Archive for the ‘خواطر الجمعة’ Category

هداية الدلالة

Posted: أكتوبر 12, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٣ أكتوبر ٢٠١٤

تأتي كلمة «الهداية» في القرآن الكريم على معنيين، الأول: الدلالة على الطريق، والثاني: المعونة والتمكين، ومن لا يُقبل على الأولى لا تتحقق له الثانية، كما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي(رحمه الله تعالى).
وحديثي اليوم عن هداية الدلالة التي هي قاسم مشترك بين الناس جميعاً، وليست حكراً على المسلمين وحدهم، فهي للمسلم ولغير المسلم، فمن أقبل عليها، ورضي بها، وسلك سبلها كان حقاً على الله تعالى أن يهبه الهداية الثانية، هداية المعونة والتمكين.
وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على هذا اللون من الهداية، منها قوله تعالى: «وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون» سورة فصلت/17.
هديناهم: أي دللناهم على طريق الحق وطريق الباطل، فاختاروا الباطل على الحق، والعمى على الهدى، وساروا فيه، وتنكبوا كل سبب يوصلهم إلى صراط الله المستقيم.
وطريق الباطل مليء بالمعاصي، والإنسان فيه عرضة لأن تتخطفه الشياطين، أو تهوي به إلى هاوية سحيقة، ولن يجد له من ولي ولا نصير يرد عنه غوائل الشر التي تتلون له بألوان الطيف لتغريه بالمعاصي، وتسد عليه منافذ الفرار من قبضة الشيطان التي تمكنت منه حين اختار طريق الغواية سبيلا، وهو يعلم أنه طريق محفوف بالمهالك والمغريات، وأنه يندر أن ينجو منه أحد إلا من رحمه الله تعالى، وألهمه الصواب، وأيقظه من سباته.
ولقد ضمن الحق تبارك وتعادل هداية الدلالة لجميع الناس، وذلك حين أشار عند نزول القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في شهر رمضان، أن هذا القرآن فيه هداية للناس جميعاً، قال تعالى: «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» سورة البقرة/ 185.
فالقرآن العظيم عند نزوله إنما نزل لهداية البشر جميعاً، الهداية الأولى هي هداية الدلالة، وذلك حين تضافرت الأدلة العقلية والنقلية على توضيح سبل الهداية والرشاد، ودعت الناس جميعاً إلى الإقبال على الحق، والانضواء تحت لوائه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..» سورة البقرة/256.
فمن الناس من أقبل، ومنهم من أعرض، فالذين أقبلوا صاروا أهلاً لأن يزيدهم الله تعالى هدى ويؤتيهم تقواهم كما قال سبحانه: «والذين اهتدوا زادهم هدىًً وآتاهم تقواهم» سورة محمد/17.
أما من أعرض منهم ونأى بجانبه، فهؤلاء تركهم وشأنهم، فاستولت عليهم الشياطين، وصاروا من حزب الشيطان، وأعضاء هذا الحزب هم الخاسرون، الذين خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
إذن، فعند بداية نزول القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنبأ الله تعالى رسوله(صلى الله عليه وسلم) أن هذا القرآن ليس حكرًا على العرب وحدهم، بل هو هدى للناس جميعاً، وفي هذا إشارة بالغة الدلالة على عالمية الإسلام، وإلى المهمة الجليلة التي ندب الله تعالى رسوله ومصطفاه لها، وهي دعوة الناس جميعاً إلى الإيمان بالله والتصديق برسوله، دليل ذلك قوله تعالى:
«قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون» سورة الأعراف/158.
كان هذا عند نزول القرآن ليعلم القاصي والداني أن هذا القرآن المعجز إنما نزل لجميع الناس، العرب وغير العرب، وأن الله تعالى جمع فيه كل الهدايات، وأنه موجه إلى الناس جميعاً، فمن آمن به واتبع النور الذي أنزل معه هدي إلى صراط الله المستقيم، ومن أعرض عنه ضل ولم يكن أهلاً لهداية المعونة والتمكين التي لا يملكها إلا الله تعالى، فقد تكرر في أكثر من موضع في القرآن نفي هداية التمكين عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وإثبات هداية الدلالة له، من مثل قوله تعالى: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين» سورة القصص/56.

تاريخ النشر :٢٦ سبتمبر ٢٠١٤

هناك قاعدة شرعية وقانونية دأب أهل القانون على ذكرها، والاستشهاد بها في أحاديثهم، هذه القاعدة هي: «البينة على من ادعى، واليمن على من أنكر».
ودعونا نتحدث عن الشطر الأول من هذه القاعدة، وهو القول: «البينة على من ادعى» لنرصد أثرها في حياة المسلم، ومدى مطابقة ما يدعيه على واقع حياته وأحواله، وذلك في كل شأن من شئونه الخاصة والعامة، وفي كل علاقاته مع خالقه سبحانه، ومع ذاته، ومع أهله وإخوانه وأقربائه، والناس أجمعين.
معلوم أن حياة الإنسان عموماً، وحياة المسلم على وجه الخصوص مليئة بالإدعاءات التي يلزمها البينة حتى تنتقل من حالة الإدعاء إلى واقع الإنسان، فتسلم له كل قضية ادعاها.
فالأعراب حين ادعوا الإيمان هل استطاعوا أن يقدموا البينة على صدق إدعائهم أم أنهم عجزوا عن فعل ذلك؟ لقد رد الله تعالى عليهم دعواهم، قال تعالى: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم» سورة الحجرات/14.
وما حصل للأعراب حصل للمنافقين أيضاً حين ادعوا أنهم يشهدون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة، قال تعالى: «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» سورة المنافقون/1.
ففيم كذب المنافقون أليس محمد (صلى الله عليه وسلم) رسول الله؟
ألم يقل الحق تبارك وتعالى: «والله يعلم إنك لرسوله»؟
إذن، فلماذا وصف الله تعالى المنافقين بأنهم كاذبون، وهم أقروا بحقيقة الله تعالى يعلمها؟
وصف الله تعالى المنافقين بالكذب في قولهم: نشهد إنك لرسول الله.. فهم لو كانوا حقاً يشهدون لرسول الله بالرسالة لآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولكنهم قالوا بلسانهم ما لم تقر به قلوبهم، ونحن نعلم أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الجوارح، وأنه نطق باللسان وعمل بالأركان.
وننطلق من هذين الاستشهادين إلى حقيقة ما يدعيه المسلم من إسلام وإيمان، ونعرض دعواه على هذه القاعدة الذهبية «البينة على من ادعى»، فهل يستطيع المسلم أن يقدم البينة على صحة ما يدعيه؟
بإمكان المسلم أن يزن ادعاءاته بميزان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فالمسلم الحق عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي الإسلام هو: من يسلم المسلمون وغير المسلمين من لسانه ويده، فهل من يدعي الإسلام هذا هو واقع حياته وسلوكه مع الناس أو حتى مع المسلمين أنفسهم، أم أن سلوكه يخالف ما يدعيه؟.
وهل المؤمن بميزان الإيمان الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو حقاً كما يدعي، بمعنى: هل يأمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم؟ وهل لوصف الإيمان الذي يتصف به حقيقة في واقع سلوكه؟
إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) قد يسر لنا سبل التعرف على حقيقة ما ندعيه من إسلام وإيمان، وذلك حين دلنا على البينة التي على المسلم والمؤمن أن يقدمها كل منهما لإثبات ما يدعيان به، قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.
و(المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم) رواه الإمام أحمد.
هذه بعض النماذج التي اخترناها لك عزيزي القارئ لنوضح لك عظمة هذه القاعدة الذهبية التي وضعها الإسلام لأتباعه، وهي صالحة حتى لغير أتباعه لأنها قاعدة عامَّة تصلح للمسلمين ولغير المسلمين، فمن يدعي دعوى عليه أن يقدم البينة على صدق ما يدعيه، فإن فعل ذلك سلمت له الدعوى، وإن عجز عن ذلك، فهو مدعٍ ولا يوجد لديه ما يؤيد دعواه في واقعه القولي أو الفعلي.
فيا أيها المسلمون قدموا بين يدي الله ورسوله ما يؤيد دعواكم من صدق انتسابكم إلى الإسلام، وأنكم من أهله وخاصته، وإلا فلا تدعوا ما أنتم لستم بأهل له.

خير العزاء

Posted: سبتمبر 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٢ سبتمبر ٢٠١٤

اعتاد كثير من الناس حين يقومون بواجب العزاء إلى أهل الميت أن يسألوا عن سبب الوفاة، فإذا أخبروا عنها دخلوا مع أهل الميت في نقاش لا جدوى فيه، وقد يسبب هذا النقاش الحسرة والندامة عند أهل الميت، ويجدد أحزانهم من مثل القول: بأنكم لو ذهبتم بفقيدكم إلى البلد الفلاني للعلاج لكان خيراً له ولكم، أو لو أدركتم إشارة المرور الخضراء قبل أن تصبح حمراء لوصلتم إلى المستشفى في الوقت المناسب، ولكان فقيدكم بينكم الآن حياً، وغيرها من الأقوال والافتراضات الباطلة التي لن تعيد الميت إلى الحياة، ولكنها بالتأكيد سوف تشعر أهل الميت بالتقصير تجاه فقيدهم.
وكنت فيما مضى من هؤلاء الذين يسألون ويستقصون عن سبب الوفاة، ولكني لا أتجاوز ذلك إلى تقديم النصائح والاقتراحات في أمر قد مضى أوانه، ثم اكتشفت بعد زمن أن السبب الوحيد للموت هو انتهاء الأجل ولا عبرة لغيره من الأسباب، وأن الأسباب يأتي بها الله تعالى في بعض الأحيان ليخفف الصدمة على أهل الميت، حتى أن بعض المرضى قد يتمنون الموت للخلاص من آلام المرض، ورحم الله أمير الشعراء أبا الطيب المتنبي عندما قال:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
ولم تكن العلل والأمراض هي السبب في الموت، ولن تكون، وإنما السبب حصراً هو انتهاء الأجل بدليل وفاة الصحيح وبقاء صاحب العلة إلى حين، وكم من أناس ظلوا على فراش المرض سنوات طويلة، ولو كان المرض هو سبب الوفاة لغادروا الدنيا منذ زمن، والحياة مليئة بمثل هذه النماذج، بل هناك من يموت اجتماعياً حين يمنعه المرض عن مخالطة الناس، فينسى الناس أمره حتى إذا نعاه الناعي قال الناس: ألم يمت من قبل؟!!.
فهذا موت اجتماعي أو سمه غيبوبة اجتماعية يدخل فيها المريض إنتظاراً للموت الحقيقي.
ولقد كنت واحداً من هؤلاء الذين يسألون مثل هذه الأسئلة، ولكني اكتشفت أنها أسئلة لا قيمة لها ولن تقدم أو تؤخر، فلن تموت نفس حتى يحين أجلها، ولو تجذر هذا المعنى للموت في قلوب الناس لخفت عليهم المصيبة، ولاستقبلوا قضاء الله تعالى وقدره بنفوس مطمئنة راضية محتسبة.
وهناك بعض العبارات التي اعتاد بعض الناس على ترديدها على مسامع أهل الميت من مثل قولهم: البقية في حياتكم! وكنت أعجب من هذه المقولة إذ لو بقيت في حياة الميت بقية لعاشها هو ولم يتركها لغيره، وخير للمعزين أن يقولوا لأهل الميت: عظَّم الله أجركم، أو يقولوا لهم ما قاله القرآن في خطابه إلى رسوله (صلى الله عليه وسلم): «إنك ميت وإنهم ميتون» فإذا علم أهل الميت أن أعز الخلق عند الله تعالى، وأعظمهم مكانة بين أنبيائه ورسله الكرام قد مات، فيهون عندهم كل عزيز، ويكون ذلك سبباً في صبرهم واحتسابهم، ثم يلحقون ذلك بقولهم: كل نفس ذائقة الموت، ليستقر في وجدان أهل الميت أن الموت حق، وأن كل نفس مهما عظم شأنها سوف تموت، وأن الله تعالى كتب الموت على كل حي.
جالت هذه الخواطر في نفسي وأنا أزور مجالس العزاء بين آونة وأخرى، وأسمع من الناس هذه الأقوال والعبارات التي حفظوها، وأخذوا يرددونها بوعي أو بلا وعي منهم؛ لأنهم ربما لا يجدون غيرها ليقطعوا بها حبل الصمت الذي يسود عادة جو مناسبات العزاء، وليتهم يستبدلونها ببعض ما يعرفون من محاسن الميت ليجبروا بذلك قلوب أهله، عملاً بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن سوءاتهم.

تاريخ النشر :٥ سبتمبر ٢٠١٤

للحضارة والمدنية أثر واضح على الإنسان، وعلى سلوكه مع الناس، حين يستغني عن صحبة إخوانه وتجاذب أطراف الحديث معهم بما اُستحدث من وسائل الاتصال الحديثة.
وقد تدخل بيتاً وتجد فيه جميع أهله موجودين وغير موجودين، بمعنى أنهم موجودون بأجسامهم لكنهم غير موجودين بأرواحهم ومشاعرهم، ذلك لأن كل وحد منهم قد ضرب على نفسه عزلة اجتماعية (إلكترونية)، وقد يتساءل البعض متعجباً، وهل هناك عزلة بهذا الاسم؟ نقول له: نعم، يوجد مثل هذه العزلة مع هاتفك النقال الذي يأتي بالناس إلى غرفتك من دون أن يقرعوا باب منزلك، ويؤذن لهم أو لا يؤذن لهم، ثم يدخلون عليك غرفتك من دون استئذان أيضاً، وترحب بهم، أو لا ترحب بهم، فهذا لا يهم، ولن يغير هذا من الموضوع شيئاً.
إنها عزلة الآي فون (iPhone)، أو الآي باد (iPad)، أو جهاز اللاب توب.
الجميع موجودون في المنزل، والجميع غير موجودين في المنزل لأن كل واحد منهم قابع في غرفته مع جهازه وقد أغلق عليه باب غرفته، وربما تجده يتحدث إلى أخيه في الغرفة المجاورة له بالفيس بوك (Facebook)، أو يتراسل معه بالإنستجرام (instegram) LAbTop) أوبالإميل (E. mail) وهو على بعد خطوة أو خطوات من أخيه، ولا يكلف نفسه عناء الحركة – وفي الحركة بركة- ليقرع عليه الباب، ثم يقوم أخوه ليفتح له الباب، ثم يبتسم هذا ويبتسم هذا، ثم يلقي كل واحد منهما التحية على أخيه، ثم يتبادلان الحديث في حميمية في الشأن الذي يشغلهما.
حتى هذا بات صعباً، أو غير مرغوب فيه، أو لا يجدا الوقت لفعله، ولسان حال كل واحد منهما يقول: ولماذا أكلف نفسي عناء الحركة والسير خطوات أو حتى خطوة إلى غرفة أخي، وأنا أستطيع بلمسة على هذا الزر أو ذاك أن أخترق الجدران، وأُلقي المسافات، بل وألقي الزمن الذي يستغرقه تحركي وقيامي من على المقعد، والسير خطوات إلى غرفة أخي، وأقرع عليه الباب، ثم أضطره إلى أن يقوم هو الآخر من على مقعده، أو من على سريره، ويمشي خطوات ليفتح لي الباب، ثم أكلمه كلمتين أو ثلاثاً، ثم أعود إلى غرفتي، لماذا كل هذا العناء؟ ولماذا اُخترعت هذه الوسائل، وتوفرت هذه الأجهزة إذن؟!
صحيح بهذا المنطق الكسيح يحق لهذا وأمثاله أن يطرحوا مثل هذه الأسئلة، وأن يتبعوها بعلامات التعجب لأنهم ومع الأسف الشديد تحجرت مشاعرهم، وجفت عواطفهم، وهم لا يرون في لقاء الأخ بأخيه، أو الصديق بصديقه إلا قضاء مصالح دنيوية ساعة تنقضي يذهب كل واحد منهما إلى حال سبيله من دون أن يكون لديهما بعض الوقت للحديث والمؤانسة.
نقول لهذا وأمثاله: إنكم تعيشون في عزلة اجتماعية وإن تواصلتم مع إخوانكم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة التي كان من المفروض أن تسهم في توثيق عرى المودة بينكم، وأن تنظم أوقاتكم المهدورة، وجهودكم المبعثرة، وأن تزيد في دفء مشاعركم، وأحاسيسكم، أما أن تتواصلوا من خلال أجهزة لا مشاعر لها ولا أحاسيس، فهذا ما نحذر منه، ونلومكم عليه، فقد تحولت حياتكم إلى آلات صماء لا روح فيها، وصارت هي التي تتحكم في مشاعركم، وتوجه أحاسيسكم، وما علمتم أنكم بعد زمن حين تعتمدون على هذا اللون من التواصل الاجتماعي البارد الذي لا إحساس فيه ولا دفء، فإن أحاسيسكم سوف تتبلد، ومشاعركم سوف تقسو، وسوف تفقدون شيئاً غير قليل من إنسانيتكم التي كنتم تفخرون بها على من دونكم من المخلوقات، بل على من يساويكم في الإنسانية ممن لا يدينون بما تدينون به، ولا يؤمنون بما تؤمنون به من عقيدة إسلامية راقية كاملة تقيم الكثير من الاعتبارات للمشاعر والترابط الاجتماعي الحي الذي يزيد لحمة المجتمع قوة ومتانة، ويشيع الدفء بين أفراده، أما حين نستغني عن التواصل الاجتماعي الحي بالأجهزة، فإننا نحكم على أنفسنا بعزلة إلكترونية صنعناها بأيدينا وبكامل إرادتنا الحرة.

تاريخ النشر :٢٩ أغسطس ٢٠١٤

كثير من الناس، وأغلبهم من غير المسلمين يصابون بالحيرة الشديدة من أمر الإسلام، وقوة انتشاره، واستمرار هذا الانتشار منذ أن بزغ فجره وإلى اليوم مع أن الكثير من المعطيات على أرض الواقع تقول بغير ذلك!.
ومعلوم أن انتشار أي فكر وقوته، بل وبقاءه مرهون بقوة من يحمله ويؤمن به، وأن دوامه وبقاءه مرتبط بالإيمان به والتضحية من أجله، إلا أن الأمر مع الإسلام جد مختلف، فهو دين يتقدم باطراد رغم أن أمته تتأخر باطراد مما يدعونا إلى الجزم بأنه ليس للأمة تأثير في تقدم الإسلام وسرعة انتشاره إذ لو كان الأمر كذلك لتخلف الإسلام بتخلف أهله، ولوقف تقدمه وانتشاره بسبب تقاعس أهله وتكاسلهم، ولكن الأمر ليس كذلك مما يجعلنا نبحث في نصوص القرآن الكريم عن السر وراء ذلك، ونقول اجتهاداً منا نرجو أن نكون على صواب فيه، فننال أجرين، وإن كنا على خطأ لم نعدم الأجر الواحد كما وعدنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حين قال:[ إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر] المحدث: ابن تيمية في مجموع الفتاوى، والحديث صحيح.
نقول: إن بقاء نور الله تعالى، وهو الإسلام، وظهوره على الدين كله محل رعاية الله تعالى حيث قال سبحانه: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون(8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون(9)} سورة الصف.
ولقد بدأ انتشار الإسلام وتقدمه ببعثته صلى الله عليه وسلم ولا يزال، ونجد ذلك في قوله تعالى:{ إذا جاء نصر الله والفتح(1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا(2)} سورة النصر.
فالسورة اسمها سورة النصر، ونصر الله تعالى (جاء) أي فعل ماض، أي أنه منذ بزغ فجر الإسلام وهو يستقبل كل يوم أفواجاً جديدة، والذي يؤكد هذا الفهم هو الفعل المضارع(يدخلون) وهو فعل يفيد الحال والاستقبال.
ورغم ما يحاك للإسلام من مؤامرات، ويكاد له من مكائد، ويتهم بالعنف مرة، وبالإرهاب مرات فإنه صامد صمود الجبال الرواسي بل أشد، ودليلنا على ذلك أن أعداد المسلمين في تزايد وأعداد غيرهم إلى نقصان. بل أثبتت الإحصائيات أن الذين دخلوا في الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أكثر من الذين دخلوا فيه قبل هذه الأحداث بينما كانت معظم التوقعات كانت تقول بغير هذا.
وإذا كان الإنسان عاجزا عجزاً مطلقاً عن إطفاء نور الشمس، وهي مخلوق من مخلوقات الله تعالى، فكيف يستطيع إطفاء نور الله تعالى؟!!.
لقد أخذ الله تعالى العهد على نفسه أن يتم نوره ويظهر دينه على الدين كله، ظهور حجة وسلطان، وأنه غالب غير مغلوب، فإن هذا لا يعني أن يتحول الناس كلهم إلى مسلمين، ولكن معناه أن يبقى الإسلام الدين الوحيد الذي يملك الحجة والبرهان والمعجزة الوحيدة على صدق البلاغ عن الله تعالى، وسوف يبقى الدين الوحيد نقاءً، وصفاءً لم تستطع الأيدي أن تعبث به، وإن تلوث صفاؤه، وتعكر نقاؤه، وأنه الدين الوحيد الذي سيظل صالحاً لكل زمان ومكان، بل ولكل إنسان.
هذا هو موضع العجب والاستغراب في هذه المعادلة الخاصة بالإسلام، فالإسلام ينتشر بالدفع الذاتي، ودليلنا على ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} سورة فصلت/26.
إن مجرد سماع آيات من القرآن تتلى تجعل الناس على اختلاف ألوانهم، وألسنتهم، وجنسياتهم يقبلون على الإسلام، ويدخلون فيه أفواجا لأنه الدين الحق الذي ظلت معجزته الدالة على صدقه محفوظة إلى اليوم، بل وإلى قيام الساعة، ولقد ظل الإسلام على صفائه وطهره لأنه يستقي من وحي السماء الرقراق.
هذه هي المعادلة العجيبة، وهذا هو حلها.. الإسلام يتقدم وأهله يتخلفون.. الإسلام ينتصر وأهله مهزومون!!

دراسة جدوى

Posted: سبتمبر 1, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :٢٢ أغسطس ٢٠١٤

اعتاد أصحاب المال والاقتصاد حين يريدون الدخول في مشاريع استثمارية، أن يعدوا دراسة جدوى لهذا المشروع من أجل أن يحددوا فرص النجاح والفشل في هذا المشروع.
ودراسة الجدوى هذه إذا كانت لإنتاج سلعة من السلع، فيجب أن تتضمن هذه الدراسة ما هو معروض من نفس السلعة، وهل المشروع الجديد سوف يقدم سلعة أفضل من السلعة المعروضة من حيث الثمن والجودة
وحاجة السوق إلى أمثال هذه السلعة؟ ثم ما هي فرص تفوق السلعة الجديدة على المعروضة حالياً في الأسواق؟.
فإذا قدمت الدراسة رؤية واضحة لفرص نجاح هذا المشروع أقدم عليه التاجر وهو على ثقة من المنافسة لسلعته الجديدة.
وما تحتاج إليه المشاريع الاقتصادية من دراسات جدوى، يصح أن تحتاج إليه المشاريع الإيمانية، فالدنيا ليست أولى بالرعاية والاهتمام من الآخرة، بل الآخرة هي الحيوان «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد»، والقرآن باعتباره منهاج حياة لم يغفل هذا الجانب المهم، ولقد حض أتباعه على اتخاذ ما يلزم من خطوات مدروسة من أجل الوصول إلى الأهداف الإيمانية المرجوة، والتي يريد المسلم أن يصل إليها، ويحقق من خلالها صحة إسلامه، وكمال إيمانه.
والقرآن الكريم باعتباره خطابا إلى الإنسان في جميع أدوار حياته، فهو يخاطب الإنسان المؤمن الذي يبحث عما يزيد إيمانه ويوثقه، وهو يخاطب الإنسان غير المؤمن بإله واحد لا شريك له، وهو يخاطب أهل الدنيا كما هو يخاطب أهل الآخرة، ويقدم لهؤلاء ولهؤلاء ما يسدد خطاهم، ويصلح شأنهم.
والقرآن خطاب إلى أصحاب العقول الراجحة، والبصائر النيِّرة، يزيدهم رجاحة عقل ونور بصيرة.
بل هو وعلى الإجمال خطاب إلى أهل التخصص في كل لون من ألوان المعرفة، فهو يقدم إليهم إشارات علمية واضحة الدلالة تعينهم على البحث والتقصي، وها هو القرآن يخاطب التجار، الذين يبحثون عن فرص جديدة للربح الوفير، ليلفت أبصارهم وبصائرهم إلى مشاريع استثمارية تنفعهم في الحياة الأخرى التي اعتاد الإنسان ألا يلقي لها بالاً، ولا يوليها من الاهتمام والرعاية ما تناله الحياة الدنيا من رعايته وعنايته، يقول الحق سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12)» سورة الصف.
الحق سبحانه وتعالى يعلن مشروعا استثماريا إيمانيا، ويدعو المؤمنين إلى المشاركة فيه، ويبيَّن لهم الحق سبحانه أن رأس مال هذا المشروع لا يقتصر على المال وحده، ذلك لأن المشروع متعدد الأغراض، متنوع الثمار، لهذا يتكون رأس ماله من: الإيمان بالله تعالى، وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) والجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس.
أما حديث القرآن عن دراسة الجدوى لهذا المشروع، فنجدها في مغفرة الذنوب، والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، وإقامة دائمة في مساكن طيبة.
كل المعطيات التي تقدمها هذه الدراسة لهذا المشروع تدل على أنه مشروع ناجح بالمقاييس الإيمانية، وأنه ذو عائد ربحي، وأرباحه ليست مالاً تضعف قوته الشرائية بمرور الزمن، وتقادم العهد، بل حسنات تزداد نمواً وبركة كلما طال عليها العهد، وتعاقبت عليها السنون.
إن دراسة الجدوى لهذا المشروع الإيماني تقدم لنا ضمانا للجودة لا مثيل لها، كما تحقق دواما لهذه الجودة لأن الذي وضع مواصفاتها هو الحق تبارك وتعالى، فهو مشروع استثماري مبارك يشبه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا يقتصر نفع هذا المشروع على صاحب المشروع، بل يمتد أثره إلى الذرية من الأبناء والأحفاد، واقرؤوا قوله تعالى: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً..» سورة الكهف/ 82.
ما أحوجنا إلى مثل هذه الاستثمارات في يوم تشخص فيه الأبصار، ولا ينجو فيه إلا من أتى الله تعالى بقلب سليم، وبعمل صالح متقبل، ونرجو أن نكون من هؤلاء.

فيه شفاء للناس

Posted: أغسطس 21, 2014 in خواطر الجمعة

تاريخ النشر :١٥ أغسطس ٢٠١٤

يتضمن القرآن الكريم مستويين من الخطاب: عامُّ وخاص، فحين يتعرض لقضية عامة يشترك فيها الإنسان بعمومه المؤمن وغير المؤمن يخاطبهم القرآن بقوله: «يا أيها الناس» وحين يريد أن يخص قوماً، أو جماعة بشأن من شئونهم الخاصة يناديهم بخطاب خاص بهم، فالذين آمنوا بالله ورسوله يناديهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» وهو خطاب التكليف لمن آمن بالإسلام، وأما خطابه لأهل الملل الأخرى، فيقول لهم مثلاً: «يا أهل الكتاب» وأما من هم ليسوا من هؤلاء ولا أولئك، فيقول لهم: «يا أيها الكافرون» أو «إذا جاءك المنافقون».. وهكذا.
ولقد سبق أن تحدثنا عن عطاء الألوهية للمؤمنين الذين قالوا لله ولرسوله عندما دعاهم لما يحييهم: (سمعنا وأطعنا).
واليوم نتحدث عن خطاب عام للناس جميعاً، وهو يختص بعطاء الربوبية الذي لا يفرق بين المسلم وغير المسلم.
لقد نبه الحق تبارك وتعالى خليله إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) إلى أمر مهم جداً، حين أنعم عليه بالإمامة، فأراد أن تبقى في عقبه، فمنعها الله تعالى عنهم، لأن الإمامة اصطفاء، والاصطفاء لا يُورَث، قال سبحانه وتعالى: «وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين» سورة البقرة/124.
وحين طلب إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) الرزق لأهله تذكر طلبه الأول، فخشي أن يقع في الخطأ مرتين، فقصر الرزق على من آمن به: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير» سورة البقرة/126.
نخلص من ذلك إلى أن الحق تبارك وتعالى عندما تكلم عن بعض خصائص العسل في العلاج لم يقصر نفعه على المؤمنين به سبحانه، الطائعين لأمره ونهيه، بل عم به جميع الناس، لأن ذلك من عطاء الربوبية، وعطاء الربوبية للطائع وللعاصي على حدٍ سواء، بل قد يؤتيه العاصي الذي أخذ بالأسباب، ويمنعه عن الطائع إذا تكاسل عن السعي، وقد يسأل سائل: إذاً ما الفرق بين العاصي والطائع إذا أخذا جميعاً بالأسباب، فكلاهما يحصل على هذا العطاء، ولا فرق بينهما؟.
نقول لهذا المتسائل: الفرق بينهما أن الطائع العامل يشارك العاصي في هذا العطاء الدنيوي، ثم يكون له وحده عطاء الآخرة، يقول سبحانه وتعالى: «من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلاًّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20)» سورة الإسراء.
من هنا ندرك جلال العطاء في قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69)» سورة النحل.
يا لجلال البيان، ويا لعظمة العطاء.. انه دواء مبذول لكل مريض، والطبيب المعالج لا يسأل مريضه عن دينه، أو عن إيمانه أو يقينه قبل أن يكشف عليه، ويشخص مرضه، ثم يكتب له الدواء، بل هو ينظر إلى المرضى جميعاً نظرة واحدة، وأنهم بحاجة إلى العلاج، أما إيمانهم، أو ما يعتقدون، فتلك قضية لا يشغل الطبيب نفسه بها لأنها لا تدخل في اختصاصه، كما هو حال الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) يشخصون أمراض الناس، ثم يصفون لهم الدواء، ويدلونهم على طريقة استعماله، ثم يتركونهم وشأنهم من شاء أخذ العلاج، فشفي من مرضه، ومن شاء أهمله فبقي يعاني ويتألم.
لقد أمرنا الله تعالى بأن نوفر الحماية والاستضافة لمشرك من دون أن يشترط استجابته إلى دعوة الإسلام، قال تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» سورة التوبة/56.
ما أعظم هذا الدين، وما أرحمه بالعباد، وما أنصفه وما أعدله في إعطاء الحقوق لأصحابها من دون أن يعوق ذلك عائق من بغض أو كراهية أو اختلاف في الدين.