Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

تاريخ النشر :٥ سبتمبر ٢٠١٤

للحضارة والمدنية أثر واضح على الإنسان، وعلى سلوكه مع الناس، حين يستغني عن صحبة إخوانه وتجاذب أطراف الحديث معهم بما اُستحدث من وسائل الاتصال الحديثة.
وقد تدخل بيتاً وتجد فيه جميع أهله موجودين وغير موجودين، بمعنى أنهم موجودون بأجسامهم لكنهم غير موجودين بأرواحهم ومشاعرهم، ذلك لأن كل وحد منهم قد ضرب على نفسه عزلة اجتماعية (إلكترونية)، وقد يتساءل البعض متعجباً، وهل هناك عزلة بهذا الاسم؟ نقول له: نعم، يوجد مثل هذه العزلة مع هاتفك النقال الذي يأتي بالناس إلى غرفتك من دون أن يقرعوا باب منزلك، ويؤذن لهم أو لا يؤذن لهم، ثم يدخلون عليك غرفتك من دون استئذان أيضاً، وترحب بهم، أو لا ترحب بهم، فهذا لا يهم، ولن يغير هذا من الموضوع شيئاً.
إنها عزلة الآي فون (iPhone)، أو الآي باد (iPad)، أو جهاز اللاب توب.
الجميع موجودون في المنزل، والجميع غير موجودين في المنزل لأن كل واحد منهم قابع في غرفته مع جهازه وقد أغلق عليه باب غرفته، وربما تجده يتحدث إلى أخيه في الغرفة المجاورة له بالفيس بوك (Facebook)، أو يتراسل معه بالإنستجرام (instegram) LAbTop) أوبالإميل (E. mail) وهو على بعد خطوة أو خطوات من أخيه، ولا يكلف نفسه عناء الحركة – وفي الحركة بركة- ليقرع عليه الباب، ثم يقوم أخوه ليفتح له الباب، ثم يبتسم هذا ويبتسم هذا، ثم يلقي كل واحد منهما التحية على أخيه، ثم يتبادلان الحديث في حميمية في الشأن الذي يشغلهما.
حتى هذا بات صعباً، أو غير مرغوب فيه، أو لا يجدا الوقت لفعله، ولسان حال كل واحد منهما يقول: ولماذا أكلف نفسي عناء الحركة والسير خطوات أو حتى خطوة إلى غرفة أخي، وأنا أستطيع بلمسة على هذا الزر أو ذاك أن أخترق الجدران، وأُلقي المسافات، بل وألقي الزمن الذي يستغرقه تحركي وقيامي من على المقعد، والسير خطوات إلى غرفة أخي، وأقرع عليه الباب، ثم أضطره إلى أن يقوم هو الآخر من على مقعده، أو من على سريره، ويمشي خطوات ليفتح لي الباب، ثم أكلمه كلمتين أو ثلاثاً، ثم أعود إلى غرفتي، لماذا كل هذا العناء؟ ولماذا اُخترعت هذه الوسائل، وتوفرت هذه الأجهزة إذن؟!
صحيح بهذا المنطق الكسيح يحق لهذا وأمثاله أن يطرحوا مثل هذه الأسئلة، وأن يتبعوها بعلامات التعجب لأنهم ومع الأسف الشديد تحجرت مشاعرهم، وجفت عواطفهم، وهم لا يرون في لقاء الأخ بأخيه، أو الصديق بصديقه إلا قضاء مصالح دنيوية ساعة تنقضي يذهب كل واحد منهما إلى حال سبيله من دون أن يكون لديهما بعض الوقت للحديث والمؤانسة.
نقول لهذا وأمثاله: إنكم تعيشون في عزلة اجتماعية وإن تواصلتم مع إخوانكم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة التي كان من المفروض أن تسهم في توثيق عرى المودة بينكم، وأن تنظم أوقاتكم المهدورة، وجهودكم المبعثرة، وأن تزيد في دفء مشاعركم، وأحاسيسكم، أما أن تتواصلوا من خلال أجهزة لا مشاعر لها ولا أحاسيس، فهذا ما نحذر منه، ونلومكم عليه، فقد تحولت حياتكم إلى آلات صماء لا روح فيها، وصارت هي التي تتحكم في مشاعركم، وتوجه أحاسيسكم، وما علمتم أنكم بعد زمن حين تعتمدون على هذا اللون من التواصل الاجتماعي البارد الذي لا إحساس فيه ولا دفء، فإن أحاسيسكم سوف تتبلد، ومشاعركم سوف تقسو، وسوف تفقدون شيئاً غير قليل من إنسانيتكم التي كنتم تفخرون بها على من دونكم من المخلوقات، بل على من يساويكم في الإنسانية ممن لا يدينون بما تدينون به، ولا يؤمنون بما تؤمنون به من عقيدة إسلامية راقية كاملة تقيم الكثير من الاعتبارات للمشاعر والترابط الاجتماعي الحي الذي يزيد لحمة المجتمع قوة ومتانة، ويشيع الدفء بين أفراده، أما حين نستغني عن التواصل الاجتماعي الحي بالأجهزة، فإننا نحكم على أنفسنا بعزلة إلكترونية صنعناها بأيدينا وبكامل إرادتنا الحرة.

تاريخ النشر :٢٩ أغسطس ٢٠١٤

كثير من الناس، وأغلبهم من غير المسلمين يصابون بالحيرة الشديدة من أمر الإسلام، وقوة انتشاره، واستمرار هذا الانتشار منذ أن بزغ فجره وإلى اليوم مع أن الكثير من المعطيات على أرض الواقع تقول بغير ذلك!.
ومعلوم أن انتشار أي فكر وقوته، بل وبقاءه مرهون بقوة من يحمله ويؤمن به، وأن دوامه وبقاءه مرتبط بالإيمان به والتضحية من أجله، إلا أن الأمر مع الإسلام جد مختلف، فهو دين يتقدم باطراد رغم أن أمته تتأخر باطراد مما يدعونا إلى الجزم بأنه ليس للأمة تأثير في تقدم الإسلام وسرعة انتشاره إذ لو كان الأمر كذلك لتخلف الإسلام بتخلف أهله، ولوقف تقدمه وانتشاره بسبب تقاعس أهله وتكاسلهم، ولكن الأمر ليس كذلك مما يجعلنا نبحث في نصوص القرآن الكريم عن السر وراء ذلك، ونقول اجتهاداً منا نرجو أن نكون على صواب فيه، فننال أجرين، وإن كنا على خطأ لم نعدم الأجر الواحد كما وعدنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حين قال:[ إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر] المحدث: ابن تيمية في مجموع الفتاوى، والحديث صحيح.
نقول: إن بقاء نور الله تعالى، وهو الإسلام، وظهوره على الدين كله محل رعاية الله تعالى حيث قال سبحانه: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون(8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون(9)} سورة الصف.
ولقد بدأ انتشار الإسلام وتقدمه ببعثته صلى الله عليه وسلم ولا يزال، ونجد ذلك في قوله تعالى:{ إذا جاء نصر الله والفتح(1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا(2)} سورة النصر.
فالسورة اسمها سورة النصر، ونصر الله تعالى (جاء) أي فعل ماض، أي أنه منذ بزغ فجر الإسلام وهو يستقبل كل يوم أفواجاً جديدة، والذي يؤكد هذا الفهم هو الفعل المضارع(يدخلون) وهو فعل يفيد الحال والاستقبال.
ورغم ما يحاك للإسلام من مؤامرات، ويكاد له من مكائد، ويتهم بالعنف مرة، وبالإرهاب مرات فإنه صامد صمود الجبال الرواسي بل أشد، ودليلنا على ذلك أن أعداد المسلمين في تزايد وأعداد غيرهم إلى نقصان. بل أثبتت الإحصائيات أن الذين دخلوا في الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أكثر من الذين دخلوا فيه قبل هذه الأحداث بينما كانت معظم التوقعات كانت تقول بغير هذا.
وإذا كان الإنسان عاجزا عجزاً مطلقاً عن إطفاء نور الشمس، وهي مخلوق من مخلوقات الله تعالى، فكيف يستطيع إطفاء نور الله تعالى؟!!.
لقد أخذ الله تعالى العهد على نفسه أن يتم نوره ويظهر دينه على الدين كله، ظهور حجة وسلطان، وأنه غالب غير مغلوب، فإن هذا لا يعني أن يتحول الناس كلهم إلى مسلمين، ولكن معناه أن يبقى الإسلام الدين الوحيد الذي يملك الحجة والبرهان والمعجزة الوحيدة على صدق البلاغ عن الله تعالى، وسوف يبقى الدين الوحيد نقاءً، وصفاءً لم تستطع الأيدي أن تعبث به، وإن تلوث صفاؤه، وتعكر نقاؤه، وأنه الدين الوحيد الذي سيظل صالحاً لكل زمان ومكان، بل ولكل إنسان.
هذا هو موضع العجب والاستغراب في هذه المعادلة الخاصة بالإسلام، فالإسلام ينتشر بالدفع الذاتي، ودليلنا على ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} سورة فصلت/26.
إن مجرد سماع آيات من القرآن تتلى تجعل الناس على اختلاف ألوانهم، وألسنتهم، وجنسياتهم يقبلون على الإسلام، ويدخلون فيه أفواجا لأنه الدين الحق الذي ظلت معجزته الدالة على صدقه محفوظة إلى اليوم، بل وإلى قيام الساعة، ولقد ظل الإسلام على صفائه وطهره لأنه يستقي من وحي السماء الرقراق.
هذه هي المعادلة العجيبة، وهذا هو حلها.. الإسلام يتقدم وأهله يتخلفون.. الإسلام ينتصر وأهله مهزومون!!

دراسة جدوى

Posted: سبتمبر 1, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٢ أغسطس ٢٠١٤

اعتاد أصحاب المال والاقتصاد حين يريدون الدخول في مشاريع استثمارية، أن يعدوا دراسة جدوى لهذا المشروع من أجل أن يحددوا فرص النجاح والفشل في هذا المشروع.
ودراسة الجدوى هذه إذا كانت لإنتاج سلعة من السلع، فيجب أن تتضمن هذه الدراسة ما هو معروض من نفس السلعة، وهل المشروع الجديد سوف يقدم سلعة أفضل من السلعة المعروضة من حيث الثمن والجودة
وحاجة السوق إلى أمثال هذه السلعة؟ ثم ما هي فرص تفوق السلعة الجديدة على المعروضة حالياً في الأسواق؟.
فإذا قدمت الدراسة رؤية واضحة لفرص نجاح هذا المشروع أقدم عليه التاجر وهو على ثقة من المنافسة لسلعته الجديدة.
وما تحتاج إليه المشاريع الاقتصادية من دراسات جدوى، يصح أن تحتاج إليه المشاريع الإيمانية، فالدنيا ليست أولى بالرعاية والاهتمام من الآخرة، بل الآخرة هي الحيوان «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد»، والقرآن باعتباره منهاج حياة لم يغفل هذا الجانب المهم، ولقد حض أتباعه على اتخاذ ما يلزم من خطوات مدروسة من أجل الوصول إلى الأهداف الإيمانية المرجوة، والتي يريد المسلم أن يصل إليها، ويحقق من خلالها صحة إسلامه، وكمال إيمانه.
والقرآن الكريم باعتباره خطابا إلى الإنسان في جميع أدوار حياته، فهو يخاطب الإنسان المؤمن الذي يبحث عما يزيد إيمانه ويوثقه، وهو يخاطب الإنسان غير المؤمن بإله واحد لا شريك له، وهو يخاطب أهل الدنيا كما هو يخاطب أهل الآخرة، ويقدم لهؤلاء ولهؤلاء ما يسدد خطاهم، ويصلح شأنهم.
والقرآن خطاب إلى أصحاب العقول الراجحة، والبصائر النيِّرة، يزيدهم رجاحة عقل ونور بصيرة.
بل هو وعلى الإجمال خطاب إلى أهل التخصص في كل لون من ألوان المعرفة، فهو يقدم إليهم إشارات علمية واضحة الدلالة تعينهم على البحث والتقصي، وها هو القرآن يخاطب التجار، الذين يبحثون عن فرص جديدة للربح الوفير، ليلفت أبصارهم وبصائرهم إلى مشاريع استثمارية تنفعهم في الحياة الأخرى التي اعتاد الإنسان ألا يلقي لها بالاً، ولا يوليها من الاهتمام والرعاية ما تناله الحياة الدنيا من رعايته وعنايته، يقول الحق سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12)» سورة الصف.
الحق سبحانه وتعالى يعلن مشروعا استثماريا إيمانيا، ويدعو المؤمنين إلى المشاركة فيه، ويبيَّن لهم الحق سبحانه أن رأس مال هذا المشروع لا يقتصر على المال وحده، ذلك لأن المشروع متعدد الأغراض، متنوع الثمار، لهذا يتكون رأس ماله من: الإيمان بالله تعالى، وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) والجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس.
أما حديث القرآن عن دراسة الجدوى لهذا المشروع، فنجدها في مغفرة الذنوب، والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، وإقامة دائمة في مساكن طيبة.
كل المعطيات التي تقدمها هذه الدراسة لهذا المشروع تدل على أنه مشروع ناجح بالمقاييس الإيمانية، وأنه ذو عائد ربحي، وأرباحه ليست مالاً تضعف قوته الشرائية بمرور الزمن، وتقادم العهد، بل حسنات تزداد نمواً وبركة كلما طال عليها العهد، وتعاقبت عليها السنون.
إن دراسة الجدوى لهذا المشروع الإيماني تقدم لنا ضمانا للجودة لا مثيل لها، كما تحقق دواما لهذه الجودة لأن الذي وضع مواصفاتها هو الحق تبارك وتعالى، فهو مشروع استثماري مبارك يشبه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا يقتصر نفع هذا المشروع على صاحب المشروع، بل يمتد أثره إلى الذرية من الأبناء والأحفاد، واقرؤوا قوله تعالى: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً..» سورة الكهف/ 82.
ما أحوجنا إلى مثل هذه الاستثمارات في يوم تشخص فيه الأبصار، ولا ينجو فيه إلا من أتى الله تعالى بقلب سليم، وبعمل صالح متقبل، ونرجو أن نكون من هؤلاء.

فيه شفاء للناس

Posted: أغسطس 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٥ أغسطس ٢٠١٤

يتضمن القرآن الكريم مستويين من الخطاب: عامُّ وخاص، فحين يتعرض لقضية عامة يشترك فيها الإنسان بعمومه المؤمن وغير المؤمن يخاطبهم القرآن بقوله: «يا أيها الناس» وحين يريد أن يخص قوماً، أو جماعة بشأن من شئونهم الخاصة يناديهم بخطاب خاص بهم، فالذين آمنوا بالله ورسوله يناديهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» وهو خطاب التكليف لمن آمن بالإسلام، وأما خطابه لأهل الملل الأخرى، فيقول لهم مثلاً: «يا أهل الكتاب» وأما من هم ليسوا من هؤلاء ولا أولئك، فيقول لهم: «يا أيها الكافرون» أو «إذا جاءك المنافقون».. وهكذا.
ولقد سبق أن تحدثنا عن عطاء الألوهية للمؤمنين الذين قالوا لله ولرسوله عندما دعاهم لما يحييهم: (سمعنا وأطعنا).
واليوم نتحدث عن خطاب عام للناس جميعاً، وهو يختص بعطاء الربوبية الذي لا يفرق بين المسلم وغير المسلم.
لقد نبه الحق تبارك وتعالى خليله إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) إلى أمر مهم جداً، حين أنعم عليه بالإمامة، فأراد أن تبقى في عقبه، فمنعها الله تعالى عنهم، لأن الإمامة اصطفاء، والاصطفاء لا يُورَث، قال سبحانه وتعالى: «وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين» سورة البقرة/124.
وحين طلب إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) الرزق لأهله تذكر طلبه الأول، فخشي أن يقع في الخطأ مرتين، فقصر الرزق على من آمن به: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير» سورة البقرة/126.
نخلص من ذلك إلى أن الحق تبارك وتعالى عندما تكلم عن بعض خصائص العسل في العلاج لم يقصر نفعه على المؤمنين به سبحانه، الطائعين لأمره ونهيه، بل عم به جميع الناس، لأن ذلك من عطاء الربوبية، وعطاء الربوبية للطائع وللعاصي على حدٍ سواء، بل قد يؤتيه العاصي الذي أخذ بالأسباب، ويمنعه عن الطائع إذا تكاسل عن السعي، وقد يسأل سائل: إذاً ما الفرق بين العاصي والطائع إذا أخذا جميعاً بالأسباب، فكلاهما يحصل على هذا العطاء، ولا فرق بينهما؟.
نقول لهذا المتسائل: الفرق بينهما أن الطائع العامل يشارك العاصي في هذا العطاء الدنيوي، ثم يكون له وحده عطاء الآخرة، يقول سبحانه وتعالى: «من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلاًّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20)» سورة الإسراء.
من هنا ندرك جلال العطاء في قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69)» سورة النحل.
يا لجلال البيان، ويا لعظمة العطاء.. انه دواء مبذول لكل مريض، والطبيب المعالج لا يسأل مريضه عن دينه، أو عن إيمانه أو يقينه قبل أن يكشف عليه، ويشخص مرضه، ثم يكتب له الدواء، بل هو ينظر إلى المرضى جميعاً نظرة واحدة، وأنهم بحاجة إلى العلاج، أما إيمانهم، أو ما يعتقدون، فتلك قضية لا يشغل الطبيب نفسه بها لأنها لا تدخل في اختصاصه، كما هو حال الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) يشخصون أمراض الناس، ثم يصفون لهم الدواء، ويدلونهم على طريقة استعماله، ثم يتركونهم وشأنهم من شاء أخذ العلاج، فشفي من مرضه، ومن شاء أهمله فبقي يعاني ويتألم.
لقد أمرنا الله تعالى بأن نوفر الحماية والاستضافة لمشرك من دون أن يشترط استجابته إلى دعوة الإسلام، قال تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» سورة التوبة/56.
ما أعظم هذا الدين، وما أرحمه بالعباد، وما أنصفه وما أعدله في إعطاء الحقوق لأصحابها من دون أن يعوق ذلك عائق من بغض أو كراهية أو اختلاف في الدين.

تاريخ النشر :٨ أغسطس ٢٠١٤

في القرآن الكريم عطاء للربوبية، وعطاء للألوهية، وإذا كانت الأولى لكل الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم، فإن الثانية، وهي عطاء الألوهية خاص بأهل الإيمان، الذين استجابوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم.
وفي القرآن الكريم علاجات كثيرة، وفيه شفاء لما في الصدور من الشك والريبة والبغضاء والكراهية والأثرة، وهو وصفة طبية ناجحة تتبع آثار الداء، فتقضي عليه، ويعود الإنسان المريض صحيحاً، والضعيف قوياً، والعاجز قادراً على أداء ما خلق له من مطلوبات دينه ودنياه، يقول تعالى: «يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين» سورة يونس/57.
ولقد بدأت الآية الجليلة بالخطاب العام: «يا أيها الناس»، وهذا يعني أن القضية المطروحة والمخاطب بها الناس هي قضية عامَّة تشغل بال جميع الناس من دون تفرقة بين من آمن بالقرآن كتاباً منزلاً من الله تعالى، ومنهاجاً صالحاً للحياة الدنيا، يهدي للتي هي أقوم، كما قال سبحانه: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..» سورة الإسراء/9، وقلَّ بين الكتب المنزلة الأخرى ما يحقق ذلك، وبين من لم يؤمن به، ولم يوقر أوامره ونواهيه، فالقرآن هو الكتاب الوحيد الذي جمع فيه الحق سبحانه وتعالى بين المعجزة والمنهاج، وجعل فيه جميع الهدايات التي يحتاجها الإنسان في حياته، والتي تقود خطواته إلى الصراط المستقيم.
الخطاب في الآية التي ذكرناها من سورة يونس وُجه إلى الناس، وهذا يعني- كما أسلفنا- أن القضية التي سوف يعالجها القرآن تهم الناس جميعاً، ولا تختص بالذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم).
والسؤال: كيف نوفق بين عمومية الخطاب وخصوصية الانتفاع من توجيهات القرآن العظيم؟.
حل الإشكال الذي نواجهه في هذه الآية هو في أن ندرك أن الهداية في القرآن تأتي على معنيين، الأول: هو هداية الدلالة التي يشترك فيها جميع الناس من آمن ومن لم يؤمن، والثاني: هو هداية المعونة والتمكين التي يخص بها الله تعالى عباده المؤمنين، الذين استجابوا لدعوة الحق، كما سبق أن تناولنا ذلك عند حديثنا عن هداية المعونة والتمكين.
القرآن نزل لجميع الناس، وفيه موعظة من الله تعالى لجميع الناس، فمن أقبل عليه، واستجاب له، وانضوى تحت لوائه تحقق له الشفاء مما ألمَّ به، بدليل قوله تعالى: «.. وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمةً للمؤمنين»، أما من أعرض عنه، واتبع سبيل غير المؤمنين، فيوليه الله تعالى ما تولى، يقول تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» سورة النساء/115.
والهداية التي تتحدث عنها الآية هي هداية المعونة والتمكين التي اختص الله تعالى بها المؤمنين، فالآية تبدأ بالخطاب العام: «يا أيها الناس»، ثم تنتهي بالخطاب الخاص: «للمؤمنين»، فمن أقبل على دعوة الإسلام، وصدَّق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعانه الله تعالى بأن يسر له سبل الوصول إليه سبحانه، وأعانه على أداء التكاليف المأمور بها، والمنهي عنها، ومن أعرض ونأى بجانبه أعرض الله تعالى عنه، مصداق ذلك قوله تعالى: «ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون» سورة الحشر/19.
وقوله سبحانه: «والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون» سورة التوبة/67.
إذاً، فمفتاح القرب من الله والبعد عنه سبحانه بيدك أيها الإنسان، فإذا أردت اقتربت، وإذا لم تُرِدْ ابتعدت، ولن تحاسب يوم القيامة إلا على قول أو فعل اخترتهما بمحض إرادتك، فلا تتعلل بالعلل، ولا تعتذر بالأعذار، فعدل الله تعالى مطلق، يقول سبحانه: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» سورة الإسراء/15.
أي أنه سبحانه وتعالى قد كلفنا بما نطيق، ثم ترك لنا حرية الاختيار، ويوم القيامة سوف يحاسبنا وفق اختيارنا الحر.

معركة الربا

Posted: أغسطس 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١ أغسطس ٢٠١٤

الصراع بين الحلال والحرام قائم إلى يوم القيامة، والمواجهة بين الحق والباطل هي الأخرى لن يهدأ أوارها، ولن تنطفئ نارها ما دام هناك بشر يعطون ولاءهم للحق، وآخرون يعطون ولاءهم للباطل.
بل إن حزب الله لن يلقي سلاحه، ولن يسلم زمامه لحزب الشيطان، والغلبة بإذن الله تعالى لحزب الله على حزب الشيطان، وللحق على الباطل، وللحلال على الحرام.
بل إن هناك صراعاً دائماً ومستمراً بين الكسب المشروع والكسب غير المشروع، بين الكسب الحلال والكسب الحرام، والقرآن الكريم وهو يتحدث عن هذه الصراعات يحسم النتيجة للحلال على الحرام، وللحق على الباطل، ولحزب الله على حزب الشيطان، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» سورة المائدة(87).
ويقول تعالى: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون» سورة الأنبياء(18).
ويقول جل جلاله: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً» سورة الإسراء(81).
وقال سبحانه وتعالى: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» سورة المجادلة(19).
والآيات الدالة على انتصار الحق على الباطل، وانتصار حزب الله على حزب الشيطان كثيرة في القرآن، أما حديثه عن الربا، فحديث تقشعر من هوله الأبدان، فالله تعالى لم ينص في كتابه المعجز على عقوبة محددة لمن يرتكب هذه الكبيرة، بل صور حالة المرابي تصويراً تنخلع له القلوب، وتوعده بالحرب يوم القيامة، فقال سبحانه: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة البقرة(275).
ثم أصدر الحق تبارك وتعالى حكمه العادل على الربا، فقال جل جلاله: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفَّار أثيم» سورة البقرة(276).
أما ما توعد به آكل الربا ومن له علاقة به من قريب أو بعيد، فهو أمر لا قبل لهم به، ولا طاقة لهم على احتماله في زمان غير الزمان، وفي مكان غير المكان، وفي أحوال غير أحوال الدنيا، في يوم القيامة حيث يسعى الساعون، ويبذل الإنسان غاية وسعه، وأقصى ما يستطيع من أجل أن يرضى عنه مولاه سبحانه، وأن يحظى بشفاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يوم يعز الشفيع، ويفر المرء من أخيه وذويه، لأن كل إنسان في ذلك اليوم له شأن يغنيه، في ذلك اليوم ينادي المنادي: أين المرابون، فليستعدوا للنزال، وليجردوا أسلحتهم للقتال، لمواجهة حرب لا قبل لهم بها، يقول تعالى فيهم:
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون» (279) سورة البقرة.
نداء إلى أهل الإيمان والتقوى، فيه تنبيه لهم، وإيقاظ لأهل الغفلة، وفيه تحذير تتصدع من هوله القلوب، أن هناك حرباً شعواء تنتظر المرابين وخصمهم فيها هو الله تعالى، الجبار، القهار الذي لا يقهر، العزيز الذي لا يغلب، وخصمهم أيضاً هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي بلغهم بحرمة الربا، وما ينتظر المرابين من عذاب، فهل هم قادرون على مجرد الوقوف في مواجهة مولاهم سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) الذي سوف يشهد عليهم أنه بلغهم؟!.
ورغم كل ذلك يوفر لهم الحق تبارك تعالى الفرص الكثيرة للتوبة والإنابة قبل أن يحين أجلهم، ويواجهون ما توعدهم به الله تعالى لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويؤوبون إليه: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون».
فهيا إلى التوبة والنجاة من عذاب أليم، ومن حرب خاسرة بالنسبة إليكم بكل المقاييس، فهل تستجيبون؟!

معركة الربا

Posted: أغسطس 3, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١ أغسطس ٢٠١٤

الصراع بين الحلال والحرام قائم إلى يوم القيامة، والمواجهة بين الحق والباطل هي الأخرى لن يهدأ أوارها، ولن تنطفئ نارها ما دام هناك بشر يعطون ولاءهم للحق، وآخرون يعطون ولاءهم للباطل.
بل إن حزب الله لن يلقي سلاحه، ولن يسلم زمامه لحزب الشيطان، والغلبة بإذن الله تعالى لحزب الله على حزب الشيطان، وللحق على الباطل، وللحلال على الحرام.
بل إن هناك صراعاً دائماً ومستمراً بين الكسب المشروع والكسب غير المشروع، بين الكسب الحلال والكسب الحرام، والقرآن الكريم وهو يتحدث عن هذه الصراعات يحسم النتيجة للحلال على الحرام، وللحق على الباطل، ولحزب الله على حزب الشيطان، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» سورة المائدة(87).
ويقول تعالى: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون» سورة الأنبياء(18).
ويقول جل جلاله: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً» سورة الإسراء(81).
وقال سبحانه وتعالى: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» سورة المجادلة(19).
والآيات الدالة على انتصار الحق على الباطل، وانتصار حزب الله على حزب الشيطان كثيرة في القرآن، أما حديثه عن الربا، فحديث تقشعر من هوله الأبدان، فالله تعالى لم ينص في كتابه المعجز على عقوبة محددة لمن يرتكب هذه الكبيرة، بل صور حالة المرابي تصويراً تنخلع له القلوب، وتوعده بالحرب يوم القيامة، فقال سبحانه: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» سورة البقرة(275).
ثم أصدر الحق تبارك وتعالى حكمه العادل على الربا، فقال جل جلاله: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفَّار أثيم» سورة البقرة(276).
أما ما توعد به آكل الربا ومن له علاقة به من قريب أو بعيد، فهو أمر لا قبل لهم به، ولا طاقة لهم على احتماله في زمان غير الزمان، وفي مكان غير المكان، وفي أحوال غير أحوال الدنيا، في يوم القيامة حيث يسعى الساعون، ويبذل الإنسان غاية وسعه، وأقصى ما يستطيع من أجل أن يرضى عنه مولاه سبحانه، وأن يحظى بشفاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يوم يعز الشفيع، ويفر المرء من أخيه وذويه، لأن كل إنسان في ذلك اليوم له شأن يغنيه، في ذلك اليوم ينادي المنادي: أين المرابون، فليستعدوا للنزال، وليجردوا أسلحتهم للقتال، لمواجهة حرب لا قبل لهم بها، يقول تعالى فيهم:
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون» (279) سورة البقرة.
نداء إلى أهل الإيمان والتقوى، فيه تنبيه لهم، وإيقاظ لأهل الغفلة، وفيه تحذير تتصدع من هوله القلوب، أن هناك حرباً شعواء تنتظر المرابين وخصمهم فيها هو الله تعالى، الجبار، القهار الذي لا يقهر، العزيز الذي لا يغلب، وخصمهم أيضاً هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي بلغهم بحرمة الربا، وما ينتظر المرابين من عذاب، فهل هم قادرون على مجرد الوقوف في مواجهة مولاهم سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) الذي سوف يشهد عليهم أنه بلغهم؟!.
ورغم كل ذلك يوفر لهم الحق تبارك تعالى الفرص الكثيرة للتوبة والإنابة قبل أن يحين أجلهم، ويواجهون ما توعدهم به الله تعالى لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويؤوبون إليه: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون».
فهيا إلى التوبة والنجاة من عذاب أليم، ومن حرب خاسرة بالنسبة إليكم بكل المقاييس، فهل تستجيبون؟!