Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

فيه شفاء للناس

Posted: أغسطس 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٥ أغسطس ٢٠١٤

يتضمن القرآن الكريم مستويين من الخطاب: عامُّ وخاص، فحين يتعرض لقضية عامة يشترك فيها الإنسان بعمومه المؤمن وغير المؤمن يخاطبهم القرآن بقوله: «يا أيها الناس» وحين يريد أن يخص قوماً، أو جماعة بشأن من شئونهم الخاصة يناديهم بخطاب خاص بهم، فالذين آمنوا بالله ورسوله يناديهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» وهو خطاب التكليف لمن آمن بالإسلام، وأما خطابه لأهل الملل الأخرى، فيقول لهم مثلاً: «يا أهل الكتاب» وأما من هم ليسوا من هؤلاء ولا أولئك، فيقول لهم: «يا أيها الكافرون» أو «إذا جاءك المنافقون».. وهكذا.
ولقد سبق أن تحدثنا عن عطاء الألوهية للمؤمنين الذين قالوا لله ولرسوله عندما دعاهم لما يحييهم: (سمعنا وأطعنا).
واليوم نتحدث عن خطاب عام للناس جميعاً، وهو يختص بعطاء الربوبية الذي لا يفرق بين المسلم وغير المسلم.
لقد نبه الحق تبارك وتعالى خليله إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) إلى أمر مهم جداً، حين أنعم عليه بالإمامة، فأراد أن تبقى في عقبه، فمنعها الله تعالى عنهم، لأن الإمامة اصطفاء، والاصطفاء لا يُورَث، قال سبحانه وتعالى: «وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين» سورة البقرة/124.
وحين طلب إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) الرزق لأهله تذكر طلبه الأول، فخشي أن يقع في الخطأ مرتين، فقصر الرزق على من آمن به: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير» سورة البقرة/126.
نخلص من ذلك إلى أن الحق تبارك وتعالى عندما تكلم عن بعض خصائص العسل في العلاج لم يقصر نفعه على المؤمنين به سبحانه، الطائعين لأمره ونهيه، بل عم به جميع الناس، لأن ذلك من عطاء الربوبية، وعطاء الربوبية للطائع وللعاصي على حدٍ سواء، بل قد يؤتيه العاصي الذي أخذ بالأسباب، ويمنعه عن الطائع إذا تكاسل عن السعي، وقد يسأل سائل: إذاً ما الفرق بين العاصي والطائع إذا أخذا جميعاً بالأسباب، فكلاهما يحصل على هذا العطاء، ولا فرق بينهما؟.
نقول لهذا المتسائل: الفرق بينهما أن الطائع العامل يشارك العاصي في هذا العطاء الدنيوي، ثم يكون له وحده عطاء الآخرة، يقول سبحانه وتعالى: «من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلاًّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20)» سورة الإسراء.
من هنا ندرك جلال العطاء في قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69)» سورة النحل.
يا لجلال البيان، ويا لعظمة العطاء.. انه دواء مبذول لكل مريض، والطبيب المعالج لا يسأل مريضه عن دينه، أو عن إيمانه أو يقينه قبل أن يكشف عليه، ويشخص مرضه، ثم يكتب له الدواء، بل هو ينظر إلى المرضى جميعاً نظرة واحدة، وأنهم بحاجة إلى العلاج، أما إيمانهم، أو ما يعتقدون، فتلك قضية لا يشغل الطبيب نفسه بها لأنها لا تدخل في اختصاصه، كما هو حال الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) يشخصون أمراض الناس، ثم يصفون لهم الدواء، ويدلونهم على طريقة استعماله، ثم يتركونهم وشأنهم من شاء أخذ العلاج، فشفي من مرضه، ومن شاء أهمله فبقي يعاني ويتألم.
لقد أمرنا الله تعالى بأن نوفر الحماية والاستضافة لمشرك من دون أن يشترط استجابته إلى دعوة الإسلام، قال تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» سورة التوبة/56.
ما أعظم هذا الدين، وما أرحمه بالعباد، وما أنصفه وما أعدله في إعطاء الحقوق لأصحابها من دون أن يعوق ذلك عائق من بغض أو كراهية أو اختلاف في الدين.

تاريخ النشر :٨ أغسطس ٢٠١٤

في القرآن الكريم عطاء للربوبية، وعطاء للألوهية، وإذا كانت الأولى لكل الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم، فإن الثانية، وهي عطاء الألوهية خاص بأهل الإيمان، الذين استجابوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم.
وفي القرآن الكريم علاجات كثيرة، وفيه شفاء لما في الصدور من الشك والريبة والبغضاء والكراهية والأثرة، وهو وصفة طبية ناجحة تتبع آثار الداء، فتقضي عليه، ويعود الإنسان المريض صحيحاً، والضعيف قوياً، والعاجز قادراً على أداء ما خلق له من مطلوبات دينه ودنياه، يقول تعالى: «يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين» سورة يونس/57.
ولقد بدأت الآية الجليلة بالخطاب العام: «يا أيها الناس»، وهذا يعني أن القضية المطروحة والمخاطب بها الناس هي قضية عامَّة تشغل بال جميع الناس من دون تفرقة بين من آمن بالقرآن كتاباً منزلاً من الله تعالى، ومنهاجاً صالحاً للحياة الدنيا، يهدي للتي هي أقوم، كما قال سبحانه: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..» سورة الإسراء/9، وقلَّ بين الكتب المنزلة الأخرى ما يحقق ذلك، وبين من لم يؤمن به، ولم يوقر أوامره ونواهيه، فالقرآن هو الكتاب الوحيد الذي جمع فيه الحق سبحانه وتعالى بين المعجزة والمنهاج، وجعل فيه جميع الهدايات التي يحتاجها الإنسان في حياته، والتي تقود خطواته إلى الصراط المستقيم.
الخطاب في الآية التي ذكرناها من سورة يونس وُجه إلى الناس، وهذا يعني- كما أسلفنا- أن القضية التي سوف يعالجها القرآن تهم الناس جميعاً، ولا تختص بالذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم).
والسؤال: كيف نوفق بين عمومية الخطاب وخصوصية الانتفاع من توجيهات القرآن العظيم؟.
حل الإشكال الذي نواجهه في هذه الآية هو في أن ندرك أن الهداية في القرآن تأتي على معنيين، الأول: هو هداية الدلالة التي يشترك فيها جميع الناس من آمن ومن لم يؤمن، والثاني: هو هداية المعونة والتمكين التي يخص بها الله تعالى عباده المؤمنين، الذين استجابوا لدعوة الحق، كما سبق أن تناولنا ذلك عند حديثنا عن هداية المعونة والتمكين.
القرآن نزل لجميع الناس، وفيه موعظة من الله تعالى لجميع الناس، فمن أقبل عليه، واستجاب له، وانضوى تحت لوائه تحقق له الشفاء مما ألمَّ به، بدليل قوله تعالى: «.. وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمةً للمؤمنين»، أما من أعرض عنه، واتبع سبيل غير المؤمنين، فيوليه الله تعالى ما تولى، يقول تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» سورة النساء/115.
والهداية التي تتحدث عنها الآية هي هداية المعونة والتمكين التي اختص الله تعالى بها المؤمنين، فالآية تبدأ بالخطاب العام: «يا أيها الناس»، ثم تنتهي بالخطاب الخاص: «للمؤمنين»، فمن أقبل على دعوة الإسلام، وصدَّق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعانه الله تعالى بأن يسر له سبل الوصول إليه سبحانه، وأعانه على أداء التكاليف المأمور بها، والمنهي عنها، ومن أعرض ونأى بجانبه أعرض الله تعالى عنه، مصداق ذلك قوله تعالى: «ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون» سورة الحشر/19.
وقوله سبحانه: «والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون» سورة التوبة/67.
إذاً، فمفتاح القرب من الله والبعد عنه سبحانه بيدك أيها الإنسان، فإذا أردت اقتربت، وإذا لم تُرِدْ ابتعدت، ولن تحاسب يوم القيامة إلا على قول أو فعل اخترتهما بمحض إرادتك، فلا تتعلل بالعلل، ولا تعتذر بالأعذار، فعدل الله تعالى مطلق، يقول سبحانه: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» سورة الإسراء/15.
أي أنه سبحانه وتعالى قد كلفنا بما نطيق، ثم ترك لنا حرية الاختيار، ويوم القيامة سوف يحاسبنا وفق اختيارنا الحر.

معركة الربا

Posted: أغسطس 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١ أغسطس ٢٠١٤

الصراع بين الحلال والحرام قائم إلى يوم القيامة، والمواجهة بين الحق والباطل هي الأخرى لن يهدأ أوارها، ولن تنطفئ نارها ما دام هناك بشر يعطون ولاءهم للحق، وآخرون يعطون ولاءهم للباطل.
بل إن حزب الله لن يلقي سلاحه، ولن يسلم زمامه لحزب الشيطان، والغلبة بإذن الله تعالى لحزب الله على حزب الشيطان، وللحق على الباطل، وللحلال على الحرام.
بل إن هناك صراعاً دائماً ومستمراً بين الكسب المشروع والكسب غير المشروع، بين الكسب الحلال والكسب الحرام، والقرآن الكريم وهو يتحدث عن هذه الصراعات يحسم النتيجة للحلال على الحرام، وللحق على الباطل، ولحزب الله على حزب الشيطان، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» سورة المائدة(87).
ويقول تعالى: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون» سورة الأنبياء(18).
ويقول جل جلاله: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً» سورة الإسراء(81).
وقال سبحانه وتعالى: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» سورة المجادلة(19).
والآيات الدالة على انتصار الحق على الباطل، وانتصار حزب الله على حزب الشيطان كثيرة في القرآن، أما حديثه عن الربا، فحديث تقشعر من هوله الأبدان، فالله تعالى لم ينص في كتابه المعجز على عقوبة محددة لمن يرتكب هذه الكبيرة، بل صور حالة المرابي تصويراً تنخلع له القلوب، وتوعده بالحرب يوم القيامة، فقال سبحانه: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة البقرة(275).
ثم أصدر الحق تبارك وتعالى حكمه العادل على الربا، فقال جل جلاله: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفَّار أثيم» سورة البقرة(276).
أما ما توعد به آكل الربا ومن له علاقة به من قريب أو بعيد، فهو أمر لا قبل لهم به، ولا طاقة لهم على احتماله في زمان غير الزمان، وفي مكان غير المكان، وفي أحوال غير أحوال الدنيا، في يوم القيامة حيث يسعى الساعون، ويبذل الإنسان غاية وسعه، وأقصى ما يستطيع من أجل أن يرضى عنه مولاه سبحانه، وأن يحظى بشفاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يوم يعز الشفيع، ويفر المرء من أخيه وذويه، لأن كل إنسان في ذلك اليوم له شأن يغنيه، في ذلك اليوم ينادي المنادي: أين المرابون، فليستعدوا للنزال، وليجردوا أسلحتهم للقتال، لمواجهة حرب لا قبل لهم بها، يقول تعالى فيهم:
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون» (279) سورة البقرة.
نداء إلى أهل الإيمان والتقوى، فيه تنبيه لهم، وإيقاظ لأهل الغفلة، وفيه تحذير تتصدع من هوله القلوب، أن هناك حرباً شعواء تنتظر المرابين وخصمهم فيها هو الله تعالى، الجبار، القهار الذي لا يقهر، العزيز الذي لا يغلب، وخصمهم أيضاً هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي بلغهم بحرمة الربا، وما ينتظر المرابين من عذاب، فهل هم قادرون على مجرد الوقوف في مواجهة مولاهم سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) الذي سوف يشهد عليهم أنه بلغهم؟!.
ورغم كل ذلك يوفر لهم الحق تبارك تعالى الفرص الكثيرة للتوبة والإنابة قبل أن يحين أجلهم، ويواجهون ما توعدهم به الله تعالى لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويؤوبون إليه: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون».
فهيا إلى التوبة والنجاة من عذاب أليم، ومن حرب خاسرة بالنسبة إليكم بكل المقاييس، فهل تستجيبون؟!

معركة الربا

Posted: أغسطس 3, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١ أغسطس ٢٠١٤

الصراع بين الحلال والحرام قائم إلى يوم القيامة، والمواجهة بين الحق والباطل هي الأخرى لن يهدأ أوارها، ولن تنطفئ نارها ما دام هناك بشر يعطون ولاءهم للحق، وآخرون يعطون ولاءهم للباطل.
بل إن حزب الله لن يلقي سلاحه، ولن يسلم زمامه لحزب الشيطان، والغلبة بإذن الله تعالى لحزب الله على حزب الشيطان، وللحق على الباطل، وللحلال على الحرام.
بل إن هناك صراعاً دائماً ومستمراً بين الكسب المشروع والكسب غير المشروع، بين الكسب الحلال والكسب الحرام، والقرآن الكريم وهو يتحدث عن هذه الصراعات يحسم النتيجة للحلال على الحرام، وللحق على الباطل، ولحزب الله على حزب الشيطان، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» سورة المائدة(87).
ويقول تعالى: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون» سورة الأنبياء(18).
ويقول جل جلاله: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً» سورة الإسراء(81).
وقال سبحانه وتعالى: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» سورة المجادلة(19).
والآيات الدالة على انتصار الحق على الباطل، وانتصار حزب الله على حزب الشيطان كثيرة في القرآن، أما حديثه عن الربا، فحديث تقشعر من هوله الأبدان، فالله تعالى لم ينص في كتابه المعجز على عقوبة محددة لمن يرتكب هذه الكبيرة، بل صور حالة المرابي تصويراً تنخلع له القلوب، وتوعده بالحرب يوم القيامة، فقال سبحانه: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة البقرة(275).
ثم أصدر الحق تبارك وتعالى حكمه العادل على الربا، فقال جل جلاله: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفَّار أثيم» سورة البقرة(276).
أما ما توعد به آكل الربا ومن له علاقة به من قريب أو بعيد، فهو أمر لا قبل لهم به، ولا طاقة لهم على احتماله في زمان غير الزمان، وفي مكان غير المكان، وفي أحوال غير أحوال الدنيا، في يوم القيامة حيث يسعى الساعون، ويبذل الإنسان غاية وسعه، وأقصى ما يستطيع من أجل أن يرضى عنه مولاه سبحانه، وأن يحظى بشفاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يوم يعز الشفيع، ويفر المرء من أخيه وذويه، لأن كل إنسان في ذلك اليوم له شأن يغنيه، في ذلك اليوم ينادي المنادي: أين المرابون، فليستعدوا للنزال، وليجردوا أسلحتهم للقتال، لمواجهة حرب لا قبل لهم بها، يقول تعالى فيهم:
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون» (279) سورة البقرة.
نداء إلى أهل الإيمان والتقوى، فيه تنبيه لهم، وإيقاظ لأهل الغفلة، وفيه تحذير تتصدع من هوله القلوب، أن هناك حرباً شعواء تنتظر المرابين وخصمهم فيها هو الله تعالى، الجبار، القهار الذي لا يقهر، العزيز الذي لا يغلب، وخصمهم أيضاً هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي بلغهم بحرمة الربا، وما ينتظر المرابين من عذاب، فهل هم قادرون على مجرد الوقوف في مواجهة مولاهم سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) الذي سوف يشهد عليهم أنه بلغهم؟!.
ورغم كل ذلك يوفر لهم الحق تبارك تعالى الفرص الكثيرة للتوبة والإنابة قبل أن يحين أجلهم، ويواجهون ما توعدهم به الله تعالى لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويؤوبون إليه: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون».
فهيا إلى التوبة والنجاة من عذاب أليم، ومن حرب خاسرة بالنسبة إليكم بكل المقاييس، فهل تستجيبون؟!

الأمة المنصورة

Posted: يونيو 30, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٧ يونيو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

العنوان قد يشجع بعض المتشائمين على الاعتراض، وربما على السخرية مما ذهب إليه الكاتب، فأي نصر يتحدث عنه بعض الكتاب الإسلاميين والأمة الإسلامية ترزح تحت نير الاستعمار السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي؟.
وقد يتساءل سائل متعجل ويقول: عرفنا الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي، فماذا عن الاستعمار الاجتماعي، وهل في الاجتماع استعمار؟
ونقول لهذا المتعجل: نعم في الاجتماع استعمار حين ترزح الأمة تحت عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان جاءت مع فلول المستعمر، فصارت بتقادم الزمن عادات وتقاليد للأمة الإسلامية لا تستطيع منها فكاكاً.
والآن نعود إلى حديثنا عن الأمة المنصورة الذي قد يحسبه بعض المتشائمين من المسلمين أمنية تداعب خيال الكاتب وأمثاله ممن ينحو هذا المنحى، وإلا فكل المعطيات على الأرض وفي واقع المسلمين تؤكد أن الأمة الإسلامية أمة مهزومة لا منصورة، ومتخلفة لا متقدمة، فمن أين جاء الكاتب بهذا القدر من التفاؤل؟!
أسئلة يحق لمن لا يرى رأينا، ولا ينحى منحانا أن يطرحها، فهي أسئلة مباحة بل مشروعة من أجل المساهمة في نهضة الأمة، والبحث لها عن حلول لما تعاني منه من مشاكل.
يوزن النصر عادة بما تحققه الأمة في المجالات المختلفة العسكري منها والاقتصادي والحضاري، فالأمة المنصورة هي: الأمة المتقدمة علمياً وحضارياً وسياسياً واقتصادياً، أما أمتنا في وضعها الراهن، فهي أمة مهزومة متخلفة في كل هذه المجالات.
ولكن هل هذه المقاييس هي وحدها التي نستدل بها على تقدم الأمة أو تخلفها، أم أن هناك مقاييس أخرى يمكن أن تدلنا على حظ الأمة من التقدم والبقاء، نقول وبالله التوفيق: إن بقاء الأمة الإسلامية كل هذا الزمن الطويل وهي تواجه الأعداء من كل جانب، حتى من داخلها إذ ظاهر بعض حكامها أعداءها وناصروهم عليها ورغم كل ذلك فإنها بقيت مستعصية على الزوال، أبية على الطاعة لغير الله تعالى، وغير خاضعة لغير شريعته الغراء، ومن أدلة أنها منصورة: أن الإسلام الذي تدين به ومنذ أن بزغ فجره الصادق وهو في تقدم وانتشار لا يصده عن غايته الشريفة صاد، ولا يعطل مسيرته أحد من البشر، ورغم ما يشاع عنه من أنه دين العنف والإرهاب فإن ذلك يزيد في انتشاره، ويؤكد ذلك ما قال الله تعالى عنه من أنه سيظهر على الدين كله ولو كره المشركون، قال تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» سورة التوبة/33.
وكان كثير من الناس يتوقعون، بل يؤكدون أن الإسلام سوف يخسر كل يوم أرضاً جديدة، ويخرج منه أفواج جديدة حتى لا يصيبهم ما أصاب المسلمين، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً، فرغم ما تعاني منه الأمة الإسلامية من ضعف وتخلف وهوان على الناس فإن الاسلام يتقدم تقدماً حثيثاً، والأمة في تخلف مستمر، وفي ضعف دائم، ولا نجد لذلك تفسيراً إلا أن تقدم الإسلام وقوة انتشاره ذاتية فيه وليست مرتبطة بأهله، ولو كان انتشاره وتقدمه متوقف على تقدم أهله وقوتهم لما دخل في الإسلام أحد، ولوقف انتشاره منذ زمن بعيد، منذ أن بدأ المسلمون يتخلفون عن ركب الحضارة الإنسانية، وتدب بينهم الصراعات، ويبطش قويهم بضعيفهم، ويمنع غنيهم عطاءه وبذله عن فقيرهم، وأخذ كل حاكم مسلم يستعين بأعداء دينه على إخوانه، ورغم ذلك فقد علمنا ديننا ألا نيأس ولا نقنط من رحمة الله تعالى، قال تعالى:« قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم» سورة الزمر/53.
إذاً، فالأمة الإسلامية، أمة منصورة، وهي ليست أمنية نتمناها، بل لأن الله تعالى أراد لها أن تنتصر، وأن تبقى حتى نهاية الحياة، فهي أمة القيامة بمعنى أن القيامة سوف تقوم عليها بعد أن تؤدي مهمتها التي وكلت إليها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله تعالى، ومن مهماتها أيضاً الشهادة على الناس يوم القيامة، وتخلفها الآن لا يعني أنه مصير لا رجاء في تغييره، بل هو حالة أصابت الأمة ولها أسبابها، فإذا انتفت هذه الأسباب عادت الأمة إلى ما كانت عليه من النهضة والتقدم، وهي تملك أسبابهما.
نعم الأمة الإسلامية، أمة منصورة بكل هذه المعطيات وإن تأخر هذا النصر وإن شابه ما شابه من شكوك عند بعض المسلمين لأنهم لا ينظرون إلى الأفق البعيد، ولا إلى نبوءات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي تحدث عن دورات الزمن، وأن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة قادمة لا محالة ذلك لأن النبع الصافي لتعاليم السماء لم يعكره ولم يلوثه من يبذلون جهدهم، ويستفرغون وسعهم من أجل تعطيل مسيرة الإسلام المظفرة.
الأمة الإسلامية، أمة منصورة لأن الله تعالى كتب لها الخلود حين كتب الخلود لكتابه ووحيه المعجز، فقال سبحانه:« إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» سورة الحجر/9. وإلا كيف نفسر تداعي الأمم عليها منذ أزمان بعيدة من أجل القضاء عليها، ووقف حركة الإسلام، بل حتى مِنْ بعض مَنْ هم محسوبون عليها مِمِنْ يلون أمورها، ورغم كل ذلك فهي باقية، ودينها ينتصر كل يوم حتى في أحلك ساعات الليل والنهار، لأن الله تعالى تعهد بإظهاره، وإتمام نوره في ثلاث آيات وهي: الآية (33) من سورة التوبة والآية (28) من سورة الفتح، والآية (9) من سورة الصف، في هذه الآيات الثلاث تعهد الحق سبحانه وتعالى بإظهار الدين، ونصر الشريعة، ولن تقف قوة في الأرض مهما عظمت لكي تعطل هذا النصر، وذلك الظهور، وأما الأمة الإسلامية وما هي فيه من تخلف عن ركب الإسلام، فإن هذه حالة طارئة وسوف تلحق الأمة بركب الإسلام إن عاجلاً أو آجلاً.

تاريخ النشر :٢٠ يونيو ٢٠١٤

في شعبان تغيرت القبلة التي يتجه إليها المسلمون في صلاتهم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة، وكانت تلك أمنية غالية طالما تمناها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ربه سبحانه وتعالى، فلم يخيب الله تعالى رجاء نبيه ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم)، فحقق له ما تمنى، كان ذلك حدث عظيم له ما بعده أثبت الحق سبحانه من خلاله من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وسجل الحق سبحانه ذلك في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: «.. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم» سورة البقرة/143
كان اتجاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس في فلسطين في بداية فرض الصلاة لحكمة يريدها الله تعالى، ويحقق من خلالها طاعة المسلمين لله ولرسوله، فلما تحقق ذلك بتوجههم في صلاتهم إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف رغم ما صاحب ذلك من أقاويل اليهود ومزاعمهم التي أخذوا يشيعونها بين المسلمين، ويستدلون بتوجه المسلمين إلى قبلتهم على أن دينهم هو الدين الحق، وأنه الدين الأولى بالاتباع، وأنه خاتم الرسالات، عندها أذن الله تعالى لرسوله(صلى الله عليه وسلم) بالتوجه إلى البيت الحرام في مكة المكرمة لتكون هي قبلة المسلمين إلى قيام الساعة، وبذلك أنهى الحق تبارك وتعالى الجدل حول هذه المسألة التي طال الجدل حولها، وشغلت الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ردحاً من الزمن وأراد الله تعالى أن يترك علامة مادية على سماحة الإسلام، وتدرج التشريع فيه، وذلك حين وصل إلى المسلمين خبر تغيير القبلة وهم يصلون صلاة العصر، وقد أدوا ركعتين من صلاتهم متجهين إلى بيت المقدس أداروا وجوههم إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، فسمى ذلك المسجد الذي صلى فيه المسلمون إلى قبلتين بالمسجد ذي القبلتين، وصار من السنّة أن يصلي فيه الحجاج ركعتين تخليداً لهذه المناسبة العظيمة، واعترافاً بصحة ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم حين توجهوا إلى بيت المقدس في فجر الإسلام طاعة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم).
وكان من الحكم الجليلة كما أشرنا سابقاً هو إدخال القبلة الأولى في بيت المقدس ضمن مقدسات المسلمين وهذا يعني مسؤوليتهم عن رعايته والدفاع عنه، وأن اعتراف المسلمين بالمسجد الأقصى كقبلة للمسلمين يدخل ضمن إيمان المسلمين بالأنبياء والرسل السابقين، وبالكتب المنزلة عليهم قبل أن تطالها يد التحريف، مصداق ذلك قوله تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» سورة البقرة/285.
إذاً، فقد تم للمسلمين إيمانهم الحق، وصاروا الأمة الوحيدة المؤهلة لقيادة ركب البشرية إلى صراط الله المستقيم، فهي صاحبة الرسالة الخاتمة التي تعترف بجميع الأنبياء والرسل الكرام وبما أنزل عليهم من كتب، كما أنهم يتوجهون إلى جميع الجهات التي كانت قبلة لكل نبي من أنبياء الله ورسله (صلوات الله وسلامه عليهم).
هذه بعض حكم تحويل القبلة في النصف من شهر شعبان المعظم، وفيه دليل على طاعة المسلمين لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) كما نص القرآن الكريم على ذلك في محكم تنزيله.

تاريخ النشر :١٣ يونيو ٢٠١٤

في شعبان المعظم حدث انقلاب عظيم تحققت فيه أمنية غالية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) طالما شغلته وأقضت عليه مضجعه، وكان دائم التطلع إلى السماء يسأل مولاه عز وجل أن يحقق له هذه الأمنية الغالية، وأن يتحول في صلاته إلى قبلة أبيه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، إلى الكعبة المشرفة، البيت المعظم الذي وضع للناس، وهو أقدم بيت عبُد الله تعالى فيه، قال سبحانه وتعالى: {إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين} سورة آل عمران/96.
ولكن لحكمة جليلة لا يعلمها إلا الله تعالى أمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يتجه في صلاته أول مرة إلى بيت المقدس، وكان اليهود يشيعون بين الناس: أن محمداً ما توجه إلى قبلتنا إلا لأنه يعرف أن ديننا هو الحق، ولو كان دينه هو الحق لما اتبع قبلتنا، وكانت هذه المقولة تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يقلب وجهه في السماء راجياً مولاه عز وجل أن يرد على هؤلاء، ويحسم الأمر، فحقق الحق تبارك وتعالى لنبيه ومصطفاه (صلى الله عليه وسلم) ما كان يتمناه، وأمره أن يتوجه إلى الكعبة المشرفة في صلاته، ونزل قوله تعالى:{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} سورة البقرة/144.
بهذا التنزيل المبارك حسم الحق تبارك وتعالى الجدل حول هذه القضية، ورد على ادعاءات اليهود، وأكد لهم أن الجهات كلها لله تعالى ولا يملكها أحدٌ من الناس، قال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} سورة البقرة/142.
وندرك بعض الحِكَمْ من خلال هذا الحدث العظيم، منها: أن الله تعالى حين أمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) بالتوجه في صلاته إلى المسجد الأقصى كان سبحانه يريد أن يظهر لأهل الديانات الأخرى مدى سماحة الإسلام، وأيضاً يريد أن يجمع لرسوله (صلى الله عليه وسلم) جميع الجهات التي يتوجه إليها الناس في صلواتهم، ثم ليجعل المسجد الأقصى ضمن المقدسات الإسلامية، وأن المسلمين مسؤولون عن حمايته والدفاع عنه، ولقد سبق للحق سبحانه وتعالى أن سجل ذلك في حدث الإسراء والمعراج حين جعل المسجد الأقصى واسطة العقد في رحلتي الإسراء والمعراج، والمحطة التي انتهت إليها رحلة الإسراء وابتدأت منها رحلة المعراج.
إذن، فقد تحققت للمسلمين ملكية بيت المقدس، والمسجد الأقصى حتى من قبل أن يصير مسجداً بمفهوم الإسلام للمساجد.
وبعد، فهذه شذرات من عطاء شهر شعبان المعظم الذي جعله الله تعالى شهراً يتذكر فيه المسلمون عناية الله تعالى بأمة الإسلام التي اصطفاها من بين الأمم جميعها لتكون صاحبة الرسالة الخاتمة، والرسول الخاتم، والمعجزة الخاتمة، وأمة البلاغ، وأمة الشهادة على الأمم جميعها يوم القيامة.

تاريخ النشر :٦ يونيو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

لله عباداً أخلصوا لله باختيارهم، فصاروا مُخْلَصين باختيار الله تعالى لهم.
الطريق مفتوح لبلوغ القمة، والخطوة الأولى على هذا الطريق هي حسن الاختيار، والتصميم على التجاوز، تجاوز العقبات، وتذليل الصعوبات، والإيمان بوعد الله تعالى: «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (سورة النحل/128).
وأن الله تعالى لن يترنا من أعمالنا شيئاً، وأن لكل مجتهد نصيبًا من سعيه واجتهاده.
وبيدك أيها المؤمن أن تكون من المُخْلَصين إذا أنت أخلصت في عملك، واتقيت الله تعالى فيما تأخذ وتدع من أمور دينك ودنياك.
فالمُخْلَصون قوم أحبوا الله تعالى فأحبهم، ومشوا في الطريق الذي دلهم عليه لإثبات محبتهم له سبحانه، وذلك حين قال لهم: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم» سورة آل (عمران/31).
فالقول: إنكم تحبون الله ادّعاء تنقصه البيِّنة، ومن رحمة الله تعالى أنه سبحانه لم يتركهم يتعثرون وهم يبحثون عن البينة التي تؤكد حبهم لله تعالى، بل دلهم عليها سبحانه، وقال لهم: إذا أردتم أن تثبتوا محبتكم لي، فأمامكم طريق واحد لا غير هو: اتباع رسولي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي اخترته لكم واخترتكم له، فطريقه هو الطريق الوحيد الذي يؤكد محبتكم لي، وإخلاصكم لرسولي الذي أرسلته إليكم.
ومعلوم أن الإسلام منذ اللحظة الأولى لإشراقة شمسه وبزوغ فجره للعالمين جعل الاختيار الحر هو السبيل إليه، والوسيلة لبلوغ أعلى الدرجات، وربط الجزاء على حسن الاختيار، كما جعل العقوبة على سوء الاختيار.
وعندما سقط إبليس في الامتحان في مادة التواضع رغم أنه نجح في جميع المواد حتى صار في عداد الملائكة باختياره الطاعة على المعصية حتى سموه «طاووس الملائكة» لاختياله وتكبره، ولكن حين ابتلاه ربه
لم يصبر ولم يحتسب بل قال في صلف وغرور واستكبار: «…أأسجد لمن خلقت طيناً» (سورة الإسراء/61)، ولهذا طرده ربه من رحمته. وأما آدم (عليه السلام) فقد تاب عليه ربه واصطفاه، وجعله خليفة في الأرض، بل وأسجد له الملائكة أجمعين.
لقد ظنّ إبليس أن الأفضلية بالمادة التي خلق منها وهي النار، وفاته أن الأفضلية اصطفاء يصطفي الله تعالى لها من خلقه من يشاء، وأن المهمة التي خلق من أجلها آدم (عليه السلام) والعلم الذي علمه الله تعالى هما اللذان جعلا آدم في هذه المنزلة العظيمة.
وهكذا صور لنا القرآن الكريم ذلك المشهد تصويراً رائعاً حين أمر الله تعالى الملائكة -وكان إبليس معهم- أن يسجدوا لآدم تعظيماً وتكريماً له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين، ولهذا استحق الطرد واللعن من رحمة الله تعالى، ولأن إبليس زعيم الأشرار وقائدهم إلى النار أبى عليه ذلك أن يطرد وحده من رحمة الله تعالى، فأراد أن يضل قدر ما يستطيع من عباد الله تعالى، فسأل ربه سبحانه أن يمد في أجله ليكون آخر من يقضى عليه بالموت، ولهذا: «قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38)» (سورة الحجر).
ثم أعلن في صراحة عداوته البينة لأبناء آدم (عليه السلام) بعد أن حاول مع أبيهم آدم (عليه السلام) وفشل حيث تاب عليه ربه ثم اجتباه وكرمه، وهذا مما زاد في بغض إبليس لآدم (عليه السلام) وأقسم على أن يقعد لأبناء آدم صراط الله المستقيم: «قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم (16) ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)» (سورة الأعراف).
ولكن الله تعالى غفر لآدم واصطفاه، وفوّت على إبليس ما كان يطمح إليه، وهكذا لما أفلت آدم (عليه السلام) من قبضة إبليس قرر إبليس أن يضل أبناء آدم، وأن يعمل جاهداً على صرفهم عن طاعة الله تعالى.
هذا هو إبليس، وهذه هي عداوته المسبقة لآدم (عليه السلام) ولأبنائه من بعده، ولقد كشف النقاب عن خططه ومؤامراته مع تأكيد أنه ليس له سلطان عليهم، لا سلطان القهر ولا سلطان العقل، وإنما هم يقعون في المعاصي بإرادتهم، صحيح أنه يزيَّن لهم المعاصي، ولكنه لا يستطيع أن يحملهم على الوقوع فيها بسلطانه لأن كيد الشيطان كان وسيظل ضعيفا، وها هو يعلن ذلك صراحة: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» (سورة إبراهيم/22).
هذا هو إبليس، وهذا هو شأنه معكم، يزين لكم المعصية في الدنيا ويتبرأ منكم يوم القيامة، ويعلنها صريحة أنه ليس له سلطان عليكم وأنكم أتيتم إليه بإرادتكم، وبمحض اختياركم، فأنتم وحدكم المسئولون عن صلاحكم وفسادكم، وهدايتكم وضلالكم.
فكونوا من المُخْلَصين باختياركم لتكونوا من المُخْلَصين باختيار الله تعالى لكم.

أسرى بك الله

Posted: يونيو 3, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٣٠ مايو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

إن حدث الإسراء والمعراج، حدث كوني لم تشهد البشرية مثله من قبل، ولن تشهد مثله من بعد، فإن عصر النبوات قد انتهى، وكان ختامه نبوة رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومعجزات الأنبياء (عليهم السلام) قد انتهت وختمت بأعظم معجزة على الإطلاق، وهي القرآن الكريم الذي تعهد الله تعالى بحفظه، فقال سبحانه:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} سورة الحجر/9.
كما تكفل سبحانه بصيانته عن التحريف بالإضافة أو الحذف، فقال جل جلاله:{..وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)} سورة فصلت.
إنه كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية، ويحق للأمة الإسلامية أن تفخر على الأمم الأخرى بأنها الأمة الوحيدة على الإطلاق التي تملك الدليل والبرهان على صدق نبوة رسولها (صلى الله عليه وسلم)، وأنها الأمة الوحيدة من بين الأمم قاطبة التي تستطيع أن تقول، وهي على ثقة ويقين: أنها وحدها التي تملك المعجزة الباقية من معجزات الله تعالى التي أنزلها على رسله وأنبيائه، ولكن لا يعني هذا أن تكتفي الأمة بالفخر، وتترك العمل الصالح، بل عليها أن تبادر إلى العمل بكل طاقاتها، وأن تقدم الدليل على استحقاقها لهذه المنزلة التي اختارها الله تعالى لها.
وكما تفخر الأمة بالقرآن، فهي كذلك تفخر بحدث الإسراء والمعراج الذي جعله الله تعالى مهرجان تكريم لرسوله ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد أن قلاه أهل الأرض، فكرمه أهل السماء من أنبياء الله وملائكته الكرام، ولقد حقق الحق سبحانه لرسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) أمنية غالية، وهي أن يلتقي بأجداده وآبائه وإخوانه ومن الأنبياء والرسل الذين سبقوه بأزمان بعيدة، فكان ذلك في رحلة الإسراء حين قدموه إماماً ليصلي بهم عندما حان وقت الصلاة، ثم التقى بهم كل في السماء التي هو فيها، فجمع الحق سبحانه وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) احتفاء الأرض واحتفاء السماء، وذلك لتأكيد مكانته صلى الله عليه وسلم بين من سبقه من الأنبياء والمرسلين، ومقامه الكريم في الملأ الأعلى فيما وراء سدرة المنتهى، ولله در أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
حتى بلغت سماءً لا يطار لها
على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل كل نبي عند رتبته
ويا محمد هذا العرش فاستلم
نعم لقد بلغ صلى الله عليه وسلم مرتبة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحاز بذلك السبق في ميدان لم ولن يشاركه فيه أحد، فهو إمام الأنبياء والمرسلين باعترافهم له بذلك، وبوقوفهم خلفه في الصلاة، وكان بينهم من هو أحق منه سناً وسابقة لو كان الأمر بالسن أو السابقة، ولكن الله تعالى أراد بذلك أن يشهد جميع الأنبياء، بل حتى الملأ الأعلى من الملائكة على مقام هذا النبي الكريم، وأنه بحق صاحب الدين الكامل، والنعمة التامة، وأنه وأمته شهداء على الناس يوم القيامة.
وكان من معاني إمامته للأنبياء والرسل الكرام في الصلاة إمامة شريعته لكل الشرائع، وإمامة كتابه على كل الكتب، وأيضاً إمامة أمته على كل الأمم، إذن، فالصلاة التي أمَّ فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إخوانه وآباءه وأجداده من الأنبياء والمرسلين لم تكن صلاة عادية، أو نافلة من النوافل، بل هي صلاة تقررت فيها قضايا عظيمة، وتحددت فيها مقامات كثيرة، وعرف -كما قال شوقي- كل نبي رتبته في موكب الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام).
في يوم الإسراء تسلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لواء الزعامة، وتقدم ركب أولي العزم من الرسل الكرام وسار الجميع خلفه مقرين له بالإمامة، ومعترفين له بالفضل طاعة لمولاهم سبحانه وتعالى الذي أمرهم بذلك، وجمعهم في هذا المكان الطاهر الذي كان ومكة المكرمة والمدينة المنورة أماكن ثلاثة تشرفت بأقدام أولي العزم من الرسل الكرام.
وفي يوم المعراج ختمت المعجزة حين بلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منزلة تتقطع دونها الأعناق، وصار في مقام كريم لم يبلغه-كما قلنا- ملك مقرب، ولا نبي مرسل، واختص الله تعالى رسوله محمدا (صلى الله عليه وسلم) دون باقي الأنبياء جميعاً بهذه المعجزة الفريدة التي لم تكن لنبي قبله، واستحق بذلك أن يكون عن جدارة إمام الأنبياء والمرسلين، وخاتمهم، فهو مسك الختام للأنبياء والمرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم).

الشاهد الفريد

Posted: مايو 27, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٣ مايو ٢٠١٤

كانت المحنة التي تعرضت لها السيدة مريم ابنة عمران (عليها السلام) محنة شديدة جعلت الألسنة تنطلق بمقالات السوء، وتتهمها اتهامات باطلة لم تجد من يدافع عنها ويقف إلى جوارها، فها هي تحمل وليداً لا يعرف له أب، وهي الطاهرة المطهرة، لم تكن بغِّياً ولم يمسسها بشر، فكيف لها أن تدفع هذه التهمة عنها، وأن تفند أقوال قومها فيها، وظن القوم لا يتسع : أن الله تعالى على كل شيء قدير، وها هم يكيلون لها الاتهامات، ويثيرون حولها الأقاويل، وهي عاجزة عن أن ترد عليهم، أو أن تفند شكوكهم، أو تبطل حججهم حتى أوحى الله تعالى إليها بوسيلة الإنقاذ.
أمرها أولاً: بأن تصوم عن الكلام، لأن أي كلام سوف تقوله لن يجدي نفعاً مع قومها، فقد أجمعوا على اتهامها بشتى الإتهامات وخاصة مع صمتها وعدم دفاعها عن نفسها، فأمرها مولاها سبحانه وتعالى أن توجه أنظارهم إلى وليدها الذي سوف يتولى أمر الدفاع عنها بوحي من الله تعالى، ولأنها تعلم أنهم لن يصدقوا أبداً أن وليدها قادر على الكلام فضلاً عن أن يقدم الحجج والبراهين على براءتها لأنهم يعلمون علماً أكيداً أن الوليد في مهده لا يمكن أن يتكلم، ولقد صور القرآن الكريم حالة السيدة مريم وهي في محنتها أبلغ تصوير قال تعالى: «فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا(29)» سورة مريم.
إنها في وضع لا تحسد عليه ولن ينجيها من محنتها إلا كلام الوليد الذي حكم القوم في ثقة باستحالة نطقه فضلاً عن الحديث معه، كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد منهم حين تكلم الوليد بكلام فيه من الحكمة والمنطق وسداد الرأي ما يفوق حديث العلماء والحكماء وكبار القوم!.
نعم لقد تكلم الوليد وهو «في المهد صبيا» ولم يتحدث عن براءة أمه فقط، كما أنه لم يتحدث عن الحال التي هو فيها، بل تحدث عن مستقبله الموعود!.
إذاً، فهو لم يبرئ أمه الطاهرة من التهمة الشنيعة التي رموها بها وهي بريئة منها فحسب، بل لقد أنبأهم بما سيكون من أمره في قابل أيامه، إنه حقاً لشاهد فريد لم تحظ ساحات القضاء بمثله، ولن يجود الزمان بمثله أبداً، إنها معجزة من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يديه لإثبات أولاً: براءة أمه، وثانياً: ارهاصاً من إرهاصات نبوته (عليه السلام).
تكلم الصبي الوليد وسط دهشة القوم وعدم تصديقهم لما يشاهدون ويسمعون، وقال لهم: «إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ ولداً سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36)» سورة مريم.
وهكذا أنقذ الوليد، وهو الشاهد الفريد سمعة أمه، واستعاد لها كرامتها، ولم ينس المهمة الجليلة التي خلق من أجلها، وهي دعوة قومه إلى التوحيد، واعترافه هو بأنه عبدالله، وليس ابن الله كما يزعمون، وهو أصغر نبي دعا قومه إلى التوحيد، وأن ما حدث له، والمعجزة التي تمت بولادته من أم دون أب أمر لا يعجز الله تعالى لأن أمره سبحانه بين الكاف والنون «.. إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» (يس/82) مهما كان هذا الشيء صعباً أو مستحيلاً في تصور الناس، ثم لا ينسى عيسى (عليه السلام) وهو ينهي دفاعه عن أمه أن يدعو الناس إلى التوحيد، ويعلنها واضحة صريحة، وفيها رد قاطع على من ينسب إليه (عليه السلام) أنه قال للقوم: اتخذني وأمي إلهين من دون الله.
إنها شهادة فريدة من شاهد فريد، ومعجزة بدأ بها الله تعالى معجزات نبيه عيسى (عليه السلام) الموعود بها لما يشتد عوده ويبلغ العمر الذي سوف يبعث فيه للناس.