قدر العطاء.

الجار

Posted: مايو 5, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢ مايو ٢٠١٤

البعد الاجتماعي في علاقة المسلم مع غيره أكد عليها الإسلام في أكثر من موضع سواء في القرآن الكريم أو السنة المطهرة، وكانت أقوال الرسول(صلى الله عليه وسلم) وأفعاله تقرر هذه الحقيقة التي لا يثور حولها الجدل، فكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته ووجد أنهم قد ذبحوا شاةً- وكان نادراً ما يحدث- كان السؤال الذي يشغله صلى الله عليه وسلم هو: هل أهديتم إلى جارنا اليهودي؟!
فقد كان صلوات ربي وسلامه عليه حريصاً أشد الحرص على الوفاء بحقوق الجار عليه أياً كانت صلة هذا الجار به، وقد جعل صلى الله عليه وسلم ثلاثة حقوق للجار المسلم القريب، حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وللجار المسلم حقان، حق الجوار وحق الإسلام، وحقاً واحداً للجار غير المسلم، وهو حق الجوار.
هذه هي شريعة الإسلام، وهذا هو عدلها وانصافها، بل هذا هو إحسانها، ومن أراد أن يحقق كمال الإسلام في نفسه، فعليه أن يحسن الإتباع لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) وكما أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نصلي كما رأيناه يصلي ونقل إلينا كيف يصلي، وأمرنا أمراً عاماً أن نأخذ عنه مناسكنا، فهو يأمرنا أيضاً أن نتأسى به في أخلاقه وسلوكه صلى الله عليه وسلم، وذلك لنقدم للناس ما يطمحون اليه من حسن العلاقات، وعظيم الصفات.
ولقد لفتنا صلى الله عليه وسلم إلى عظيم حق الجار علينا حين قال صلوات ربي وسلامه عليه:[ ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه] متفق عليه، رواه البخاري برقم(6014)، ومسلم(2624).
وحين يلح أمين السماء وأمين الأرض على العناية والرعاية بالجار، فهذا يعني أن الله تعالى يأمرهم بذلك، ويشدد على هذه المسألة، ويعد من يقوم بها بالجزاء العظيم، وحين يتحقق ذلك، فإن اللحمة الاجتماعية بين المسلمين بعضهم ببعض، بل بينهم وبين غير المسلمين تكون أقوى وأوثق، وهذا ما يريده الإسلام ويؤكد عليه.
إن الإسلام بمنظومته القيمية يدعو الى إشاعة المحبة بل والمودة بين الناس، وتأملوا قوله تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} سورة الممتحنة/8.
بل نهى الإسلام نهياً صريحاً أن تؤثر مشاعرنا وأحاسيسنا في أداء الحقوق إلى أصحابها حتى ولو كنا نبغضهم، فأداء الحقوق يجب ألا يتأثر بالمشاعر والأحاسيس، يقول سبحانه وتعالى:{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} سورة المائدة/8.
والإسلام لا يكتفي بمطالبتنا بالعدل بل يطالبنا بما هو فوق العدل، وهو الإحسان إذا أردنا حقاً أن نكون من المتقين، فالعدل إعطاء الحقوق لأصحابها، أما الإحسان، فهو الزيادة على العدل، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى:{ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين134 )} سورة آل عمران
إنما جاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق، ويعلي من شأن الفضائل، ويقدم إلى البشرية حضارة من لون جديد لم تحلم البشرية بمثلها، فالحق في الحضارة الإسلامية أحق أن يتبع، وأولى أن يهيمن على مشاعرنا وأحاسيسنا ولا يجعلها تؤثر في أحكامنا، وتفرض سيطرتها على نظرتنا إلى الامور.
ومعلوم أن الحضارات قديماً وحديثاً لم تعتن بالقيم والأخلاق عناية الإسلام بها، وذلك لأن حضارته نابعة من شريعة إلهية وليست من وضع بشر، فالخلق في الحضارة الإسلامية جميعهم خلق الله، وخير الناس أنفعهم للناس، والمسلم الحق هو الذي يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وأن يسعى في الإصلاح بين إخوانه المسلمين، ويرد الأذى عنهم، لأن فساد ذات البين هي الحالقة، لا تحلق الشعر بل تحلق الدين، والإصلاح بين الناس هو الخير كله.
ذلكم هو الجار في الإسلام، وذلكم هو مقامه عند الله تعالى وعند ملائكته وعند رسوله(صلى الله عليه وسلم).

برنامج دعوي

Posted: مايو 5, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٥ أبريل ٢٠١٤

عندما اختار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معاذاً والياً على اليمن زوده ببرنامج دعوي ليدعو الناس في اليمن وفق مواده، وحدد له صلى الله عليه وسلم الأسس التي يجب أن يبنى عليها دعوته للناس هناك، فيكون بحق نائباً ووكيلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أهل اليمن.
خرج معاذ (رضي الله عنه) إلى اليمن وهو يحمل أثمن برنامج دعوي وضع بنوده وأشرف على اختيار نصوصه رسول الهدى (صلى الله عليه وسلم)، فعن بن عباس (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث معاذاً (رضي الله عنه) إلى اليمن، فقال:
«اُدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1395)، ومسلم برقم (19) واللفظ للبخاري.
الإيمان بالله تعالى إلهاً واحداً لا شريك له سبحانه، وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) رسولاً مبلغاً عن ربه سبحانه.
ذلك أول ما ينبغي على معاذ (رضي الله عنه) دعوة أهل اليمن إليه، التوحيد الخالص لله تعالى، والاتباع الخالص لرسوله (صلى الله عليه وسلم) لأن ذلك هو الركن الركين في دعوة الإسلام، فإن هم- أي أهل اليمن- أطاعوا لذلك، وجب على معاذ بعد ذلك أن يبلغهم باقي بنود أو فقرات البرنامج الدعوي الذي كلف به، وذلك بعد أن يدخل أهل اليمن في الإسلام باستجابتهم لعامل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم.
ويترتب على هذا الإيمان مطلوبات منها: أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، والصلاة في الإسلام لها مقام رفيع، فهي عماد الدين، من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين، وهي معراج المؤمن في اليوم والليلة، وهي الهدية النفيسة التي رجع بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من عند ربه ليلة عرج به إلى السماء، وهي صلة بين العبد وربه سبحانه. وفي الصلاة تطهير للذنوب، ومحو للسيئات:
«أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين» سورة هود/114.
«فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم».
يا لجلال هذا الدعوة الكريمة التي جعلت التدرج في التكليف وسيلتها المثلى، وتأمل عزيزي القارئ كلمة جليلة القدر وردت في هذا النص المبارك وهي قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ عند حديثه عن فريضة الزكاة: تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم «فكلمة «ترد» تفيد أن أصل الزكاة حق معلوم للفقراء وأن الغني حين يمتنع عن إخراج الزكاة، فكأنما يأخذ حقاً ليس له، ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: «والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25)» سورة المعارج.
بل إن هناك حقاً آخر للفقراء في أموال الأغنياء غير الزكاة وهو في قوله تعالى: «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم» سورة الذاريات/19.
الحق المعلوم هو الزكاة المفروضة، والحق غير المعلوم هو حق مشاع في أموال الأغنياء يؤخذ من أموالهم ويرد على فقراء المسلمين.
هذا البرنامج الدعوي المكون من بنود ثلاثة هو القدر المشترك بين برامج الدعوة جميعها، وأما ما زاد على ذلك، فسوف يأتي ذكره والتكليف به بعد أن يتوغل المسلم في الإسلام، وتتوثق صلته به، ويتمكن حبه من قلبه، وترتاح نفسه إليه، وذلك لأن هناك من الفرائض المؤجلة التي لم يأت أوانها بعد كفريضة الصيام مثلاً التي تأتي كل عام، وفريضة الحج التي يؤديها المسلم في العمر مرة واحدة إن استطاع إليها سبيلا، أما الزكاة فهي رغم أنها سنوية إلا أن لكل مزكٍ سنته التي يخرج فيها زكاته، وكأن الزكاة تُدفع على مدار العام.
وبعد، فهذا هو البرنامج الدعوي الذي حمله الصحابي الجليل معاذ بن جبل (رضي الله عنه) إلى أهل اليمن حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والياً عليهم، وهو برنامج نموذجي وضع بنوده وأشرف على صياغتها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو صالح لكل داعية يدعو الناس على بصيرة من الله تعالى.